‏إظهار الرسائل ذات التسميات نفس الإنسان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نفس الإنسان. إظهار كافة الرسائل

السبت، يوليو 04، 2009

عدت يا يوم مولدي!


أتعرف هذه الأغنية لفريد الأطرش، كلمات كامل الشناوي: عدت يا يوم مولدي؟ ليست هي الأغنية المناسبة للاحتفال بعيد ميلادك بأي حال، رغم أنني كنت أحياناً ما أستمع إليها يوم عيد ميلادي! نعم كنت مكتئباً وحزيناً في بعض الأوقات، وأحياناً في كثير منها! غير أنني اليوم أستعير من هذه الأغنية المشجعة للاكتئاب في يوم عيد الميلاد عنوانها فقط. لقد بلغت من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً منذ شهر تقريباً، فقلت لنفسي سوف أقدم لك وقفة تأملية وجيزة في هذه المناسبة!

* مرت على هجرتي في الولايات المتحدة سبعة سنوات. مرت مسرعة وأنجزت فيها القليل كما أضعت الكثير، أو هكذا أظن. فإذا مرت سبعة أعوام مثلهم دخلت في العقد الرابع من عمري! هكذا اقتربت الأربعين، أو اقتربت أنا منها! لقد يغير عام واحد عقداً كاملاً، والتحولات الحياتية تحدث بين يوم وليلة أحياناً. قد أبلغ الأربعين وأنا كما أنا أو أكاد، وقد آتيها وقد أنجزت ما تأخرت في إنجازه وفعلت ما طال تأجيله، الله وحده أعلم. بل وهل يعلم إنسان أصلاً ماذا يكسب غداً، أو بأي أرض وفي أي وقت يموت!

* أؤمن تماماً أن التغير الحقيقي للإنسان وحياته لابد أن يحدث أولاً في داخله، في عقله ونفسه. لذلك لا يقلقني كثيراً أن أنجز أشياءً ملموسة بقدر أن أصل إلى حالة إدراكية ومنهج حياتي يرضيني. إذا تحقق ذلك فقل على الدنيا السلام!

* ما زلت داخل جدران حياة ذاتية. هل ستأتي الأربعون وقد تخطيت نفسي وخرجت إلى الحياة الحقة والنور؟! إنني أعتقد أن الإنسان الذي يحيا في إطار حياته وحاجاته، همومه وطموحاته الخاصة هو إنسان مقطوع عن نبع الحياة الحق. ولن يشعر المرء بطعم أن يكون حياً قبل أن يفر من هذا الحبس الذاتي، الاختياري، بالفكر والعمل، ويكون الإنسان إنساناً (الجانب الإنساني الذي أسجد الله له الملائكة) بقدر ما يهتم بأمر الناس والأرض، وبقدر ما ترك من أثر، وأعان من بشر، ودرأ عن الأحياء من أذى وخطر.

* إن نهاية الطريق المحتومة والمعلومة هي الموت. وكأن الإنسان يسير في خط مستقيم نحو هذه الوجهة، ومهما باعدت به خطواته بين أهداف وآمال أو قربت، فإنها تقربه من الموت مع كل يوم يمر! وكأن الموت هو الهدف الأوحد المضمون لنا بلوغه! وبرغم ما قد يبدو في ذلك من تناقض ظاهر، فالحق أن الإنسان يزداد حياة كلما أدرك حضور الموت واستحضر حتميته، ورأى الأشياء والأحياء والأنباء من خلال عدسته!

الجمعة، نوفمبر 28، 2008

انتماء

قال لي: أشعر أنني لا أنتمي إلى هذا العالم.
قلت له: كلنا عابروا سبيل.
قال: كأنك تعني أن الناس جميعاً هكذا يشعرون؟
قلت: إن الحق حق مهما شعر الناس أو لم يشعروا.
قال: فما أفعل في حياة لا أتعلق بها ولا تغريني بشيء؟ إن الإنسان يترك وطناً لو فقد انتماءه له، فما يفعل رجل بحياة لا ينتمي إليها؟
قلت: الحياة وطن لا مفر منه.
قال: فكيف أقضي أعواماً، لا أعرف كم تبقى منها، في هذا الوطن الذي لا مفر منه، وأنا عنه راغب؟
قلت: ألا تجد شيئاً يغريك، وراضياً فيها يبقيك؟
قال: هذه الحياة وطن لا مفر منه، غير أن كل ما فيها يفر!
قلت: كل ما تحتاجه موقوتاً تحبه حتى يحين وقتك.
قال: الحب هبة تأتي من تلقاء نفسها أو لا تقيم نفسها إلا لحظة!
قلت: حيرني أمرك! ليس عندي ما أنصحك به!
قال: حتى أنت!
قلت: ما أنا إلا رجل موقوت، لا أنتمي إلى شيء ولا شيء ينتمي إلي. وإني وربك في ذات حيرتك وفي عين يأسك.
قال: أنت من ذكرتني من قبل أنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون!
قلت: إن الله حق لا ندركه، وسميع لا نسمعه، وبصير لا نبصره. ونحن صاحبنا الوهم حتى اعتدنا عليه. والإنسان عدو ما يجهل، وصديق ما يألف - مهما رأى منه من سوء.
قال: كأنك تهذي بما لا تدري وتفعل ما لا تعرف!
قلت: إن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء.

الاثنين، أغسطس 11، 2008

الرضا: كلمة معادة وقيمة لا تبلى

في تدوينة سابقة جاءني تعليق من صديقتي في التدوين نسرين، فيه نقد ذاتي وسؤال. والنقد الذاتي، أو المشكلة، هي عدم الشعور بالرضا، عن النفس وعما يحدث للنفس. ورأيت أن أفرد لتفكري في هذه الأسئلة تدوينة. أقول تفكري ولا أقول جوابي أو حلولي. فهذه مشاكل إنسانية يشترك فيها أكثر الناس بدرجات وأشكال متفاوتة، ولا شك أنني منهم. والكتابة أحياناً ما تكون تفكيراً مسموعاً، أو مرسوماً، على مرأى من الكاتب ومن الآخرين، وهذا التجسيد لهواجس النفس ومحاورات العقل يعين من يكتب على زلاته، ويقرب أعماق نفسه من حسه. وسوف أحاول أن أبحث عن إجابة بها -أنا والسائلة وكل زائر أو عابر سبيل - ننتفع؛ لعل ظلمات السخط أن تنقشع، وأنوار السكينة أن ترتفع!

أما نقد الصديقة صاحبة السؤال لذاتها فحقيق بتعقيب ولو سريع. أقول لها فقط أنه نعمة وبشارة. فإن الأعمى إن ظن نفسه مبصراً تحامق في سيره، وأهلك نفسه وغيره. ومريض تغاضى عن علته، وفرح بصحته، لا ينظر إلا هلكته.

تقول نسرين أنها ساخطة على نفسها، دائمة النظر إلى أخطائها، وأنها قد اتخذت من جلد الذات هواية لها. وكما مدحت نقد الإنسان لذاته، وإدراكه لعيوبه وزلاته، فإن كل حسن قد يتطرف فيضر ولا ينفع. ولعل الوسطية التي تلوكها ألسنتنا وأقلامنا كثيراً هي ما نبغي، فالوسط أو التوازن بين أضداد يوفر مجالاً مثالياً لحركة الإنسان في الأرض/المادة، وحياة نفسه في الروح. وهذا الوسط هنا هو توازن بين إدراك المرء لعيوبه، وتيقظه لأخطائه في الفعل والفكر، وبين تسامح الإنسان مع نفسه.

ولعل مما يعين الإنسان في مسامحته لنفسه هو تذكيرها أن الله غفور رحيم. ففي حديث واحد لنبي الإسلام عن هذا المعنى يقول أن الإنسان لو لم يخطيء فيستغفر الله فيغفر له، لجاء الله بخلق آخر يخطئون فيغفر الله لهم. وهو ما يبين أن الخطأ طبع إنساني معروف ومفهوم، ينظر له الخالق برحمة وود. وفي موضع شديد الأهمية من قصة الإنسان يخبرنا القران عن خطأ أبينا الأول، آدم عليه السلام، وكيف غفر الله له ذنبه بعد قليل من زلته. ولننظر قليلاً في بعض دروس هذه الخطيئة الأولى. اقرأ الآية:
"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما"
نعم، نعم! هذا نحن! كثيراً ما ننسى ويضعف منا العزم، أو الإرادة كما نسميها الآن. ومنشأ المشكلة هنا يكمن في "النسيان". انظر للآية وكيف أن النسيان فيها يسبق خوار الإرادة. ولذلك أيضاً يطلق على القران اسم "الذكر"، من التذكير والتذكر، وهو ضد النسيان. بل وقد تتلخص وظيفة الأنبياء في إنقاذ الإنسان من آفة النسيان: "إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر". وأريد أن أخلص من رسالة هذه الخطيئة الأولى إلى أمرين؛ أولهما قرب المغفرة الإلهية لأخطاء الجهل والنسيان: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم"، وأنه أولى بنا إذا انغمسنا في جلد الذات أن نقول لهواجسنا: ألا نسامح أنفسنا والله ذاته جل وعلا يغفر الذنوب جميعاً؟ وأين نحن من الله حتى يغفر هو ولا نغفر نحن؟! كما أن طلب المغفرة لابد أن يصحبه تيقن في قرب الإجابة: "ادعوني أستجب لكم"، ومن ثم فإن علينا أن ندرك أن عدم تسامح الإنسان مع نفسه هو من ضعف التصديق في مغفرة الله!

وإن هنالك أيضاً وصفة سحرية أجدى وأصلح من الهم بالأخطاء، إذا أردنا حياة إيجابية تعرض عن اللغو (والهم بالماضي لغو، إلا نظر للعبرة والفهم والدرس)، وتقبل على ما ينفع، وهذه الوصفة النبوية هي: "أتبع السيئة الحسنة تمحها". وهذه الوصفة العبقرية تهديك للانشغال بالحسنة بدلاً من الانشغال بالسيئة، فإن في تحول الخاطر من قبيح فعلناه إلى حسن نخطط لفعله مبعث للتفاؤل وشفاء للنفس. وإن تكرار محو السيئة بالحسنة لخليق أن ينزع السيئة من جذورها في النفس، حتى يستريح المرء منها إلى غير رجعة.

وتشير نسرين في تعليقها أيضاً لما نعرفه جميعاً من دعاء بلا إجابة، فأنت ترى الخير لنفسك وترجوه، فتدعو الله ثم تدعوه، ولا يتحقق شيء. فتتساءل لم يا رب لا تعطيني هذا الذي أبغيه! وربما قلت لنفسك كم من دعاء ألححت به ولم ألق رداً، ولم يعطني الله ما أريد! وظني أنه علينا أن نستخدم ما أقسم الله به في بدايات الوحي: "القلم"! يعني إن عجزت عن تذكير نفسك بما يجب أن تذكره، اكتبه وعد إليه بين الحين والحين. تقول نسرين مثلاً أنها تعلم تماماً أن الله أخرجها من مآزق كثيرة وأجاب لها حاجات سابقة. والحل هو أن "تدون" - أو تسجل إن شئت! - ما تستطيع تذكره من هذه الأحداث. هذا فيما يتعلق بما سبق وأجابه الله من دعاء. لكن الواقع لا يخفى، نعم كثيراً ما ندعو ولا يستجاب لنا. وأعود هنا لآفة النسيان. وحديثي بالطبع أوجهه للمؤمن الذي يحتاج لتذكر ما يؤمن به، وهو التالي: أن الله ينظر لحياتك من عل، فيرى ما لا تراه أنت. فأنت يا ابن آدم لا تكاد تبصر أمامك شبراً أو متراً، إلا محض ظن. فأنا إذ أكتب كلمة في ساعتي هذه لا أعلم يقيناً على أي حال سوف أنهيها! وقد ترى طريقاً أوله رحمة فتشتهيه، غير أن في آخره عذاباً لو اطلعت عليه لوليت منه فراراً، ولملئت منه رعبا! ومن جهة أخرى فإن تأخير الخير كثيراً ما يكون من لوازم التربية الإلهية للنفوس. ولو ظفر الإنسان بكل ما يشتهي فور اشتهائه لفسدت نفسه. كما أن ذلك لا يمكن أن يكون من طبائع الحياة الدنيا. ولعلنا نغفل كثيراً عن كون الدنيا مجرد حياة أولى، غير أبدية، وأن الهدف منها ليس تحصيل الإنسان للمتعة وخلوده للراحة والنعيم. والهدف الأصدق هو صقل الإنسان لذاته والعلو بها في مدارج العلم والعمل، على مر الأيام وتقلب الأحوال. وإن هذا التقلب ذاته بين الخير والشر، والعسر واليسر هو وسيلة إثراء وتنمية ثروتك الوحيدة في الحياة: نفسك!

طالت هذه التدوينة، وفرغ ذهني في هذه الساعة من تكملة لحديث في هذا الأمر. فأرجو أن أكون قد أفدت الصديقة السائلة شيئاً يكفر عن تأخري في الرد!

الاثنين، يونيو 02، 2008

الاثنين، مايو 19، 2008

ترجمة شدوية: السقوط ألف مرة

أخبرنا الحكماء ألا نبتئس مهما وقعنا المرة تلو الأخرى، طالما أننا نقوم من جديد ونواصل المسير نحو النجاح. لكن الحق أن اليأس يصيبني بعد الوقوع في كل مرة، ثم أجدني أقاوم محاولة القيام من جديد، ولم أقوم وأنا أعلم أنني سوق أسقط من جديد، تماما مثلما حدث في الألف مرة الماضية! أو لعلها الألفي مرة السابقة، من يعلم؟ فأنا لم أحاول أبداً حصر مرات السقوط.

إن التعب يتملكنا ونحن ممدون على الأرض في أعقاب السقوط. ولذلك لا نستطيع البدء بعمل أي جهد. فالحركة بحاجة إلى طاقة، لا سيما ونحن نتحرك إلى أعلى، ضد الجاذبية التي تمارسها علينا الأرض! إن الطاقة التي نحتاجها آنئذ أكبر بكثير مما نحتاجه ونحن نشطون متحركون بالفعل. إن القيام بعد سقوط هو أصعب ما في الرحلة!

أنا أعتقد تماماً أن علينا القيام مرة إضافية بعد الألف سقطة، أو الألفي سقطة، أو أي عدد من السقطات. غير أن المشكلة الحقيقية هي الوقت الذي نضيعه ونحن ممددون على الأرض بعد الوقوع. والسؤال الآن هو كيف؟ كيف نقلل من وقت بقائنا على الأرض؟ فالحق أننا سوف يصيبنا الإعياء بعد السقوط وسوف تسيطر علينا الكآبة. أتمنى لو كنا نستطيع ألا نعاني من هذه العواقب، لكنها سوف تحدث شئنا أم أبينا. فالسقوط بعد التحليق لابد وأن يؤلم. وقد يكون من شأنه أن يكسر بعضاً من كياننا المعنوي. فهل هناك وسيلة للشفاء بشكل أسرع؟ للحصول على الطاقة اللازمة للقيام من جديد دون تضييع الكثير من الوقت؟ هذا هو ما أحاول أن أجد له إجابة!

هذه ترجمة
لتدوينة كتبتها لتوي في مدونتي الانجليزية.

الخميس، أبريل 24، 2008

ترجمة شدوية: التسليم كبداية

هذه ترجمة لتدوينتي الأخيرة بالانجليزية في مدونة لماذا أنا مسلم. وقد رأيت أن أترجم ما أكتبه في مدوناتي الانجليزية حينما يعن لي ذلك. والأفضل أن أعيد الكتابة بالعربية، لكنني كنت أكسل من ذلك، فترجمت ما كتبته لتوي إلى العربية كما يلي:

لم يكن قبولي الإسلام ديناً - رأيت فيه الاختيار الوحيد الذي يصلح لفكري - بمثابة خاتمة. لم يكن هذا الاختيار إلا اهتداء إلى حل، أو خلاصة. فالخلاصة تختلف عن النهاية في كونها لا تهدف للإغلاق والإنهاء، بل لبناء أساس متين. فمن غير الممكن بناء أي شيء على غير أساس. إن البناء هو السبيل الأوحد لخلق أشياء تدوم ولا تفني. البناء هو سبيل الخلود!

إن النهاية موت وفناء. لو كان من شأن قبولي الإسلام أن يمثل نهاية لما قبلته ابتداء. لقد جذبني هذا الدين حينما رأيت فيه دعماً ودعوة للحياة، والحرية، والجمال، والفطرة السليمة.

لم يكن قبولي لهذا الدين إلا بداية. لقد وفر لي مصدراً موثوقاً به، مصدراً أستطيع الرجوع إليه واستشارته في رحلة الحياة وأنا مطمئن إلى صدقه. لم يضع الإسلام حداً للأسئلة. إنما الأسئلة جزء من الرحلة لا يتجزأ. وأنا ما كنت لأقبل رسالة الإسلام لو رأيت فيها قمعاً للأسئلة والاستفهامات.

أنا ما زلت على الطريق. لم أصل إلى وجهة واضحة بعد. ومعي رسالة الإسلام وكأنها خريطة وكتاب إرشادي أحتفظ بهما دائماً على قرب. ولولا هذه الرسالة لأضحت الرحلة كئيبة ومخيفة، ولبدت الحياة لغزاً يلفه الغموض والظلمات!

الأربعاء، فبراير 20، 2008

Down times

أشهد الحياة أنني غير فخور بعملي فيها حتى اليوم. لله أن يعرض عني بوجهه، فقد وضعني في أرضه فما زدتها جمالاً ولا أصلحت فيها ركناً، وإنما تتراكم أخطائي وتنمو مثل كرة ثلجية تهبط على منحدر الجهل والتقصير. ليتني أستطيع الخروج منها باختياري، غير أنه لا فرار من الحياة ولا قرار. فسوف يأخذها من أعطاها. حتى التوقف غير متاح، فما زلت مجبراً على مواصلة المسير. ولا أرى على مرمى البصر استراحة على الطريق!

الأحد، فبراير 10، 2008

حيلة المخلوق

يقول محمد علي في كتابه:

أهم شيء في الملاكمة هو ما تستطيع فعله بعد أن يبلغ بك التعب مداه. نفس الشيء ينطبق على الحياة.

What counts in the ring is what you can do after you are exhausted. The same is true of life

توقفت عند المعنى وكأنه يتحدث إلي. فالتعب يبلغ بي مداه بين الحين والحين. ويحدث أن يقترب الحين من الحين، حتى يتعطل الأمل، وتغلب الحيرة، ولا يجد المرء مفراً من الدنيا. والفهم يعلم أن الوقت إلى فناء، وأن ما يمضي فكأنه لم يكن. غير أن الإنسان تغلب عليه اللحظة، ولا يملك إلا أن يقر بضعفه (وخلق الإنسان ضعيفا). كل ذلك يؤكد للإنسان حقيقة عبوديته، فهو أضعف من أن يفر مما يكره. ليس للإنسان على شيء من أمر، في حين يقول الله للشيء كن فيكون. هذا مقام الخالق ومقام المخلوق.

ولا نستطيع مغالبة التعب والمضي في الدنيا دون حول من لا حول إلا له.

الجمعة، يناير 18، 2008

شرح التدوينة

في التدوينة قبل السابقة كتبت صياغة شخصية لحكمة قديمة، جاءت إلى ذهني في معرض حديث لي مع نفسي، وكنا نتحاور ونفكر، كيف نربيها وننقيها من أشياء فيها. فقد أتعبتني زمناً طويلا، وأعاشتني عمراً عليلا. ومن مساوءها كذلك أن جعلتني كسولا، وأنا أحب أن أكون فاعلاً في الحياة لا مفعولا!

المهم أنني في هذا الحديث قلت لها هذه الحكمة: افعل ما تكره، يفعل بك ما تحب! ولم يفهمها بعض من قرأها من الأصدقاء، فوعدت بالشرح والتبيان. وها أنا أفي بالوعد، أعاننا الله على الوفاء ببقية الوعود، وإتمام كل ما كان وما يكون من العهود!

أما المعنى القديم فهو ببساطة مخالفة الهوى. فأنت إن خالفت هواك الذي يميل للراحة حين يلزم الجهد، وللنسيان حين يجمل التذكر، رأيت في حياتك من بعد ما تحب. فأنت تفعل ما تكره مؤقتاً وتغالب هواك لكي تفعل التي هي أحسن، فيفعل الله الخير لك وبك. وهكذا قلت لي وأنا أذكرني: افعل ما تكره، يفعل بك الله ما تحب!

وإن كان غيري قد رأى فيما قلت معنى آخر فلا بأس. فإن العقل يضع في كل شيء من ذاته، من خبراته وخطراته. والعقول المختلفة إذا اجتمعت على شيء واحد ولدت منه وجوهاً كثيرة ومنافع غزيرة!

السبت، يناير 12، 2008

تسلق الكلمات نحو السماوات

للإنسان أن يتخذ من الكلمات مصعداً نحو سماء رحبة، وشمس نورها مشرق، كنور الصبح، يكشف آفاق الكون، لا يغشى البصر أو يحرق البشر. فالكلمة عجيبة من خلق الله، مادتها صوت مجرد، يُبطن إشارات وإيحاءات تجيد لغة النفس ولغة العقل ولغة القلب. وهي لغة أخرى غير ما ننطق، قوامها معنى خالص لا مادة له.

قد يتخذ الإنسان من الكلمة سلماً نحو وجه الله، أو مهبطاً في قاع الشيطان.

وقد تأتيه الكلمة فتحاور قلبه وتستميله إلى النور، ولكنها تفر من بعد، فلا يستطيع المرء لها إمساكاً أو إبقاء. وكيف يمسك معنى لا مادة فيه؟ إن الإنسان لا يعرف غير إمساك باليد، أما إمساك بالعقل أو بالقلب فذاك مجال جهد واجتهاد!

إن الكلمة حديث للشيطان، أو تلاوة من قرآن!

والكلمة تحجب الإنسان عن ذاته؛ تُزين زلاته، وتنمق كذباته، فتفسد حياته.

إن الإنسان لتوقظه كلمة وتغفله كلمة.

والنفس يعبرها كلام من نور وكلام من نار، ولا تعلم كيف تمسك النفس ما تمسك، وتجحد ما تجحد.

والكلمة تطيب النفس، وتنفث السم. يظلم بها كون الإنسان، أو تشرق فيه أضواء تذهب الهم والحزن.

كلمة النور تفلت من قلب أو تبقى فيه. تشح أو تغدق. وليس للإنسان عليها من سلطان. فهي هبة من الله، يعطيها من يشاء، ويستبقيها لمن يشاء.

الجمعة، يناير 04، 2008

إغلاق مدونة

لا أقصد هذه المدونة، ولله الحمد! وإنما أقصد مدونة أخرى أنشأتها منذ بداية عهدي بالتدوين وكنت أقصد أن أضع فيها كتاباتي السابقة على عهدي بالتدوين، غير أنها بقت زمناً طويلاً لا أضيف إليها جديداً ولا قديماً. لذلك رأيت أن الأفضل ألا أزحم الانترنت بها (قال يعني هو ما اتزحمش لسه!) وأن أغلقها وأنقل ما بها لهذه المدونة.

والمنقول منها رباعيات ثلاث ومقال واحد طويل. أما الرباعيات فكانت بداية تجربتي مع هذا الفن بعد اطلاع سريع على رباعيات صلاح جاهين. وهذا المقال بالذات قريب إلى قلبي لأنه كان بداية عودتي للكتابة بعد أن انقطعت عنها سنوات طويلة. وكتبته فأعطيته ما أحب من الوقت ومن النظر واختيار الكلمات على قدر طاقتي ورؤيتي في ذاك الوقت. فأنا أنفر من استخدام التعبيرات الجاهزة حتى أتحقق أنني أعي ما أقول وأعنيه. وذلك ليس دائماً بالأمر السهل. فإننا نطلق الكلام في كثير من الأحيان بقوة "الدفع الذاتي"! والأجدى أن نتدبر ونتحقق حتى لا نقول إلا صدقاً، بقدر الاستطاعة. والصدق في الحديث هدف يحتاج إلى تدريب ومراس. وإنني كثيراً ما يقلقني التهويل وضعف التدقيق في حديث من أعرف من أبناء ثقافتنا، ويظهر ذلك حينما أستمع لرواية حدث شهدته بنفسي، على لسان مشاهد آخر له لآخرين لم يكونوا حاضرين. لكثرما أتدخل في مثل هذه المواقف لأعدل وأضيف، أو أهون من وقع الكلمات المبالغة باختيار كلام أقرب لحقيقة الأحداث! والناس عندنا تهول وتزين الكلام بحسن نية، ولا يدركون أن الغفلة، وضعف النظر، وسوء اختيار الكلام، من دواعي السقوط في الكذب.

المهم، التدوينات السابقة تجمع ما كان في المدونة المغلقة. وانظر كيف أنهينا حياتها حينما توقفت عن النمو والتجدد! ولكأنها رسالة لنا أن الموت خير من حياة راكدة، وأفكار جامدة، وأبدان هامدة!

انتظار

علقت كل شىء وجلست فى انتظار

عينى على عقرب الساعة فينه صار

يقينى إنى قاعد ، والساعة ماشية

لكن ياعينى ، هى راكب ، وانا الحمار

إرادة

عايز ده .. أو ده .. يجوز

قادر .. لكن المهم اعوز

اعوز إيه .. واعوز ليه

وكأنى فى شبابى .. طفل وعجوز

الأربعاء، نوفمبر 21، 2007

بذور أنبتت هجرة

للهجرة بذور. وهل من شيء يبدأ وجوده في هذه الأرض فجأة، أو من ولادة لحظة؟ ولأن البذر في مبدأه صغير الحجم هين الشأن، فهو يتخذ مخصبه في نفس الإنسان-كما في بطن الأرض-في بقعة صغيرة، لا يفصح عن نفسه لكل عابر أو ناظر.


والبذرة لا تحمل في طياتها كل أسرار وأحوال كيانها الذي سينمو مع مرور الأيام والأعوام. فالماء، بكثرته أو وفرته، و التربة وما تحويه من هموم وسموم، ولقاح وأفراح، تعطي مما فيها للكيان الجديد النامي. فتخرج لنا خلاصة التكوين الفطري والاكتساب الظرفي.


ولهجرتي التي أعيشها الآن دوافع وبذور، تمتد في الماضي الداخلي سنوات وجذور. والإنسان غالباً ما يحيا يومه مفصولاً عن أمسه وغده، والفصل إهلاك لليوم، وللماضي وللآتي جميعاً. ولإن وصلتهم فقد أعطيتهم حياة جديدة وألبستهم حُلة من الفهم والمعنى، تضفي على صاحبها بهاء وضياء، وتقيم في الأنفس ما اعوج من رجاء. (قد يستحق "اعوجاج الرجاء" -أو الأمل- موضوعاً وحده وتفسيراً)


ومن إحسان المرء لنفسه أن يتدبر ماضيه، ويتعقب فيه أسباب ما يعيشه في يومه الحاضر. وهو ما أنا بصدده الآن من محاولة لتفسير أو تعقب بدايات الهجرة في نفسي. وأنا أؤمن إيماناً لا يتزعزع بمسؤلية المرء عن جل ما يحدث له، ولا يصيبني هم أو مكروه إلا قالت لي نفسي، أو قلت لها، هذا من سوء عملك ومما سبق من جهلك. ولن يعدم المرء أخطاءً وجهلاً في ماضيه فلا يأسى على نفسه ولا يظن أنه ضحية لفعل غيره فيه، إلا في أمور وأحوال يكون الظلم فيها بين، والاعتداء بلاء. غير أن أكثر ما يمر بالناس من هم أو من خير هو محض بضاعتهم ردت إليهم: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض".


فما الذي دفعني لترك أهلي والهجرة في بلاد الغرب؟ هنالك الملايين من الشباب يطمح في الهجرة، وهناك غيرهم لا تروق لهم الفكرة ولا يفكرون فيها أو يسعون إليها. ولكل فكره الخاص وطموحه، وكل طامح للهجرة له أسبابه النابعة من رؤيته للحياة وما يرجوه منها.


الواقع أن الرغبة في الهجرة كانت تراودني منذ كنت في سن المراهقة، وأنا في المرحلة الدراسية الإعدادية. لا أذكر ولا أظن أنها بدأت قبل ذلك. غير أن ما يجدر بالذكر أنني بداية كنت أود أن أهاجر لعدد محدود ومعدود من السنين، لكي أرى ما لدى المتقدمين وأتعلم منهم، ثم أعود لبلدي كي أنفعه بخبرات وعلوم السفر. ولكن هذه الرؤية الحالمة تغيرت بعد ذلك قبل حتى أن أسافر. وكانت الصيغة النهائية لرغبتي في الهجرة هي الهجرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، يعني هجرة مفتوحة الزمن. وكان مبعث ذلك ولا شك ما زاد من خبرتي بالحياة في بلدي، إذ توصلت لنتائج منها أنني لا أستطيع التأقلم مع كثير من سلوك أهل وطني وتعاملاتهم في حياتهم ومصالحهم. كذلك توصلت أن أصلح عيش لي في هذا المناخ هو عيش السائح، يعني أن تكون حياتي ومصالحي في أرض المهجر، وآتي مصر وأقضي فيها وقتاً كزائر لا أكثر. ومما توصلت إليه أيضاً في ذهني أنني لكي أستطيع أن أقدم نفعاً لأهل هذا البلد، فإنني لن أستطيع تقديمه وأنا خاضع لما يخضعون له من قهر تتنوع أشكاله وأحواله. ومنطقي في ذلك أن الغريق لا يمكن أن يمد يد العون للغرقي من حوله، ولا يستطيع إنقاذ غريق إلا من لا يهدده الغرق. أما محاولات الغريق إنقاذ من حوله فليس لها من ثمرة إلا تخليص ضميره، ولن ينقذ بعدها نفسه أو غيره. وأنا أريد نتائج عملية، ولا يعنيني في كثير أو قليل أن أصرخ وأصرخ حتى يبح صوتي، ولا يتحرك ما أصرخ ضده ولا يرجع عن ظلم أو إفساد. وأولى بي أن أهدأ وأدخر ما عندي من طاقة، حتى يكون للفعل أثر وللسعي ثمار وإصلاح وإعانة للناس على حياتهم. ولن ينتفع أحد ببقائي أنا أو غيري وسط الأطلال لكي نغني لها ونبكي عليها، كعادة شعراء العرب في الماضي والحاضر!

هذا إذن كان الإطار العام لتفكيري في الهجرة ومنطقي في اختيارها. أما شرح وتفصيل ما أدى بي لهذه النتائج، فأنوي عرض ما يتسنى لي منه في تدوينات منفصلة بعون الله. فكل سبب منهم بحاجة لتفصيل وتوضيح بإذن الله، وقد أجعل من ذلك بداية لسرد جوانب من تجربتي في الهجرة، فأنا أعلم أن كثير من الشباب يتطلعون لكل مصدر يستطيعون منه تبين حقيقة الهجرة. والحق أن العلم دوماً أفضل من الجهل، فالجهل ظلمة كما تعلم، ولا يسافر عاقل في طريق إلا ويستصحب ما يتأتى له من نور يكشف له ما تسنى من سبيله وهدفه. ولا أنكر أن الإنسان كثيراً ما تخلو ردود أفعاله من عقل ومن تلمس لبينة ما هو بصدده!

الأربعاء، أكتوبر 03، 2007

رسالة في حلم

فيما يرى النائم، رأيتني متخذاً مجلسي على الأرض وسط نفر قليل من الرجال، في جو يوحي بالتواضع والبساطة الشديدة. يلتف الجمع الصغير حول قطعة قماش على الأرض وفوقها بعض من طعام، في إحدى ليالي العيد. على يميني هيئة غير واضحة المعالم لرجل يرتدي جلباباً أبيض، أعلم في الحلم أنه رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. وعن يساري رجلان أو ثلاثة لا أعرفهم. كنا نهم بالأكل، فإذا بالرسول يلفت انتباهنا لرجل غير ظاهر، يبدو أنه جالس في الخلف، ويأمرنا أن نطعمه فهو الأولى، كونه فقير. مددت يدي إلى حافظة نقودي أبحث عن بعض مال من حق هذا الفقير كي أؤديه إليه، وأخذتني به الرحمة فانخرطت في بكاء غزير، ثم انتهى الحلم على هذا البكاء.

لا أذكر تماماً متى كان هذا الحلم، ولكنه من تلك الأحلام التي تبقى في الذاكرة لا تبرحها، مع بساطة أحداثه وقلتها. أثبته هنا تدبراً لرسالته، ومحاولة لتذكرها والعمل بها. وقد يرى فيه غيري ما لم أستطع أنا رؤيته.

ما أكثر ما ينسى الإنسان نفسه إذ تستولي عليه تفاصيل حياته اليومية، ومشاكله الذاتية، ورزقه وأمانيه. ولا نحسبن أن ذلك من تذكر الإنسان لنفسه، بل العكس تماماً هو الأصح. فالإنسان كلما أحاطت به أنانيته ذهل عن ذاته وانفصل عن نفسه. ولا يعود المرء للتواصل مع ذاته والتصالح معها إلا بالنظر في الكون والهم بأحوال الدنيا والناس. قد يكون ذلك أن من صلب رسالة الإنسان على الأرض وأسباب زيارته لها كونه مستخلفاً فيها. والخليفة مطالب، بحكم الوظيفة، بالاهتمام بأحوال رعيته. والكل راع ومسؤل عن رعيته كما أخبر نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.

هاكذا كان بكائي في الحلم بكاء التائه، الذي انتبه فجأة لحقيقة ما غفل عنه من تيه نفسه. فعادت النفس من ضلالها وأفاقت على وجود مثل هذا الفقير الذي هو إنسان مثلنا له نفس مثل ما أن لنا نفس. ومن ظلم النفس أن نحفل بآمالانا وآلامانا ونعرض عن حق المحرومين في خيرات الأرض وضرورات العيش. ما أقبح غفلتنا عن حقوق الخلق.

ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين...

الجمعة، سبتمبر 21، 2007

كتاب الأحلام



ما أكثر شيوع كتب "تفسير" الأحلام في بيوتنا. غير أن كلمة تفسير لم تسقط من العنوان أعلاه. فكتاب الأحلام الذي أعنيه لا يفسر أحلاماً تأتينا من عالم الغيب، برسالة يحاول عقلنا المحدود فك رموزها، أو بأحاديث نفس مرتبكة متفككة. كتاب الأحلام الذي أعنيه ندون فيه الأحلام بالعقل والخيال، بالصور والكلمات، ونضع في كل ذلك رغبة الإنسان المشروعة في نعم الله التي بثها لنا في الأرض.

سأسرد عليك حكاية. رجل أعمال وكاتب أمريكي انتقل حديثاً إلى بيت، أو قل قصر، جديد. وجمع في صناديق كبيرة أشياء كثيرة من حياته الماضية. وترك الأشياء في الصناديق في غرفة مكتبه زمناً. ذات يوم دخل عليه ابنه الصغير، وأخذ يعبث في أحد هذه الصناديق. ثم أخرج أوراقاً لزقت عليها صور لأشياء مختلفة، وسأل أبيه عن ماهية هذه الصور. ذهب إليه الرجل ونظر. ثم بكى. وحينما سأله ولده عن سبب بكائه، قال له الأب معنى الصور ومبعث الدموع. فالصور هي ما كان الأب يجمعه من صور لأي شيء جميل يراه ويود الحصول عليه، فيقص الصورة ويلصقها في صحيفة الأحلام. وهي حيلة إنسانية لمحاولة الإبقاء على روح التفاؤل والرغبة في العمل في نفس المرء. أما مفاجأة الأب فهي أنه رأى صورة بيته الذي اشتراه حديثاً يطل عليه من بين الصور القديمة. لم يجد صورة لبيت، أو قصر، يشبهه، ولكنه كان هو هو. لقد اشتراه بعد أن أصبح قادراً على الحصول عليه، وكان غافل الذاكرة عن الصورة القديمة التي وضعها في صحيفة الأحلام!

ومهما كان ما حدث مع هذا الرجل شيئاً غريباً واستثنائياً، فالرسالة والدلالة ثابتة وصادقة. فتركيز العقل والعاطفة على هدف أو حلم يبثان رسالة الإنسان وعزمه في أرجاء الكون كله. وإن رغبة حارة في نفس إنسان لعامرة بطاقة تهتز لها الأرض وتصغي لها السماء. ألم يقل رسول الإسلام (ص) أن ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، إشارة نبوية لحقيقة حياتية، تلبي طلب من يدركها ويعمل بها، بأشكالها المختلفة: ما بين دعاء الموقن وأمل المتفائل الباعث على العمل.

وطلب الدنيا ليس دناءة كما قد يوحي إلينا كلام ورثناه من أزمان، لعلها أزمان الفشل والكسل. فالله عز وجل خالق عظيم وكريم يحب العطاء، وهو يحب من يؤمن على قوة أكثر من حبه للمؤمن الضعيف، وإن كان في كل خير.

وكتاب الأحلام الذي أقترحه عليكم هو مثل ما فعل هذا الكاتب ورجل الأعمال الأمريكي. اكتب كتاب أحلامك بيديك. ضع فيه صورة جميلة، واكتب أملاً براقاً يشرح النفس. والجمال مثل النور أينما وجد في مكان، أو في إنسان، فإنه يتعداه إلى ما حوله. وكتاب أحلامك سوف يبث الجمال والنور من حياتك أنت إلى الدنيا وما فيها.

وفي النهاية، فالصورة أعلاه يا أعزائي هي من شرفة منزلي الذي يطل على بحيرة وجبال، يحدثان القلب بجمال خارق، من إبداع أحسن خالق. أهلاً بكم في أي وقت على كوب من الشاي وحديث لا هو اللغو ولا هو النميمة، ولكن مثل حديث أهل الجنة. نقل خيرا، أو نصمت ونستزيد من التأمل والنظر في نعمة الجمال.

طبعاً خمنتم أن الصورة من كتاب الأحلام!

الثلاثاء، سبتمبر 18، 2007

امسك.. أحلامك

نحن نقول، "امسك حرامي"، لأن اللص سريع الهروب يعجل بالاختفاء إلى حيث لا تستطيع الوصول إليه بعدها أبداً. وهنالك شيء أو حدث أو قل جزء من الإنسان له نفس الطبع والسلوك، فهو يعجل بالاختفاء عن ذاكرتك إذا لم تعجل أنت بالإمساك به. والمحزن أن هذا الهارب قد يكشف لنا الكثير عن أنفسنا، ومن طبعه، لو أعطيناه حقه من التمعن والدراسة، أن يقربنا لخفايانا وما يعزب عن إدراكنا المحدود والسطحي بأنفسنا. وما أحوج الإنسان لمعرفة نفسه والاستزادة من العلم عن ذاته. والدواعي لذلك تتعدد، وقد يكفي ما قاله رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، عن حقيقة أن "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك". أولسنا بحاجة لمعرفة عدونا كي نتقي شره ونستزيد من الخير لأنفسنا ولأهلنا وللدنيا جميعاً!

من عادتي أن أبدأ "مشاريع فكرية" (!!) ثم ينسينيها الشيطان، أو ربما من هو أعدى لي من الشيطان، نفسي! قد أفكر في شيء، فأنقش على ورقة، أو أفتح ملفاً على الكمبيوتر كبداية لما قد يثمر خيراً لو استمر وتراكم. من ذلك أنني وجدت وأنا أقلب في أوراق قديمة ورقة يبدو أنني نويت أن أجعلها بداية لعادة تسجيل أحلامي وهي ما تزال حاضرة في الذاكرة. وجدتني قد كتبت فيها حلمين لم أذكرهما بالمرة حين قرأتهما بعد زمن، ربما عام أو أكثر قليلاً أو أقل. واندهشت كيف أنني نسيت حلمين كهذين، فقد شعرت أن لهما دلالات مهمة. وهناك من الأحلام ما يزال حاضراً في الذاكرة ولو مرت عليه سنوات بل وعقود. فقلت لنفسي، هاكي يا نفس دليل جديد ومتكرر على خسارة الانقطاع عما يبشر بخير: بمزيد من العلم والإدراك.

أليست تلك عادة حميدة، أن ندون أحلامنا قبل أن ننساها؟ ثم نعود إليها من وقت لآخر، وننظر في الدلالات والإشارات، لعلنا نفهم غياهب نفوسنا بشكل أفضل، فنسعى في الحياة على بينة، ونمشي على سراط مستقيم.

الأربعاء، أغسطس 29، 2007

شهر كالساعة

كنت منذ عودتي الحديثة للتدوين أنوي المداومة على الكتابة قدر المستطاع، ولكني انقطعت ما يربو على الشهر، وكنت قد وعدت صديقاً قارئاً، أحمد خيري، أن أرد على استفسار له عن السفر للولايات المتحدة في تدوينة خاصة. وأنا لم أنس الوعد وإن أخرت تنفيذه، والوعد حين يخرج من فم المرء أو من قلمه فإنه يملكه، ويصبح ديناً يحمله الضمير حتى يتحقق فيتخفف منه.
وأنا أعتذر للقاريء الصديق وأعده بأن أفعل ذلك في أقرب فرصة بإذن الله، وقد يعينني الله على الانتظام في الكتابة، فلعلني بذلك أفيد، ولو قليلاً، وأستفيد. وأشير هاهنا لسرعة مرور الأيام، فحين يمر الشهر يصبح كالساعة أو أقل، بل ويمر العام والعامان وأكثر من ذلك فتنظر إليهم وقد انكمشوا إلى حجمهم وظهرت للمدرك حقيقتهم. فالزمن وإن طال لا شيء، ولكن الشيء هو ما نفعل فيه، فإن أحسنا أثمرنا، وإن كسلنا وعجزنا أخسرنا وخسرنا. والله الهادي

الثلاثاء، يوليو 31، 2007

لله وللناس

الأيام طويلة، لكن الحياة قصيرة. حكمة قرأتها منذ زمن، لم تبرح ذهني لشدة بساطتها وصدقها. والإنسان يحيا في اليوم أكثر مما يحيا في الغد أو في المستقبل، قريباً كان أو بعيدا. ولذلك ينطلي عليه أن الحياة طويلة، وأنه لا بأس أن يحيا يومه كيفما اتفق، دون تدارك لتقصير أو سعي للإصلاح والتغيير، فيهون عليه التأجيل لكل عمل جليل.

وحينما تمر بنا لحظات إفاقة وإدراك، ندرك أننا نسير على غير هدى، ونحيا بنظر قصير ونتغاضى عن رؤية أفق الطريق. وكثيراً ما لا تأتي الإفاقة إلا ومعها الحيرة. نقول حسناً، أدركنا أن هنالك نقص وتقصير، ولكننا لا نعلم كيف نستوي على سراط مستقيم. فالصراط المستقيم بحاجة لإدراكين لا يستقيم بدونهما طريق، الوجهة والموقع الحالي. قد يكون تحديد الموقع أقرب من تحديد الهدف. فالنفس قد ترضى بوجهة، ثم تتقلب بعد زمن، وتعاود التشكك والتساؤل من جديد عن أكثر الأهداف جدارة بسعي الإنسان.

حاولت النظر فيما تيسر للعلم من حياة أكمل قدوة للإنسان، وهو نبي الإسلام محمد بن عبد الله (ص). فوجدت أن حياته بعد أن وضحت رسالتها تمحورت حول وجهتين أو هدفين. الأول هو عبادة الله، والثاني مساعدة خلق الله:
"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين"
"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
يعني لو حاولنا تمثل ما كان يحرك النبي في صلاته ودعائه، وجهاده وحديثه، لوجدنا أنه يتحرك في الدنيا طاعة لأمر الله له بإبلاغ الرسالة. غير أن محمداً لم يبلغها تبليغ المحايد الذي لا يرجو غير أداء الواجب وتخليص الذمة ودمتم، ولكنه كان مدفوعاً بحب ورحمة بالناس، فهو يود من قلبه أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا يطمئن بالاً بتصورهم وقد خسروا أنفسهم وخلدوا في النار:
"فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"
ولو نظرت في تراث نصح الرسول للبشر لوجدتها تغطي كافة نواحي حياتهم، وتمتد إلى أشياء قد لا تؤثر كثيراً في شؤن الدين والإيمان، فهي نصائح حياتية تهدف لتيسير وتحسين حياة المرء على الأرض، حتى وإن كانت الأرض فانية وحياة الإنسان عليها قصيرة.

قد يكون في ذلك هدي لمن يبحث عن وجهة أجدر بالجهد والعمر. الله وخير الناس.

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين