‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة ذاتية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرة ذاتية. إظهار كافة الرسائل

السبت، يوليو 04، 2009

عدت يا يوم مولدي!


أتعرف هذه الأغنية لفريد الأطرش، كلمات كامل الشناوي: عدت يا يوم مولدي؟ ليست هي الأغنية المناسبة للاحتفال بعيد ميلادك بأي حال، رغم أنني كنت أحياناً ما أستمع إليها يوم عيد ميلادي! نعم كنت مكتئباً وحزيناً في بعض الأوقات، وأحياناً في كثير منها! غير أنني اليوم أستعير من هذه الأغنية المشجعة للاكتئاب في يوم عيد الميلاد عنوانها فقط. لقد بلغت من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً منذ شهر تقريباً، فقلت لنفسي سوف أقدم لك وقفة تأملية وجيزة في هذه المناسبة!

* مرت على هجرتي في الولايات المتحدة سبعة سنوات. مرت مسرعة وأنجزت فيها القليل كما أضعت الكثير، أو هكذا أظن. فإذا مرت سبعة أعوام مثلهم دخلت في العقد الرابع من عمري! هكذا اقتربت الأربعين، أو اقتربت أنا منها! لقد يغير عام واحد عقداً كاملاً، والتحولات الحياتية تحدث بين يوم وليلة أحياناً. قد أبلغ الأربعين وأنا كما أنا أو أكاد، وقد آتيها وقد أنجزت ما تأخرت في إنجازه وفعلت ما طال تأجيله، الله وحده أعلم. بل وهل يعلم إنسان أصلاً ماذا يكسب غداً، أو بأي أرض وفي أي وقت يموت!

* أؤمن تماماً أن التغير الحقيقي للإنسان وحياته لابد أن يحدث أولاً في داخله، في عقله ونفسه. لذلك لا يقلقني كثيراً أن أنجز أشياءً ملموسة بقدر أن أصل إلى حالة إدراكية ومنهج حياتي يرضيني. إذا تحقق ذلك فقل على الدنيا السلام!

* ما زلت داخل جدران حياة ذاتية. هل ستأتي الأربعون وقد تخطيت نفسي وخرجت إلى الحياة الحقة والنور؟! إنني أعتقد أن الإنسان الذي يحيا في إطار حياته وحاجاته، همومه وطموحاته الخاصة هو إنسان مقطوع عن نبع الحياة الحق. ولن يشعر المرء بطعم أن يكون حياً قبل أن يفر من هذا الحبس الذاتي، الاختياري، بالفكر والعمل، ويكون الإنسان إنساناً (الجانب الإنساني الذي أسجد الله له الملائكة) بقدر ما يهتم بأمر الناس والأرض، وبقدر ما ترك من أثر، وأعان من بشر، ودرأ عن الأحياء من أذى وخطر.

* إن نهاية الطريق المحتومة والمعلومة هي الموت. وكأن الإنسان يسير في خط مستقيم نحو هذه الوجهة، ومهما باعدت به خطواته بين أهداف وآمال أو قربت، فإنها تقربه من الموت مع كل يوم يمر! وكأن الموت هو الهدف الأوحد المضمون لنا بلوغه! وبرغم ما قد يبدو في ذلك من تناقض ظاهر، فالحق أن الإنسان يزداد حياة كلما أدرك حضور الموت واستحضر حتميته، ورأى الأشياء والأحياء والأنباء من خلال عدسته!

السبت، ديسمبر 20، 2008

من أرض إلى أرض

منذ شهر كامل هاجرت هجرة جديدة، من أرض كانت قد أصبحت مألوفة، إلى أرض غريبة وجديدة. من مدينة صغيرة إلى مدينة كبيرة، ليس لي فيها إنسان ولا مكان. كنت أود أن أترك الجليد والبرد إلى جنوب القارة حيث الشمس والدفء، غير أنني، تحركني تدابير القدر التي تعلو على أفهامنا المحدودة بالمكان والزمان، وجدت نفسي مهاجراً إلى أرض أخرى شمالية، إلى ذات الجليد الأبيض والبرد الذي يدفعك دفعاً أن تلجأ إلى دفء الجدران. بل إن البرد في شيكاغو، التي انتقلت إليها، أحياناً ما يغلب برد مدينة إثاكا الصغيرة. فالمدينة الشهيرة بـ "مدينة الرياح" تتضاعف فيها درجات الحرارة سلباً حين يتحرك الهواء، فتجعل الإحساس بدرجة حرارة 15 تحت الصفر تماماً كأنها 25 أو 30 تحت الصفر! ولكن الإنسان، إذ يعيش في أرض مسخرة له، يتكيف مع غريب الظروف وعجيب الأجواء. والملايين تعيش أعمارها في هذه المدن حياة يتعودون عليها فتصبح طبيعية. فمع اقتراب الشتاء يتجهز الإنسان بالملبس المناسب، ويتهيأ للبرد بمصنوعات تغطي أطرافه وتدفئها قدر الإمكان. وتتهيأ المركبات التي تسير على عجلات لصعوبات المسير فوق الثلوج، وتتباطأ في سعيها من مكان إلى مكان تجنباً لأخطار فقد السيطرة فوق الماء المتجمد.

والحق أن من مميزات الأجواء الشمالية أن تغير الفصول ملحوظ محسوس. فالشتاء
أبيض بارد. والربيع يتحرك من الصفرة نحو الخضرة ومن البرد إلى الدفء. والصيف أخضر خضرة عميقة متمكنة. ثم يأتي الخريف فتتكشف الخضرة عن ألوان كونية متفاوتة ترسم "لوحات طبيعية" بديعة، ثم تصفر الأوراق وتقع تحت الأشجار وفوق الطرقات والأرصفة فترسم لوحة أخرى ذات جمال، مهما رأينا الأوراق المتساقطة على الأرض كشيء يجب التخلص منه. ثم تتعرى الأشجار وتشيخ، ثم تغطيها طبقات بيضاء، وتتكرر الدورة.

لا أعرف إن كانت هذه المدينة سوف تصبح بيتاً لي لشهور قادمة أو أعوام. فلا شيء يربطني إلى مكان معين –حتى الساعة- في هذا البلد القارة. لا شك أنني تعلمت أشياء وخسرت أشياء أخرى في هذه الهجرات. لكن التعلم يستحق أن نخسر في سبيله أشياء زائلة. فالحكمة تبقى والأشياء تفنى. ولعل أهم ما وصلني عبر هذه الخبرات، والهجرات، والمتاعب، أننا عابروا سبيل، شئنا أما كرهنا، ومهما توهمنا عكس ذلك. وفي الطريق من أرض إلى أرض لا أرى بقاءً ولا وجوداً إلا لحقيقة واحدة.

إن الله باطن يظهر نفسه لا في رؤى الأبصار، ولكن في إدراك القلوب إذ تتقلب في الأحوال، وتتقلب بها الآمال. وكأن الأرض كانت تحركني فوقها، بوحي من ربها، وتلقي بي على رأسي بين حين وحين، في ضربات قد توجع، لكنها لا تهلك. ولم توجعني ضرباتها كثيراً، ولا أعلم إن كان ذلك بلادة في الشعور، أم أن رأسي قد تحصنت من قبل ضد ضربات كل زائل. فالزائل ضعيف هين مهما استخدم من مؤثرات بصرية وسمعية للسيطرة على عقول المشاهدين. وليت المشاهد يعلم أنه مشاهد وأن العرض مسرحية سوف تنتهي ويسدل الستار، ويعود كل إلى بيته بعد أن لبثوا فيها يوماً، أو بعض يوم، أو محض ساعة!

الجمعة، نوفمبر 14، 2008

نهايات هجر وبدايات هجرة

أما الهجر فهو هجر هذه المدونة شهراً ونصف الشهر. فلعله ينتهي اليوم بقرار عودة ومحاولة مداومة. أما الهجرة فهي حركة من أرض الله إلى أرضه، مفارقاً لما لا أحب، متوجهاً لمجهول، مخاطراً بأشياء، ومعتمداً في ذلك كله على رحمة من الله.

ولعل من ترك تعليقاً من أصدقائي وأصدقاء المدونة فلم أرد عليه أن يعفو عما سلف. وأشكر كل من سأل وتساءل.

والفرد منا بين كسل وعمل، وأخذ وترك، وضعف وعزم، وأمل وهم، وقنوع ورفض. وأنا كذلك بين ذلك أتقلب، وأديم المحاولة مع نفس غير هينة، وعقل قلق، وقلب يسعى وراء أمل -أو وهم- يلح عليه منذ وعيه، ويحيا مع هم لم يعد يعرف أهو جزء مقيم أم دخيل لئيم.

لعل الله يعيننا على عودة للقراءة والكتابة. على قدر طاقة محدودة، وقصد آمال ممدودة!

الاثنين، سبتمبر 29، 2008

شرفة على ذكرى



هذه صورة من شرفة الشقة التي ولدت وعشت فيها حتى المرحلة الإعدادية في مدينة المحلة الكبرى. الصورة لشارع شكري القوتلي قبل أن يتحول ويتغير ويتبدل. انتقلت العائلة بعد ذلك إلى عمارة على أطراف المدينة، أحببتها لأنها تطل على أرض مزروعة خضراء. في الصورة سيارة "أسترو" التابعة لمصنع الملابس الجاهزة الذي أسسته العائلة في بداية الثمانينيات وتطور ونما ثم حدث ما يجب أن يحدث لمن يريد أن يكون مستثمراً طموحاً في مصر. هذه الشقة لا تفارق عقلي الباطن، فرغم أن عقلي الواعي نسيها أو كاد، ما زال الكثير من أحلامي تدور أحداثه في هذه الشقة دون غيرها.

الخميس، يونيو 26، 2008

لماذا عدت للإسلام

تطرقت في مواضع قليلة من هذه المدونة لكوني اخترت ديني، أو عدت إليه، على بينة، وأشرت ذات مرة إلى تركي الدين الإسلامي ما يقرب من عامين قبل العودة إليه عن قناعة شخصية. والواقع أنني أنشأت مدونة بالانجليزية أسميتها "لماذا أنا مسلم" Why I am Muslim بنية تخصيصها لهذا الموضوع، مع التوجه بالحديث للقاريء الغربي غير المسلم أساساً. وحتى اليوم ما بلوت بلاء حسناً في الكتابة بانتظام في تلك المدونة. ثم أنني أود أيضاً التطرق لذات الموضوع في مدونتي العربية هذه، غير أن ما أكتبه عامة في مدوناتي كلها أقل مما أود أن أكتبه. فالمرء بين حدود الطاقة والوقت والقدرة على الالتزام ينجح أحياناً ويخفق أحياناً في فعل ما يحب ويرجو.

ثم جاءتني رسالة من صديقة للمدونة تطلب مني إيضاحاً أكثر تفصيلاً عن أسباب عودتي للإسلام. وهي لا تسأل سؤال الفضول وإنما سؤال من يطمح أن يجد رداً على تساؤلات شخصية وراحة فكرية. فليس كل من يولد مسلماً – أو وارثاً لأي دين أو رؤية فكرية – يظل عمره كله مخلصاً قانعاً بما انتقل إليه أباً عن جد. ولبعض بني آدم قدرة على اقتلاع عقولهم من أي أرض نبتت فيها هذه العقول، والتحليق فوق الأرض بحرية، والنظر في كل تربة تمر تحتهم، حتى إذا ما وجدوا ما يرضيهم هبطوا إليه واستراحوا عليه. غير أن بعضهم الآخر يستثقل فكرة النظر في نوع تربته، وجهد انتزاع نفسه منها إذا ما كان هنالك ما هو أفضل وأكثر خصوبة. والناس بين هذين الفريقين ألوان مختلفة متدرجة، منها هاديء معتدل يجمع بين جنباته ألوان شتى في انسجام وراحة، ومنها متطرف في اللون، فهو أبيض أو أسود أو أحمر، يلفظ كل ما عداه من ألوان مغايرة، لفظ جسد الإنسان للعضو الغريب.

وقد خلقني الرحمن فظللت زمناً على دين عشيرتي لا أرضى به بديلاً ولا أرى دونه ما يستحق النظر. ثم تولتني العناية الإلهية، فضقت ذات يوم باتباع المقلدين، وأقلق حبي للحرية راحتي العقلية، فشعرت بثقل الأفعال حين تخلو من روح، ورأيت أن الروح لا ينفخها في الإنسان إلا النور. والنور قرين للحق. فرأيت أن أجعل ولائي الأول للحق، وأن أبدأ عند عتباته حتى أصل إلى نهاياته. فالحق باب وبداية، وطريق وهداية، وهو في ذاته الغاية. نعم هو كل ذلك معاً.

فبدأت رحلة تحرير للعقل والنفس، أريد بها أن أنزع نفسي من تربتي. فقرار الخروج من تربة الميلاد يختلف عن الخروج ذاته. لقد طرأ القرار في لحظة. لكن تنفيذه استغرق زمناً وجهداً، واستلزم حيلاً! وأنا لا أر شيئاً فعلته في حياتي أفضل مما فعلت آنذاك.

أما هذه فهي مقدمة. وأنت تدرك ولا شك أن إجابة مثل هذا السؤال لا تتيسر في سطور يوم واحد، مهما كثرت. بل لا أشعر إنني قادر على تفصيل صورة وافية مهما أكثرت. فقرارات النفوس تغذيها آلاف المعلومات والرؤى والتفاصيل عبر شهور وسنوات. غير أنني سوف أقدم على المحاولة. وسوف أعمل على الوفاء بوعدي للصديقة صاحبة الرسالة. ولا شك أن الأمر يستحق الحديث ويستحق العرض. فدين الإنسان حياته، وهو طريقه ومصيره. ومن العبث أن نقبل شيئاً مصيرياً لمجرد أن جاءنا على طبق من ميلاد وعائلة وتقاليد.

وأختم هذه المقدمة قائلاً أنني قبلت الإسلام لأنني لم أجد ما هو أفضل منه أو أكثر توافقاً مع العقل والفطرة، فأكثره عندي مقبول وقليل منه عليه علامات استفهام (لاحظ: هذا فقط حال تواصلي المباشر مع الوحي، بعد إلقاء قمامات التقاليد في مكانها الطبيعي!)، أما غيره فكثيره معلول، لا سيما أساساته، وإن كثر مقبوله من فروع وهوامش. وقائلاً كذلك أنني ما زلت محتفظاً من رحلة التحرر الأولى بثباتي على الحق كمبدأ وغاية، وقدرتي على التحرر من كل ما عداه لحظة أن يتبين لي ذلك. وقائلاً كذلك أن قبولي الإسلام ليس خاتمة ولم يصل بعد إلى غايته. فما زلت بحاجة للنظر وإعادة النظر. وما زلت أستمع لآية من قرآن فأتوقف وأسأل وأتساءل، دون أن يتعارض ذلك مع التصديق. وتراودني منذ فترة رغبة في تكرار الرحلة، وقد يكون لذلك أيضاً سلسلة حديث متصلة، بعد أن أنهي هذا التوضيح الصعب، الذي غامرت وفتحت بابه، عن لماذا أنا مسلم!

(ملحوظة لطيفة: وأنا أكتب هذه التدوينة، بشحمها وحبرها الافتراضي – على جهازي المحمول خارج البيت – جاءتني صديقة أمريكية رأتني أكتب ورأت المدونات فأخبرتها عن كل منها، فطلبت مني أن أخبرها "لماذا أنا مسلم"! فحدثتها قليلاً حتى اضطرت أن تذهب)

وبعد، فإن أحببت أن تتابع ما أكتبه عن هذا الموضوع، فأرجو ألا تتوقع أن تتتابع التدوينات سراعاً. فلقد بدأت ونويت، وهذه المدونة منفذ للتعبير عن أفكار كثيرة ومواضيع مختلفة، لذلك فقد تتباعد أجزاء السلسلة في الزمن. والله المستعان.

الثلاثاء، يونيو 17، 2008

لماذا هاجرت: السعي نحو الاستقلال والنضج

أستكمل اليوم حديثي عن أسبابي الخاصة للهجرة خارج مصر. وهو حديث قد انقطع شهوراً.

لشرح خلفيات هذا السعي نحو الاستقلال والنضج كسبب للهجرة، فإن هنالك مقدمة لازمة، تشرح ما وراء ذلك من ظروف وتاريخ شخصي.

في بداية الثمانينات دخلت عائلتي مجال صناعة الملابس، بمبادرة أخي الأكبر الذي درس الطب ثم هوى الأعمال، ثم انخرط فيه أخوتي الذكور جميعاً. وكنت أنا في بدايات تفتح الوعي. وحينما اكتملت يقظة الوعي عندي (أعني بذلك أواخر الطفولة ثم المراهقة، وهي فترات يبقى منها الكثير في الذاكرة، على عكس ما قبلها) كانت صناعة العائلة قد حققت نجاحاً ووفرت لنا حياة يسيرة ومالاً حاضراً. لم نكن بالغي الثراء ولكن كنا ميسوري الحال، وبالمقارنة بحال كثير من أهل مصر كنا ننعم بمستوى معيشي مميز.

حينما أنظر في موقفي من مال عائلتي منذ الصغر، أجد أنني لم أكن أطلب المال إلا في أندر الأحوال. كانوا هم يعطونني، فأقبل شاكراً سعيداً. لكنني لم أكن ألح في الطلب ولم أشعر إلا بحاجز بيني وبين هذا المال يحول بيني وبين اعتباره "مالي الخاص". بل إنني أحاول التفتيش في ذاكرتي عن مواقف طلبت فيها المال من أبي أو من أمي، فلا أذكر غير مواقف معدودة محدودة، لم يزدها تقدمي في العمر إلا تباعداً. يبدو أنه قد تكونت عندي في وقت مبكر قناعة فطرية أنه لا حق لي فيما لم أكسبه بعملي. وما يأتيني من وراء ذلك إنما هو هبة حقيقة بالشكر، حتى ولو أعطانيها أبي أو أمي.

كنت أرى أن مصير أبناء العائلات الصناعية والتجارية هو الدراسة والتخرج ثم التفرغ لأعمال العائلة، وكنت أنفر من ذلك ولا أرجوه لنفسي. كنت أضيق خاصة بأن عملي-في مثل هذه الحال-منفصل عن دخلي. يعني، كابن للعائلة، فأنت تأخذ المال، عملت أم لم تعمل. وإن عملت، فأنا إنما آخذ المال من أمي أو من أبي، مما يقلل من شعوري بحريتي في هذا المال وأحقيتي فيه. كنت أريد إن عملت في صناعة أهلي أن أتقاضى أجراً صادقاً واضح المعالم، فإن وصل إلى علمت أنني حر فيه وفي إدارته وتصريفه كيفما أشاء. لا شك أن زيادة المال خير، وأن الحصول على مال كثير من جهد قليل نعمة من الله. غير أن هذه نعمه لا يعلمها من ولد فيها. فتعود الإنسان على الأحوال من أشد أعداء الفهم ومفسدات الإدراك. وهذا في رأيي من وجوه الخلل في تربية كثير من العائلات العاملة في الصناعة والتجارة لأبنائها في ثقافتنا.

وهو خلل وصلت إلينا أمثلة كثيرة عن كيف تفاداه أساطين المال والأعمال في الغرب. فهؤلاء منهم من تعد ثرواتهم بمئات الملايين من الدولارات، ومع ذلك فإنهم يجعلون قواعد صارمة تحكم علاقة أبنائهم في صغرهم بالمال. وتجد الأب مثلا قد أسس الشركة حتى أصبحت كياناً عملاقاً، فإذا أوشك ابنه على التحول من المراهقة إلى بدايات الشباب، عينه في الشركة في عمل يسير، قليل الأجر، مما لا يحتاج لخبرة أو علم. ثم يوصي العاملين معه أن تتم معاملة الابن كأي موظف. والأب إنما يفعل ذلك وأمله أن يخلفه هذا الابن في إدارة مؤسسته العملاقة، ولكنه يدرك أن الابن لن يصلح في مثل هذا الموقع إلا بعد أن ينضج. والإنسان كالطعام في نضجه، فهو بحاجة للنار وللزمن، للخبرة ولمرور الأيام والسنين. والطعام كما تعلم لا ينضج بالزمن وحده ولا بالنار وحدها. والإنسان ينضج باختمار الخبرة مع مرور الأيام والسنين.

ومما أذكره أيضاً وزادني نفوراً من هذا الحال هو ما رأيته حين زواج أخوتي الذكور. كنت أرى الزوجات الجديدات لا يردن البدء في بيت إلا لو اكتملت عناصره المادية وتأنقت رفاهاته. وأرى الابن لا يملك إلا أن يسأل أهله أن يشتروا له كذا ويوفروا له المال اللازم لكذا. وقررت حينذاك أنني لا أريد ذلك لنفسي. لا أريد أن أتزوج بمال أهلي، فلا أشعر بحريتي في تحصيل مستلزمات زواجي. ناهيك عن هلعي أن أجد نفسي ذات يوم مضطر للتعايش مع عبث عادات الزواج في مصر. ما أقبح أن أزحم بيتي بأشياء للعرض، ومستلزمات بيتية لا لزوم لها...إلخ إلخ؟! إن أشد ما أكره هو أن أفقد حريتي. ولن أبيع نفسي وقناعاتي من أجل إرضاء عروس وعائلات يمشون في ركب التقاليد كقطعان فاقدة الحول، عديمة الرأي، مهتمة بنظر الخلق لها عن نظرها هي لمعنى الأشياء وحقائق الأمور! ولعل ذلك أيضاً أحد بذور الهجرة عندي، وهو وجلي من أن تأخذني هذه التقاليد بين تروسها فأجدني وقد فقدت عقلي وحريتي. والزواج في الغرب له ثقافة هي على النقيض تماماً من هذا العبث، على الأقل فيما يتعلق بأموره المادية. وهي ثقافة أقرب ما تكون لحقيقة زواج المسلمين كما أحبها لهم الله ورسوله، غير أنهم ضلوا عن ذلك، في خضم ما ضلوا عنه من أخلاق، وما تنكروا له من فكر!

ثم دارت الأيام وتبدلت أحوال الأسرة المالية. ذات ليلة رأى الحاج عبد الحميد – والدي رحمه الله – في منامه آية من القران تقول: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين". وما لبثت العائلة حتى شهدت مصداق هذه الرؤيا، فنقصت الأنفس، وذهب المال، ونقصت الثمرات (وصاحب الستر كل ذلك، ولله الحمد). وكأن القدر مهد لي ما أردته منذ سن صغيرة، فقد أردت الاستقلال المالي فلم أجدني إلا مجبراً عليه بعد إنهاء دراستي. غير أنني كنت ما أزال معتمداً على عائلتي في كثير من أموري أيضاً، فسكني في القاهرة حيث أعمل توفره العائلة. فكنت أفكر أن الهجرة هي أحد أبواب الاعتماد الكامل على النفس. ففي الهجرة يعتمد الإنسان على عمله لتوفير جميع حاجات حياته، فسكنك وشرابك، جدك ولهوك أنت المسؤل الأول عنه. وكنت اؤمن إيماناً عميقاً أنه لا يكتمل نضج الرجل وخبرته بالحياة وفهمه لها دون هذه الخبرة. فرأيت في السفر سبيلي الوحيد لتحقيق هذا الاستقلال وخوض هذه التجربة.

لاحظ أن كل ما تحدثت عنه مما دفعني للهجرة كان قناعات داخلية ومشاعر شخصية. أي أنني هكذا كنت أفكر "قبل" الهجرة. فأرجو ألا يختلط ذلك عندك بما وجدته في واقع الهجرة بعد ذلك. فلهذا حديث متصل باذن الله.
مواضيع ذات صلة:

الخميس، أبريل 24، 2008

ترجمة شدوية: التسليم كبداية

هذه ترجمة لتدوينتي الأخيرة بالانجليزية في مدونة لماذا أنا مسلم. وقد رأيت أن أترجم ما أكتبه في مدوناتي الانجليزية حينما يعن لي ذلك. والأفضل أن أعيد الكتابة بالعربية، لكنني كنت أكسل من ذلك، فترجمت ما كتبته لتوي إلى العربية كما يلي:

لم يكن قبولي الإسلام ديناً - رأيت فيه الاختيار الوحيد الذي يصلح لفكري - بمثابة خاتمة. لم يكن هذا الاختيار إلا اهتداء إلى حل، أو خلاصة. فالخلاصة تختلف عن النهاية في كونها لا تهدف للإغلاق والإنهاء، بل لبناء أساس متين. فمن غير الممكن بناء أي شيء على غير أساس. إن البناء هو السبيل الأوحد لخلق أشياء تدوم ولا تفني. البناء هو سبيل الخلود!

إن النهاية موت وفناء. لو كان من شأن قبولي الإسلام أن يمثل نهاية لما قبلته ابتداء. لقد جذبني هذا الدين حينما رأيت فيه دعماً ودعوة للحياة، والحرية، والجمال، والفطرة السليمة.

لم يكن قبولي لهذا الدين إلا بداية. لقد وفر لي مصدراً موثوقاً به، مصدراً أستطيع الرجوع إليه واستشارته في رحلة الحياة وأنا مطمئن إلى صدقه. لم يضع الإسلام حداً للأسئلة. إنما الأسئلة جزء من الرحلة لا يتجزأ. وأنا ما كنت لأقبل رسالة الإسلام لو رأيت فيها قمعاً للأسئلة والاستفهامات.

أنا ما زلت على الطريق. لم أصل إلى وجهة واضحة بعد. ومعي رسالة الإسلام وكأنها خريطة وكتاب إرشادي أحتفظ بهما دائماً على قرب. ولولا هذه الرسالة لأضحت الرحلة كئيبة ومخيفة، ولبدت الحياة لغزاً يلفه الغموض والظلمات!

الخميس، فبراير 14، 2008

قصة نجاح فاشلة

توقفنا في سيرتي الذاتية مع مرحلة التعليم العالي المصرية عند رفض المعهد العالي للغات أن ألتحق بقسم اللغة الفرنسية كما رغبت، واختياري الالتحاق بقسم اللغة الألمانية كبديل. وبالمناسبة لقد اخترت الألمانية لأني أردت تعلم لغة جديدة، ولم أود الالتحاق بقسم اللغة الانجليزية لأني ظننت أنني أعرف من الانجليزية ما يتيح لي مواصلة تعليم نفسي بنفسي إن شئت (والأهم طبعا إن شاء الله وإن أفسح لي كسلي المتأصل طريق الجهد والاجتهاد!).

التحقت فعلا بقسم اللغة الألمانية وبدأنا في دراستها من قواعدها وبداياتها المطلقة! ويبدو أنه في غضون أسبوع أو أسبوعين ظن الجميع أنني "أشطر واحد في الفصل"! وبدأت أكرر سيرتي مع نطق اللغة الفرنسية. لا أذكر من أسماء أساتذة الألمانية الذين علموني في هذه الفترة الوجيزة (سوف تعلم عما قليل لم أصفها بالوجيزة) غير اسم د. طارق عبد الباري، وهو أستاذ في كلية الألسن. أذكر أنه ذات محاضرة بدأ في التركيز على تعليمنا النطق الألماني السليم، فقال لي قرب نهاية المحاضرة: "لديك استعداد ممتاز في النطق". وأذكر استاذاً آخر طلب منا محاولة حفظ مقطع حواري بسيط، وحين أتينا في المحاضرة التالية كنت واحداً ممن خرجوا لتمثيل الحوار، وحين انتهيت قال لي الأستاذ أنني أقترب من كوني ألماني بنسبة تسعين في المائة. قلت في نفسي ليس هذا سيئاً، بعد أسبوعين من الدراسة أقترب من النطق الألماني الأصلي بنسبة تسعين في المائة!

غير أن علاقتي باللغة الألمانية لم يقدر لها أن تطول! فقد اخترت اللغة الفرنسية كلغتي الثانية، وكان من حسن حظي أن تولى دفعتي الأستاذ العزيز د. ياسر شداد، وهو من أساتذة اللغة الفرنسية. كنت قد صرفت النظر عن الالتحاق بقسم اللغة الفرنسية، حتى حدث في أول محاضرة لنا مع د. ياسر أن طلب منا أن نعرف أنفسنا، بالعربية أو بالفرنسية لمن يستطيع. بعد أن تكلمت معرفاً نفسي بالفرنسية، مدح د. ياسر إجادتي للغة، وأضاف أن نطقي أفضل من زملائي خريجي المدارس الفرنسية. أثار ذلك في نفسي من جديد رغبتي في الالتحاق بالقسم الذي لم يرغب في وجودي بين جنباته! ذهبت لدكتور ياسر وأخبرته عن رغبتي، وكان أول رده أن رئيسة القسم وضعت شرطاً صارماً بعدم قبول أي طالب لم يدرس في مدارس فرنسية، حتى لا يعطل بقية الطلبة ولكي يستطيع الجميع متابعة المنهج دون صعوبات شديدة. لكنه اقترح علي أن أحاول مقابلتها والحديث معها.

أتوقف هنا لأقول أنه بعدما تم رفضي في قسم اللغة الفرنسية بداية، تصورت أن مستوى الطلبة الذين يلتحقون به لابد وأنه مرتفع للغاية. كنت قد تعرفت على بعض خريجي المدارس الفرنسية معي في قسم الألماني ووجدت أن مستواهم في اللغة متوسط، ووجدتهم أيضاً يعرضون عن الخوض في حديث طويل بالفرنسية. لكن فكرتي عن قسم اللغة الفرنسية أنهم ولابد مختلفون، لأنني أثناء التقديم وضحت مستواي حينها في اللغة ولم يتم قبولي مع ذلك.

ومن هنا بالتحديد عادت إلي رغبتي في الالتحاق بهذا القسم. كان الدافع الجديد هو رغبتي في وضع نفسي في مناخ شديد التقدم يجبرني على بذل الجهد في الدراسة. كنت أتصور أنني لو التحقت بهذا القسم فسوف أجدني بين زملاء يجيدون اللغة كأهلها، وأنني سوف أجد صعوبة في مجرد مسايرتهم. وطنت نفسي أن التحدي أفضل من مناخ سهل، حتى لو اقتضى الأمر أن أرسب في عامي الأول حتى أستطيع الارتفاع بمستوياي إلى مستوى الدراسة في هذا القسم! كانت هذه الفكرة هي ما أوقد حماسي من جديد، فقد كنت طالباً كسولاً لزمن طويل. وفي دراستي في المراحل السابقة كنت قليل الجهد، قلما أعطي وقتاً للتحصيل. وقلما هنا تعني قلما فعلاً، يعني نادراً. ومع ذلك كان يدهشني أن الأساتذة والزملاء كانوا يعدونني من بين الطلبة المتميزين! بل أحياناً ما كان يضيرني ذلك! لم أكن أشعر أنني أستحقه، وأنا لا أبذل من الجهد ما يجعلني جديراً به. في قسم اللغة الألمانية شعرت أنني سوف أكرر سيرتي الماضية، فالدراسة تبدو يسيرة وفي غضون أسابيع قليلة أصبحت في المقدمة دون جهد.

مع وجود هذا الدافع الجديد، واصلت المحاولة. لم أستطع لقاء رئيسة القسم، فكنت ألتقي ببعض الأساتذة فيه وأحدثهم بأمري، ويتحدثون معي قليلاً تكشفاً لمستوى إجادتي للغة، فيستحسنون ما يسمعون، فأخبرهم أنني لا أستطيع مقابلة رئيسة القسم وأطلب منهم مساعدتي.

ثم ذهبت للعميد. قال لي لو أن أحد أساتذة القسم اختبرني وأقر أنني قادر على الالتحاق، فسوف يكون لي ذلك. ذهبت للتو باحثاً عن أحد فصول اللغة الفرنسية. فوجدت في أحدها د. ياسر شداد مرة أخرى، فطلبت الحديث إليه وأخبرته عما قاله لي عميد المعهد. فوافق على ترشيحي للالتحاق بالقسم، وبالفعل انتظرته حتى أنهى محاضرته، ثم ذهبت معه للعميد، وتم تحويلي لقسم اللغة الفرنسية!

كنت أعلم أن د. ياسر كان يساوره بعض القلق من هذه المسؤلية. فلو اتضح بعد ذلك أنني غير مؤهل لمتابعة الدراسة، فلسوف يكون هو المخطيء. غير أنه أقدم رغم ذلك على هذه المخاطرة! ومن فضل الله أنه لم يندم على ذلك من بعد! وما زلت حافضاً لجميله، وإن لم يتح لي القدر أن يصاحبنا كثيراً، إذ سافر للعمل في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بعد العام الأول. ومن طرائف القدر أنني حينما أتيت للولايات المتحدة، كان هو قد انتقل إلى جنيف، وكنت أحب أن ألقاه في الولايات المتحدة. وما زلت على اتصال به على أحيان متباعدة، اتصالاً أرجو، على قلته، ألا ينقطع.

هذا جانب من جوانب النجاح في القصة. ومازلت هنالك جوانب أخرى للنجاح. لكنني أسميت التدوينة "قصة نجاح فاشلة" لأسباب سوف تعلمها حين أكمل القصة، إن شاء الله.

الثلاثاء، فبراير 12، 2008

طيش الأحلام

طلعت في دماغي إني أكتب القصيدة دي بالانجليزي، وهي تنبؤاتي لحياتي الشخصية في هذا العام! ممكن أقلكم بعدين ما الذي أوحى لي بكتابتها إن شاء الله. وطبعا كلمة تنبؤات ليست دقيقة تماما، قل هي أحلام أو، إن شئت، أوهام! لكن أحلام القلوب هي روحها وريحانها، حتى لو حالت الأيام بين الحياة وبينها!

القصيدة كتبتها أساساً بالانجليزية، وهذه هي ترجمتها العربية. لو بتعرف شوية انجليزي، وأنا متأكد أن ده ينطبق على 99 وتسعة من عشرة من القراء (تمام زي نسبة اللي بيحبوا رئيسهم في البلاد اللي بالي بالك)، يبقى طبعا تقرا القصيدة الأصلية في مدونتي الانجليزية هاهنا. ولو كنت كتبت القصيدة بالعربية لأتت ولا شك مختلفة تماماً، وسوف أفعل إن شاء الله، وإن زينتها لي نفسي وعليها شجعتني! هذه هي الترجمة لأحلام وأوهام العام الشدوي الثامن بعد الألفين.


حياتي سوف تتغير في هذا العام
سوف أحصل على حريتي
وأتخلص من كل خوف
وأسافر في أرجاء العالم أجمع

لن تقلقني شؤون المال
ويكون العيش على أطيب حال
سوف أعيش حيث تشرق الشمس
وأرضى عن قدري وأحبه
حين أحيا حياة تملؤها البهجة والمرح

سوف أكون خادماً للحقيقة
بقلب لا تشوبه كراهية أو بغضاء
قلب عرف الشباب الأبدي
على سراط مستقيم

سوف أعيش بقوة وتمكن
خادماً لرب كل شيء
ويكون موقعي في القمة
ولن يضرب سيفي إلا ليقيم العدل

سوف أعيش في النور
وأنشره وأبينه للعالمين
ولن أحول نظري
عما يمكن عمله لكي نحيا في عالم أفضل

سوف أكون شدو الحقيقي
سوف أصبح محمد الأكبر
أعين الإنسان أن يحيا حقيقته
وأفتح الأبواب المغلقة لكل فقير وضعيف

الأربعاء، فبراير 06، 2008

الفرنسية في الثانوية

توقفت في قصتي مع التعليم العالي في مصر عند انتهاء مرحلة الثانوية العامة والالتحاق بالمعهد العالي للغات في القاهرة. واليوم أكمل القصة وأواصل النظر فيما مضى. والرؤية من على بعد-في المسافة أو في الزمن-أوضح كما تعلم. وحينما تنظر في الماضي بعد أن مضى، قد تقول لذاتك ليته يعود فأفعل كذا ولا أفعل كذا. غير أن الحق أن الزمن لو عاد بنا لفعلنا ذات فعلنا ووقعنا فيما وقعنا فيه من أخطاء. ولن ننتفع بالعودة إلى الماضي إلا لو عدنا إليه حاملين خبرة الحاضر ورؤيته! لكننا لن نكون بشراً لو هيأ الله لنا ذلك!

استلزم التحاقي بالمعهد انتقالي للحياة في القاهرة. ويبدو أن قدري مع الهجرة كان بذلك قد بدأ! حينما التحقت بالمعهد كانت نيتي وتصوري أنني سوف أدرس اللغة الفرنسية، ولا شيء غيرها. ومن هنا تبدأ التفاصيل المثيرة في الحكاية! (يا سلام يا سلام)

وقصتي مع اللغة الفرنسية بدأت في العام الأول من المرحلة الثانوية، فقد كانت هي لغتي الأجنبية الثانية بعد الانجليزية. وهنا نطالع الدرس الأول في القصة: قد يغير المدرس في مدرسته مستقبل طلبته! فلننظر في حال المدرسة وحال المدرسين في ديارنا ونخمن أي مستقبل يمهدون لنا! فقد شاء الله أن يكون أول مدرس يعلمني الفرنسية هو الأستاذ جمعة عبد المعز (سوف أذكر أسماء كثيرة لأنني أحمل لها تقديراً كبيراً، وذكريات حلوة، واحتراماً لن ينفد، وصداقة متواصلة مع بعض منها). كان الأستاذ جمعة من الأساتذة القلائل في التعليم الثانوي المصري-والوحيد في حدود خبرتي الشخصية-الذي يحسن الحديث ونطق اللغة الفرنسية بوجه خاص. لأن أغلب مدرسي هذه اللغة في مصر-إن لم تكن يعلم-يجيدونها قراءة وكتابة، لكنهم منفصلون عن اللغة الحقيقية كما يتحدثها أهلها. لذلك تجد كثيراً منهم يلقنون الطلبة الكلمات بغض النظر عن كيفية نطقها، بغرض النجاح في الامتحان ودمتم. حينما بدأ أستاذ جمعة في الشرح، لاحظ فوراً أنني الوحيد من بين الطلبة الذي أقلد نطقه وأحسن التقليد. فانتبه لي وانتبهت له. ثم أصبح صديقاً من بعد، خارج حدود المدرسة والدراسة (وسوف يكون ذلك طابع الكثير من صداقاتي فيما بعد، إذ سيكون أكثر الأصدقاء وأقربهم أكبر مني سناً). لكن بقية الطلبة كانوا يتخذون موقفاً فيه شيء من السخرية إزاء هذه المحاولات للحديث باللغة حديثاً سليماً. ولم آبه كثيراً لهذه السخرية، ربما لكوني أدركت في نفسي أن وراء السخرية إعجاباً، وربما شعوراً بعدم القدرة على ما منه يسخرون. ورأيي أن عدم القدرة يرجع أولاً لحواجز نفسية لا لقدرات طبيعية. وقد يكون الطلبة مثلاً قد وضعوا لأنفسهم قانوناً خفياً أن نطق الفرنسية السليم لا يجمل بالرجال، أو شيء من هذا القبيل!

المهم أنني في هذه المرحلة تمكنت من اللغة وأحسنت نطقها بما يفوق ببعيد أي من قرنائي، بل وكان في الإمكان إبهار بعض أساتذة اللغة أيضاً لو شاءت الظروف! وحديثي بالطبع ينحصر في أساتذة المدارس الثانوية الحكومية. ولذلك حينما التحقت بالمعهد تصورت أن الطبيعي أن أواصل دراسة الفرنسية.

غير أنني فوجئت بما لم يكن في الحسبان. فقد اتضح لي وأنا أختار القسم الذي أود الالتحاق به أن قسم اللغة الفرنسية بالذات، دوناً عن بقية أقسام المعهد، مقصور على الطلبة الذين تخرجوا من مدارس فرنسية. فهم لا يدرسون مباديء اللغة ولكنهم يدرسون في العام الأول أدب القرن السابع عشر، مع الترجمة وأشياء أخرى تستلزم مستوى متقدم في اللغة. ولذلك لم يتم قبولي في قسم اللغة الفرنسية، فالتحقت بقسم اللغة الألمانية! وللقصة بقية إن شاء الله.

السبت، فبراير 02، 2008

شدو في الثانوية

كنت أنوي أساساً ذكر هذه القصة مع ما سبق من دوافعي للهجرة. غير أن لها جانباً آخر ودروساً أجدى وأشمل. وهي على كل جانب من تأملي في سيرتي الماضية وتعلمي مما مضى من أخطاء. وهي كذلك لا تخلو من طرافة ومن غرابة.

أما القصة فهي قصتي مع مرحلة التعليم العالي في مصر. وما قبلها يمهد لها ولا شك، لكنني لن أعرض لما قبلها الآن، عدا مرحلة الثانوية العامة، وهي-كما يعلم المصريون، أولهم وآخرهم، صغيرهم وكبيرهم-باب المرحلة الجامعية والدراسات العليا وبوابتها.

أما أن الثانوية العامة تقرر مصير تعليمنا الجامعي، فذلك واقع لا شك فيه وحقيقة مصرية لا جدال عليها. أما شخصي الضعيف-والعنيد أحياناً واللامبالي بالتقاليد كثيراً-فلم أرى أنه علي السير في القافلة التي ظلت طريقها. ولم أدرك بوضوح أن الخروج عن القافلة الضالة قد يجلب متاعب أكبر وضلال أصعب. تصور مثلاً أنك تمشي في الصحراء مع قافلتك وقد ضللتم الطريق. أسلم لك حينها أن تستمر مع الضالين فتضمن الصحبة والونس..إلخ، من أن تغادر وتسير وحدك إلى حيث لا تعلم!

حين رست بي سفينة التعليم في ميناء الثانوية العامة، رفضت في العام الأول أن أندمج مع الحياة في ميناء يغلب عليه القبح والغباء وغياب المعنى على وجه الخصوص. لقد تلكعت في الثانوية العامة ثلاثة أعوام كاملة! نعم، فرد "اتهمه" البعض بالعبقرية، ظل ثلاثة أعوام كاملة في الثانوية العامة المصرية! ولكيلا أطيل، فالذي حدث أنني قررت في بدايات العام الأول عدم دخول الامتحان من أساسه. ولم يستطع أحد إثنائي عن قراري! وفي العام الثاني دخلت الامتحان على مضض ورسبت. في العام الثالث لم أغير سيرتي: لم أنظر في كتاب ولم أحضر مدرسة ولا درساً خصوصيا، وفي منتصف الامتحانات كنت على وشك تركها نهائياً لولا توسلات أمي أن أذهب. فذهبت ونجحت بالكاد.

ثم جاءت النتيجة بمجموع باهت لا يغني ولا يدخلك أي جامعة تريد! قلت للعائلة أنني لن أدخل الجامعة، ولا معنى لدخول الجامعة أساساً لمجرد الحصول على شهادة. ما هذا الجنون، أبدد أربعة أعوام من عمري في دراسة شيء لا أحبه من أجل الحصول على ورقة! وقلت أيضاً أنني لو لم أجد موضعاً في دراسة مجال أهتم به، فسوف أواصل تعليم نفسي بنفسي ولا حاجة لي بالجامعات المصرية! لكن الحق أنه كان يقلقني شيء واحد، وهو قانون آخر من قوانين العبث في مصر. فأنا لو لم أحصل على شهادة جامعية فسوف أدخل الجيش ثلاثة أعوام كاملة، وتتم معاملتي بالطبع على هذا الأساس. ومع أن ضعف نظري يعفيني قانوناً من الخدمة، فإن ذلك لا يضمن لك شيئاً في بلاد تحتاج فيها لواسطة تتوسط لك لكي تحصل على حقك! وكانت عائلتي في ذلك الوقت قد بدأت تفقد كثيراً من نصيبها في "طبق الكوسة" المصري بعد أن تعثر نشاطها الصناعي، ومن ثم لم أكن أضمن الحصول على "حقي" في الإعفاء. والله وحده يعلم ما يمكن أن يحدث لو قمت بالخدمة! ماذا أفعل وأنا لا أطيق القيود، واختياري ينحصر بين قيدين؟! قيد دراسة عبثية من أجل الشهادة، وقيد خدمة مهينة لا معنى لها! لم أعرف. ولكنني لم أريد أن أدخل الجامعة باختياري من أجل هدف زائف.

ثم شاءت عناية الله أن يقدم لي حلاً وسطاً. فقد أتيح لي أن ألتحق بمعهد خاص للغات يعطي شهادة الليسانس. وكنت أحب دراسة اللغات الأجنبية، "فوافقت" على ذلك وتم لي الالتحاق بهذا المعهد. وهنا تبدأ القصة التي أردت قصها بداية. ولأن طاقتي في الكتابة أضعف من أن تعينني على المواصلة، فسوف أجعل ذلك في تدوينة قادمة بمشيئة الله ومعونته!

الأحد، نوفمبر 25، 2007

نصائح صحية من واحد لم يدرس الطب

لسبب ما ظننت وأنا في دراستني الثانوية في مصر أنني لا أحب الدراسات العلمية، فاخترت القسم الأدبي. غير أنني، ولسبب ما أيضاً، بعد مرور سنوات قليلة من النضج بعد ذلك، بدأت أميل شيئاً فشيئاً لدراسات الطب. وكنت أرى ذلك امتداداً طبيعياً لاهتمامي بالإنسان في عمومه، إذ بدأ بالاهتمام بالنفس وأحوالها، ثم تطور ليشمل جسد الإنسان وصحته. كان تفسيري لنفسي إذن أن علم النفس أو علم الجسد، المسمى حالياً بالطب، كلاهما هم واهتمام بحال الإنسان. ولا يكتمل النظر في حال وحياة الناس على الأرض إذا فصلنا ما بين كيان الإنسان الروحي والمادي. ومن أراد نفعاً أو إصلاحاً فلابد، كما يجاهد لعلاج متاعب الناس من الفقر والجهل، ألا ينسى بقية هذا الثالوث، وهو المرض.

لم يتحقق لي بالطبع أن أدرس الطب، رغم إلحاح النفس أحياناً أن أعطيها ما تريد في هذا الشأن. فهذه دراسة تستهلك عمراً وجهداً وتحتاج لتفرغ، وقد أظن أن ذلك لا يصلح لي في هذا العمر وهذا الحال. والله أعلم بالطبع. وقد يأخذ هذا الاهتمام مساراً آخر أقرب وأنفع. وعلى كل فإن طلب العلم لا يضر بحال، بل هو فريضة منسية على كل مسلم ومسلمة. والعلوم المتصلة بالصحة والمرض من أهم العلوم التي يجب أن يحظى كل إنسان بنصيب منها يعينه في حياته وفي مسؤليته عن رعيته. وقد تكون المرأة على وجه الخصوص أدعى للتعلم والفهم، فهي ربة البيت، وهي في الغالب الراعية لأمور الطعام والصحة في بيتها.

وإذ أقرأ ما يتيسر لي بين الحين والحين، على قدر الوقت وقدر الطاقة، فإنه يمر علي ما أحب أن أشرك فيه غيري مما يبشر بالنفع والصواب. وقد أفعل ذلك عن قريب في هذه النافذة التدوينية بإذن الله. ولقد بدأت هذه التدوينة في حقيقة الأمر وفي نيتي أن أخوض في حديث مباشر عن أمر من أمور الصحة، غير أن المقدمة طالت مني كما ترى، لذلك يبدو أنني سأقنع بجعل هذه التدوينة مجرد مقدمة. وأرجو أن يتصل الحديث بإذن الله وعونه.

الجمعة، نوفمبر 23، 2007

البحث عن الجمال

من سلامة الفطرة أن يضيق الإنسان بالقبح إذا أحاط به ويسعى لمواطن الجمال. يكاد طلب الجمال أن يكون فريضة على كل ذي فطرة سليمة. (من عيد ميلاد إعلان الحلم)

استكمالاً لحديثي عن بذور هجرتي، أحدثكم عن جانب من داوفعي للهجرة. وهو شأن قد يراه البعض هيناً، غير أنه عندي عظيم. وظني أنه كذلك، أو يجب أن يكون كذلك، إذا أردنا أن نطهر فطرتنا، ونحيا كما أراد الله لنا أن نحيا.

وأنا في مصر كنت أضيق أشد الضيق بغلبة القبح، وندرة مواطن الجمال، وتواضع وجود الشجر والزرع والخضرة في مدننا. أما الأدهي والأمر فهو ندرة الخضرة حتى في الريف. نعم في الريف! وأنا أتحدث عن بيوت وشوارع أهل الريف لا عن زرعهم. ففي زياراتي لقرى مصر لم أجد غير نموذج أشد قبحاً لحال المدينة المصرية. أذكر أنني كلما مررت على موضع من مواضع القبح في القاهرة كنت أحدث نفسي قائلاً: هاك مثال نموذجي لمعنى الإفساد في الأرض. هنالك الكثير من أشكال الإفساد، غير أن قبح المدن والقرى شكل واضح تراه بالعين المجردة. والمسؤولون عن هذا القبح هم رجال أقاموا للإفساد معالم، يحيا فيها الناس ليلاً ونهارا!

لا شك أن هنالك أماكن في مصر تشرح النفس، وترضي نزعات فطرة الإنسان لما بث الله من جمال في أرضه. ولكنني كنت أبحث عنها فلا أجدها إلا كالواحة في غياهب صحراء جرداء. كان الجمال استثناء تبحث عنه في مظانه، وأحياناً أو كثيراً ما تكون هذه المظان قصراً على من يملك الثروة والسلطان. أما في بلدان أخرى فإنك تجد الجمال متاحاً لا باب له ولا سور، ما أيسر أن تجده في شارعك وفي الطريق لعملك أو لهوك يوماً بعد يوم. وتجد فيها القبح أضحى استثناء، أجمل به من استثناء! والجمال فيها غير خاضع للمال، قد يهيء منه المال فرصاً أكثر وأوفر ولا شك، غير أن قدراً وفيراً منه يظل متاحاً للجميع ويظل جزءاً من حياة الناس اليومية
.
أذكر أنني حين كنت أسير في شوارع القاهرة، فتتجهم لي المناظر، وترفع لي المدينة عيناً حزينة، من وجه يعلوه التراب، وجسد أسقمه المرض والظلم والإهمال، كانت نفسي تقول لي مالك تقبل أن ترضى بالضيم ومالك منهوب وحقك مسلوب؟! لو كانت بلدي فقيرة لما تركتها، ولكان جهدي أولى بها وبمستقبلها، ولكن ما معنى وما جدوى أن أرضى بكل هذا القبح، لكي يتمتع بمالي بعض أشباه البشر، من لصوص اعتلوا أكتافنا وركبوا ظهورنا! هل أعاني من أجلهم؟ وكأني أعمل من أجل أن يستزيدون هم من المال! لا إن هذا لا يكون. بل إن الله لا يرضى لعباده أن يقبلون ذلك راضين مستسلمين (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها!). هذه يا أصدقائي أحد بذور الهجرة!

الأربعاء، نوفمبر 21، 2007

بذور أنبتت هجرة

للهجرة بذور. وهل من شيء يبدأ وجوده في هذه الأرض فجأة، أو من ولادة لحظة؟ ولأن البذر في مبدأه صغير الحجم هين الشأن، فهو يتخذ مخصبه في نفس الإنسان-كما في بطن الأرض-في بقعة صغيرة، لا يفصح عن نفسه لكل عابر أو ناظر.


والبذرة لا تحمل في طياتها كل أسرار وأحوال كيانها الذي سينمو مع مرور الأيام والأعوام. فالماء، بكثرته أو وفرته، و التربة وما تحويه من هموم وسموم، ولقاح وأفراح، تعطي مما فيها للكيان الجديد النامي. فتخرج لنا خلاصة التكوين الفطري والاكتساب الظرفي.


ولهجرتي التي أعيشها الآن دوافع وبذور، تمتد في الماضي الداخلي سنوات وجذور. والإنسان غالباً ما يحيا يومه مفصولاً عن أمسه وغده، والفصل إهلاك لليوم، وللماضي وللآتي جميعاً. ولإن وصلتهم فقد أعطيتهم حياة جديدة وألبستهم حُلة من الفهم والمعنى، تضفي على صاحبها بهاء وضياء، وتقيم في الأنفس ما اعوج من رجاء. (قد يستحق "اعوجاج الرجاء" -أو الأمل- موضوعاً وحده وتفسيراً)


ومن إحسان المرء لنفسه أن يتدبر ماضيه، ويتعقب فيه أسباب ما يعيشه في يومه الحاضر. وهو ما أنا بصدده الآن من محاولة لتفسير أو تعقب بدايات الهجرة في نفسي. وأنا أؤمن إيماناً لا يتزعزع بمسؤلية المرء عن جل ما يحدث له، ولا يصيبني هم أو مكروه إلا قالت لي نفسي، أو قلت لها، هذا من سوء عملك ومما سبق من جهلك. ولن يعدم المرء أخطاءً وجهلاً في ماضيه فلا يأسى على نفسه ولا يظن أنه ضحية لفعل غيره فيه، إلا في أمور وأحوال يكون الظلم فيها بين، والاعتداء بلاء. غير أن أكثر ما يمر بالناس من هم أو من خير هو محض بضاعتهم ردت إليهم: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض".


فما الذي دفعني لترك أهلي والهجرة في بلاد الغرب؟ هنالك الملايين من الشباب يطمح في الهجرة، وهناك غيرهم لا تروق لهم الفكرة ولا يفكرون فيها أو يسعون إليها. ولكل فكره الخاص وطموحه، وكل طامح للهجرة له أسبابه النابعة من رؤيته للحياة وما يرجوه منها.


الواقع أن الرغبة في الهجرة كانت تراودني منذ كنت في سن المراهقة، وأنا في المرحلة الدراسية الإعدادية. لا أذكر ولا أظن أنها بدأت قبل ذلك. غير أن ما يجدر بالذكر أنني بداية كنت أود أن أهاجر لعدد محدود ومعدود من السنين، لكي أرى ما لدى المتقدمين وأتعلم منهم، ثم أعود لبلدي كي أنفعه بخبرات وعلوم السفر. ولكن هذه الرؤية الحالمة تغيرت بعد ذلك قبل حتى أن أسافر. وكانت الصيغة النهائية لرغبتي في الهجرة هي الهجرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، يعني هجرة مفتوحة الزمن. وكان مبعث ذلك ولا شك ما زاد من خبرتي بالحياة في بلدي، إذ توصلت لنتائج منها أنني لا أستطيع التأقلم مع كثير من سلوك أهل وطني وتعاملاتهم في حياتهم ومصالحهم. كذلك توصلت أن أصلح عيش لي في هذا المناخ هو عيش السائح، يعني أن تكون حياتي ومصالحي في أرض المهجر، وآتي مصر وأقضي فيها وقتاً كزائر لا أكثر. ومما توصلت إليه أيضاً في ذهني أنني لكي أستطيع أن أقدم نفعاً لأهل هذا البلد، فإنني لن أستطيع تقديمه وأنا خاضع لما يخضعون له من قهر تتنوع أشكاله وأحواله. ومنطقي في ذلك أن الغريق لا يمكن أن يمد يد العون للغرقي من حوله، ولا يستطيع إنقاذ غريق إلا من لا يهدده الغرق. أما محاولات الغريق إنقاذ من حوله فليس لها من ثمرة إلا تخليص ضميره، ولن ينقذ بعدها نفسه أو غيره. وأنا أريد نتائج عملية، ولا يعنيني في كثير أو قليل أن أصرخ وأصرخ حتى يبح صوتي، ولا يتحرك ما أصرخ ضده ولا يرجع عن ظلم أو إفساد. وأولى بي أن أهدأ وأدخر ما عندي من طاقة، حتى يكون للفعل أثر وللسعي ثمار وإصلاح وإعانة للناس على حياتهم. ولن ينتفع أحد ببقائي أنا أو غيري وسط الأطلال لكي نغني لها ونبكي عليها، كعادة شعراء العرب في الماضي والحاضر!

هذا إذن كان الإطار العام لتفكيري في الهجرة ومنطقي في اختيارها. أما شرح وتفصيل ما أدى بي لهذه النتائج، فأنوي عرض ما يتسنى لي منه في تدوينات منفصلة بعون الله. فكل سبب منهم بحاجة لتفصيل وتوضيح بإذن الله، وقد أجعل من ذلك بداية لسرد جوانب من تجربتي في الهجرة، فأنا أعلم أن كثير من الشباب يتطلعون لكل مصدر يستطيعون منه تبين حقيقة الهجرة. والحق أن العلم دوماً أفضل من الجهل، فالجهل ظلمة كما تعلم، ولا يسافر عاقل في طريق إلا ويستصحب ما يتأتى له من نور يكشف له ما تسنى من سبيله وهدفه. ولا أنكر أن الإنسان كثيراً ما تخلو ردود أفعاله من عقل ومن تلمس لبينة ما هو بصدده!

الثلاثاء، أكتوبر 09، 2007

الدعوة عامة

بعد أن نشرت تدوينتي الأخيرة عن المدونات التي يخصصها أصحابها لمعالجة موضوع واحد، أو عنوان كبير تنطوي تحته جميع مواضيع المدونة، انتبهت إلى أنني قد فعلت الشيء ذاته حديثاً، إذ أقدمت فعلاً على إنشاء مدونة، بالإنجليزية، يتمحور كل ما فيها حول موضوع واحد، ألا وهو موضوع الدين وتطور علاقتي به. وقد أنشأتها بالانجليزية لشعوري أن موضوعها أكثر ملاءمة لذلك، إذ أتوجه بها أساساً إلى أهل بلد مهجري الذي أعيش حالياً فيه، ولذا أتكلم بلغتهم. وإن كان موضوعها يمثل إشكالاً أيضاً في ثقافتنا ومجتمعنا، وأرجو أن أخوض فيه ها هنا أيضاً بإذن الله.

قد أردت إذن أن أنوه بهذه المدونة التي أسميتها "لماذا أنا مسلم" Why I am Muslim وأردت عبرها أن أوضح أن اختياري لديني لم ينشأ عن العادة أو حكم الميلاد، وإنما كان اختياراً واعياً تدرج واختمر عبر وقت وبعد نظر. والدعوة عامة لمن يحب أن يزورني هنالك.

الثلاثاء، يوليو 17، 2007

الحاجة أم البحث

العنوان أعلاه تنويعة على الكلمة الشهيرة "الحاجة أم الاختراع". وأنا لم أخترع شيئاً هاهنا، ولكن رغبتي وحاجتي دفعتني للبحث عن أشياء، فوجدتها. ثم رأيت أن أعطيك ما وجدت، فربما لم تجده من قبل أو لم تفكر في البحث عنه. ولا أدعي أن ما وجدته يتمنع على الباحث إيجاده، فهو يسير قريب المنال لكل من يستخدم الانترنت ويعرف الطريق إلى بوابته الشهيرة جوجول! والواقع أننا كثيراً ما لا نبحث عما ينفعنا لسبب بسيط، هو أننا لا ندرك وجوده. أما ما كنت أبحث عنه فهو أحاديث علم باللغة العربية. والحكاية أنني أقضي أوقاتاً على مقعد القيادة، وهنا في الولايات المتحدة يشيع شكل جميل من أشكال الأدب والفكر هو الكتب المسموعة. ولا تجد كتاباً مشهوراً لم يصدر ككتاب مسموع. ويغلب أن يقرأ عليك الكتاب من كتبه، وأحياناً ما يقرأه ملق محترف. وقد تعرفت إلي الكتب المسموعة، فأضحت صاحباً لي إذ أقود سيارتي وحيداً بلا صاحب. وقد وجدت أن صحبة الكتب المسموعة أعمق لذة وأوفر ثمراً من تمضية الوقت في سماع الأغاني والموسيقى. وبعد أن قضيت وقتاً مع كتب مسموعة أمريكية البلد إنجليزية اللغة، اشتقت أن أستمع إلى كتب عربية. وأن تعلم أن ذلك مطلب عسير. فالشكل الوحيد القريب من ذلك لدينا هو الاستماع إلى الشرائط الدينية، وقد يتبعه الاستماع إلى برامج الراديو التي تختلف مواضيعها. وأنا أعلم أن الكتب المسموعة فن غير شائع لدينا، فأدى بي ذلك للبحث عن المتاح، فبدأت بالاستماع إلى مجموعة عمرو خالد، إذ تتميز بتوفرها على موقعه في ملفات يسهل نقلها على سي دي ومن ثم الاستماع إليها في السيارة. وقد أدى ذلك لتحول في رأيي ورؤيتي لعمرو خالد كما أوضحت ذلك في تدوينة سابقة. ثم أنني أردت أن أستمع إلى شيء آخر بالعربية، فوجدت موقعين جميلين ووجدت عليهما ثروات معرفية متاحة لمن يحب. أما الموقع الأول فهو موقع الشيخ الشعراوي، وعليه ملفات تحوي تفسيره الكامل للقرآن. والموقع الثاني هو موقع الشيخ محمد الغزالي. وكلا الموقعين يحويان كثيراً من إنتاج الشيخين من كتب أو محاضرات صوتية. وللشيخ محمد الغزالي مكانة ومكاناً خاصاً عندي. وقد أكتب قريباً في مدونتي عن قصتي مع الدين، وأذكر أن كتابات محمد الغزالي كانت هي السبب المباشر لقبولي للإسلام قبولاً شخصياً ومباشراً. فقد ولدت مصرياً مسلماً كما قد يوحي إليك اسمي، غير أنني في أوئل العشرينيات من عمري ضقت بحمل الدين ميراثاً مجتمعياً وعائلياً، وقررت فصل نفسي عن ديني الموروث، ثم تحرر عقلي من أوهام كثيرة وأغلال، فقبلت الإسلام ديناً بعد أن وجدت أن الرسالة في نقائها وحقيقتها إنما تتوافق مع فطرتي الإنسانية بل وتعمقها وتطهرها. ولم يكن ذلك إلا بداية على هذا الطريق. وأكرر أن محمد الغزالي كان هو من نقل لي رسالة الإسلام نقية من شوائب وأثقال التدين المعاصر. وأنهي بكنز معرفي آخر وجدته، هو مجموعة حلقات العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود، غير أن تحميلها قد يمثل صعوبة لمن لا تتوفر عندهم سرعات جيدة للانترنت. هل رأيت كيف أن إيراد بعض الوصلات، لقليل من المواقع، أدى بنا لكل هذا الحديث؟ وعلى كل، أتمنى أن يتم توفير بعضاً من تراث العربية الفكري في كتب مسموعة

الأحد، مايو 28، 2006

ذواهب المواهب

لا أعلم تماما مدى صحة كلمة ذواهب لغوياً، ولكنها قد تجمع بين معنيين، الذهب والذهاب، أي المواهب الذهبية الذاهبة! أما المواهب فكلها ذهبية لو استخدمت، ولكن يبدو أن أكثر مواهب الناس تظل دفينة الجهل أو قتيلة الاهمال والنسيان وظروف الحياة وطبيعة المجتمعات، و بوجه أخص نظم التعليم
منذ لحظات قليلة وأنا أشاهد برنامجاً قديما لمطربي المفضل إنريكو ماسياس وأرى سعادته الظاهرة وهو يحتفى به على ما يحب ويجيد، الموسيقى والغناء، خطر في ذهني ما خبرته من مواهب في أخوتي، لم يظهر منها شيء ولم يستفد منها أصحابها قليلا أو كثيرا، ورأيت في ذلك مثلا على ما يحدث كثيرا في مجتمعنا
أنا أصغر أخوتي. أخي الكبير، عبد المجيد له على جدران شقتنا لوحات زيتية وعيت عليها منذ ولادتي، لوحة لمنظر طبيعي وأخرى صورة لجدنا لوالدتنا. رسمها على الأكثر أثناء دراسته الاعدادية، بالتعلم والتجربة الذاتية. أثناء طفولتي كان عبد المجيد مهتما أيضاً بالتصوير، وهو الذي علمني هذا الفن الجميل، وكان له معملا خاصاً لتحميض الصور أنشأه بأقل الامكانات وبالتحايل على المعدات، فماذا بقى من كل ذلك الان؟ لا شيء بالمرة. أما علاء الذي يليه في السن فلم أرى شخصيا من مواهبه شيئاً، ولكني أعلم أنه كان يعزف الكمان أثناء دراسته. محمود كانت له موهبة ظاهرة في الموسيقى، أشد ما ظهرت لي حين اشترى عوداً، وليس له أي خبرة أو دراسة للموسيقى أو الالات أو النوتة الموسيقية، وبعد يومين من اللعب بالعود وجدته قادرا على عزف أي مقطوعة تطلبها منه. الحقيقة أن ذلك بهرني لصعوبة آلة العود، كما كانت له تجارب تلحينية جميلة. ماذا بقى من ذلك؟ لا شيء أيضاً. أما ابراهيم فكنت أظنه لا مواهب له غير حبه للرياضة، حتى اشتريت ذات مرة صلصالا لألعب به، ولم أستطع إنشاء شيء ذا قيمة أو جمال منه، فإذا أنا ذات يوم أجد وجها منحوتاً به على درجة مذهلة من الاتقان، فعرفت أن ابراهيم شكله لاعبا. طلبت منه فعل ذلك أمامي، ورأيت يده تشكل العجينة في يسر وسرعة فيتولد عنها وجه انسان. قلت له حرام أن تضيع هذه الموهبة، رد علي غير مبال ولكنها حرام. وانتهى الأمر
هذه عينة من عائلة مصرية واحدة، وهناك أشياء أخرى لم أذكرها في مجالات قد تكون أكثر جدية مثل العلم والدراسة. أليس تقدم شعب وازدهاره هو محصلة إبداع وانتاج أبنائه؟ قد يكون المصريون شعبا موهوباً، لكن المواهب مثل المواد الخام، ثروة باطنة لن ينعم بها إلا من يستطيع إخراجها وتحويلها من مادة خام إلى صنائع ومنتجات نراها ونستخدمها في حياتنا

الاثنين، ديسمبر 19، 2005

الجري تحت الصفر

لست رياضياً مخضرماً أو غير مخضرم، بل لم أكن أبداً رياضياً في الأساس، وكان محرما علي في طفولتي "اللعب في الشارع"، مثل المحترفين من الأطفال في لعب الكورة في الشوارع الهادئة نسبياً، فالأطفال في مصر كما نعلم جميعا محرومون من أماكن تصلح للعب، والمسؤلون عن تخطيط المدن في مصر بخلاء بالمساحات الواسعة الخضراء، وكأنهم يقتطعونها من أملاكهم الخاصة، ألا لعنة الله على الغباء!!! المهم أنني اليوم قررت إعادة تجربة الجري في الشارع، وهو هنا من المشاهد الشائعة جدا جدا جدا، يعني من المشاهد الطبيعية تماما أن ترى شاباً أو فتاة أو رجلا أو امرأة يجرون في الشارع. وقد كانت لي محاولات سابقة في هذا الأمر غير أنها لم تتحول أبداً إلى عادة منتظمة، غير أنني اليوم قررت إعادة محاولة خلق العادة! وقد حدث أن مجيء الشتاء حرمني من ممارسة هواية المشي لساعات كما كنت أفعل في فصل الصيف وهو ما كان يتيح الاستمتاع بالشمس والخضرة، والوجوه الحسنة أيضاً في كثير من الأحيان :) ولكن الشتاء فرض بياتاً شتوياً من المشي، فالمشي لمسافات طويلة في درجات حرارة فريزرية، من الفريزر، ليس فكرة جيدة، خاصة أن المشي المتواصل في درجات حرارة كهذه غير عملي، فالجسم بحاجة للتدفئة من وقت لآخر حتى نستطيع العودة ومواصلة المسير في الصقيع، ولكن المشي غالباً ما يتم في أماكن لن تجد فيها مكاناً مغلقاً في منتصف الطريق لكي يتيح بعض التدفئة. المهم أنني اليوم قررت أن أخرج للجري، فالجري في هذا الجو أفضل من المشي لمسافات طويلة لما يتيحه الجري من تدفئة للجسم. الواقع أن التجربة أثبتت جودتها وصلاحيتها، وقد كنت قلقاً في البداية من الثلوج المتراكمة في الطرقات والتي قد تسبب "زحلقة" غير محسوبة مع الجري، ولكن ولله الحمد لم أقع، وبالطبع لن تصلح هذه الممارسة بعد سقوط الثلج مباشرة. المهم أنني قمت بتجربة جديدة، الجري في درجة 7 تحت الصفر

الأحد، ديسمبر 18، 2005

البداية والنهاية

كثيرا ما نقول أن لكل شيء نهاية، ربما كانت هذه سنة الكون، ولكنها ليست سنتي مع ما أبدؤه من مشاريع، فالمشروع يبدأ ثم "يقف"، وهنالك فارق طبعا بين النهاية والتوقف

هذه المدونة مثلا، بدأت الكتابة فيها ثم توقفت، ناهيك عن الكتب التي بدأتها ثم "توقفت" أيضاً دون نهاية، وغير ذلك من المشاريع. لا أعرف كيف أعالج ذاتي من هذا "المرض" .. مرض التوقف في منتصف الطريق .. ما زالت حياتي وعاداتي بحاجة إلى إعادة تشكيل .. يبدو أنه لا مفر من ذلك طيلة عمر الإنسان على كل حال .. يعني طالما أننا نعيش فنحن في سعي وفي محاولة لتشكيل أنفسنا وحياتنا وأفعالنا .. الخ. محاولة التشكيل كفعل صحية .. ولكن التوقف عن المحاولة هو المرض .. لا أعرف تماما ما الذي دفعني الآن لإعادة الكتابة .. الواقع فكرة بدأ المدونة ليست أساسا لكي يقرأ القارئون ما أكتب .. فالهدف في الحقيقة ذاتي محض .. هو أن الكتابة .. التي هي نوع من الاستبطان .. تساعد الإنسان على إخراج فكره من جحر رأسه إلى نور العالم الحقيقي .. فهي من ثم تساعد على تشكيل الفكر وتوضيحه .. فالأفكار التي لا تخرج من رؤسنا تموت في داخلها .. تصور أن تجعل من رأسك قبراً للأموات .. غير أن هذا القبر لن يقتصر على الرأس .. ولكنه يمتد باتساع - أو ضيق - عالم الإنسان الداخلي كله .. قد تكون الكتابة أحد أنوع العلاج لدى بعض الناس .. عموما لن أيأس .. يعني ليس معنى الانقطاع لفترات طويلة أن "أتوقف" للأبد .. ولكن في الإمكان دائماً معاودة السير والمحاولة .. والهدف ببساطة هو إبقاء ذهن المرء حياً بإخراج ما يمر عبره من أفكار سريعة وتجسيدها .. والله أعلم

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين