‏إظهار الرسائل ذات التسميات صناعة التقدم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صناعة التقدم. إظهار كافة الرسائل

الأحد، أكتوبر 03، 2010

حينما يكون الرؤساء مفكرون!

لم أستطع منع نفسي من الإعجاب بالعمق الفكري للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وأنا أستمع لمحاضرته هذه في جامعة بيركلي. كالعادة، اختلط الإعجاب بالمقارنات التعيسة!

تستطيع الاستماع لكلينتون وأوباما لتدرك مدى حضورهما الفكري وذكاءهما، فأنت تستمع وتقرأ لهما كما تقرأ لمفكر وكاتب. نعم ابتليت الولايات المتحدة برئيس أحمق مثل جورج بوش. كما أن لهذا البلد أخطاء فادحة مقابل إنجازاته الرائعة. والحق كذلك أن الرئيس الأمريكي عموماً محدود السلطات وغير مطلق اليد في قراراته وأمنياته. فأي سياسة أو قانون يريد الرئيس تمريره يتطلب منه عملاً وجهداً في مواجهة قوى أخرى تقف أمامه. والحق كذلك أن أمريكا تمر بأزمات. غير أن أزمات أمريكا هي أزمات بالمقارنة بأمريكا نفسها! ومع ذلك لا شك أن وصول رجال أصحاب عمق فكري لمنصب الرئاسة في البلدان ذات الميراث الديمقراطي يثير التأمل في المستوى الفكري لرؤساء الدول المتخلفة!

قارن بين حديث لأوباما وحديث للقذافي أو مبارك - الإبن أو الأب! ألق نظرة أيضاً على نشاطات الرؤساء الأذكياء بعد تركهم الرئاسة، فبيل كلينتون أسس مؤسسة خيرية ذات رؤية مختلفة لمواجهة مشاكل العالم على اتساعه، وهي شغله الشاغل الآن. رجل بهذا الحس والتوجه الإنساني لابد أن وجوده على مقعد الرئيس أضاف أشياء ما كان لها أن تضاف لو رزح المقعد ذاته تحت ثقل رجال من أصحاب الكروش المتسعة والعقول المتسخة!

تصور لو أتى اليوم الذي جلس فيه على مقاعد الرئاسة العربية رجال ذوو فكر وحس إنساني صادق، ثم ذهبوا بعد ثمانية أعوام على الأكثر. رجال لا تلهيهم مصالحهم الخاصة ومصالح حاشيتهم وأصدقائهم عن واجبهم الذي جاءوا من أجله لمواقعهم. حتى نستطيع كشعوب فتح مقاعد الرئاسة أمام أمثال هؤلاء فلا أمل لنا في حياة نظيفة، أو تعليم محترم، أو طبقة متوسطة واسعة مستقرة، أو تسامح ديني، أو تكافؤ فرص، أو طوابير صغيرة أمام السفارات الأجنبية!

الجمعة، يناير 01، 2010

عندما تقرأ الأمم!

لا تعيش الأمم في تخلف أو تقدم بأعمال الصدفة وهلاميات الظنون وغوامض الأسباب، ومن قوانين الحياة أن "الله لا يضيع أجر من أحسن عملا". ولازمة التقدم الأولى هي العلم، فلا يوجد مظهر حسن من مظاهر الحياة على الأرض يمكن له أن يكون دون علم. حتى المزارع الذي لا يقرأ ولا يكتب إنما ينمو ثمره بناء على علم أخذه عن رجال زرعوا من قبله وتعلموا أسباب الزراعة. وكلما تعقدت أنواع المنتجات التي نريدها تعقدت علوم إنتاجها. فبناء مدينة حديثة، وهو عمل إنساني يتعامل مع مكونات الطبيعة ليصنع منتجاً لا يمكن أن تنتجه الطبيعة دون تدخل إنساني، يتطلب علوماً أوسع وأكثر تعقيداً مما تتطلبه الزراعة، التي هي عمل أكثر طبيعية وأقل تطلباً لتدخل الإنسان. ومن ثم فقد وصلت الحياة الإنسانية في هذه المرحلة من عمر الأرض إلى واقع تستحيل معه الحياة العصرية دون أنواع من العلم شديدة الاختلاف والتعقيد.


وأنا أنظر في مظاهر تراها بالعين المجردة - في الولايات المتحدة كمثال - فأقول لنفسي نعم، لا تتقدم الأمم بالصدف، ولابد لبلد ترى فيه هذا العدد المهول من الجامعات ألا يكون من الهابطين. هذا عن العدد، أما عن الكيف فكفى أن تعرف أن هناك من الجامعات الأمريكية من تتعدى ميزانية البحث العلمي فيها وحدها ميزانية البحث العلمي في الدول العربية مجتمعة! هذه جامعة واحدة، لو وضعتها في كفة والدول العربية جميعاً في كفة في ميزان يزن ما تقدمانه للعالم وللعلم، لرجحت كفة الواحدة على كفة الكثير! وفي أمريكا أكثر من جامعة يرجح ما تقدمه كل واحدة إسهام بلداننا العربية جميعاً.

ثم انظر أيضاً في الصورة أسفل الصفحة والتى التقطتها خلسة لشاب يقرأ في الباص، هي مشهد شائع معتاد في وسائل المواصلات في الغرب. وأنا ما زلت أنظر في عدد المكتبات وحجم كل مكتبة تجارية، ناهيك عن المكتبات العامة المجانية تماماً، فأقول هذه أمم تنفق بسخاء على الكتاب والقراءة. فلا يمكن أن تبقى هذه المكتبات التجارية دون أن تحقق أرباحاً كافية تكفل استمرار هذا العدد الضخم من المكتبات الرحبة، وكثير منها في مناطق تجارية هامة كما أن كثرة أخرى تنتشر أفقياً لتغطي أكثر الأرض الأمريكية الواسعة، في المدن الصغيرة والكبيرة على السواء. هذه دلالات تراها دون حاجة لأرقام وإحصاءات تؤكد رواج القراءة. ومن أكثر الحقائق دلالة كذلك أن كثيراً من مشاهير الكتاب في الولايات المتحدة هم من الأغنياء والمليونيرات، فالكاتب المعروف يصبح مؤسسة رابحة من ثمرة نشاطه العلمي والفكري.


وقد تحدثت من قبل عن قصة الجراح الأمريكي د. بن كارسون وكيف غيرت عادة القراءة حياته جميعاً من النقيض - القبح والفشل والفقر - إلى نقيض كل ذلك. ولا زلت أذكر حواراً قرأته منذ زمن بعيد مع المفكر والإداري المصري طارق حجي - الذي أتمنى أن يتابعه ويتعرف عليه القراء بشكل أفضل - قال فيه كيف أن والدته كانت تتفنن في تشجيعه على قراءة كبار مفكري العربية وهو بعد في مراهقته. هذه أم مصرية عبقرية - تماماً مثل أم بن كارسون - أدركت قيمة القراءة في بناء الإنسان ومستقبله. فالقراءة والعلم يرفعان الأمم والأفراد كما لا يرفعهما شيء آخر. ولعله من المناسب هنا أن أذكر ما نمل من تكراره في أقوالنا (عقبال الأفعال!) عن كلمة "إقرأ" التي بدأ بها الوحي القرآني! وهي إشارة خطيرة اعتدنا عليها حتى عمينا عن خطورتها!

إن للقراءة مفعول عجيب في تحويل الفرد من الداخل، وهو المحك الحقيقي للتغيير والتطوير. وللعلم مفعول غريب في تحويل الأمم من الداخل أيضاً، وهو "المحرك" الحقيقي لإمساكها بزمام أمرها وتحويله من العبث إلى الثقة، ومن هزل الأوهام إلى جد الواقع.



شاب يستغل وقت انتقاله في الحافلة العامة في قراءة كتاب. وهو مشهد معتاد في وسائل المواصلات العامة.

الجمعة، أكتوبر 30، 2009

كيف يمكن للمهاجر أن ينفع وطنه؟

لا تعني الهجرة أن ينجو الإنسان بنفسه مما يكره ثم يعيش ناعم البال وكأنه ولد من جديد في أرض جديدة! لا أتحدث عن متاعب المهاجر في أرض المهجر فطبيعة الحياة ألا تخلو من عقبات ولا تنجو من منغصات، أياً كان موقعك في الأرض. فالهجرة هي تحرك من أرض إلى أرض وليست تحرك من كوكب إلى كوكب آخر، أو من حياة دنيا إلى جنات النعيم! وإن كنت لا أنكر أن البلدان تختلف اختلاف عالم عن عالم وحياة عن حياة، لكل عالم منطقه وقوانينه وطبيعته. وأياً كان الأمر فالخلاصة أن مهاجر الجيل الأول لا يستطيع الانغماس التام في عالمه الجديد والانفصال عن بلده الأول.


لعلك تذكر ما كتبته هنا من قبل من مقارنات وتحسرات على ما يغيب في بلدى الأم مما أراه في بلد مهجري من حسنات. ولقد أشرت من قبل أيضاً أن المهاجر يظل في مقارنة دائمة، لا أظنها تهدأ مهما طال عمر المرء في مهجره. وفي مقابل رؤية بعض محاسن الحياة في المهجر والغائبة عن بلداننا تأتي خبرة أكثر إيلاماً، ألا وهي الاطلاع على تدرج الوطن في مهابط سوء الحال من سيء إلى أسوأ! فقد كان الحال في مصر منذ سبعة سنوات، زمن هجرتي، أفضل منه الآن، على الرغم من أنني كنت ضائقاً بسوء الحال أيما ضيق في ذلك الوقت. إن ما يصلني الآن من ارتفاع الأسعار وسرعة الانحدار يكاد أن يتمثل في ذهني كمشاهد عبثية سيريالية لا يمكن أن تنتمي إلى الواقع! كيف يمكن أن يعيش محدود الدخل في ظل هذه الأسعار؟! إن عائلات بأكملها لابد أنها تبيت لا تدري أنى لها بقوت يومها؟! لقد وصل الأمر بنا إلى الشك في قدرة قطاع عريض من الناس على توفير أدنى احتياجاتهم الحياتية كبشر!



في حضور هذه الصورة الكئيبة، أتساءل أحياناً كما يتساءل أي إنسان طبيعي أمام مصائب البشر: وماذا أستطيع أن أفعل؟!!! وهذه مصيبة غير بعيدة، فالناس كثيراً ما ينظرون بقليل من المبالاة إلى المصائب البعيدة، لكن وطنك قريب مهما ابتعدت عنك أرضه! نعم أنا أكره أشياءً كثيرة في مصر ولذلك تركتها، لكن هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى أن يجدوا طعامهم بيسر ما ذنبهم؟ أن الإنسان حينما يضعف أمام احتياجاته شديدة الأساسية لا يمكن أن تطلب منه خيراً كثيراً أو تغييراً لفساد أو أن تحاسبه على خراب يطغى على كل ما حوله! هؤلاء بشر يحتاجون أولاً لأياد تنتشلهم وتتيح لهم أن يتنفسوا بعض نفسات الهواء لحياة طبيعية!



والسؤال الذي خطر لي هو: وهل يستطيع الذين هاجروا أن يقدموا شيئاً لأوطانهم التي تعرضت لكوارث إفسادية؟! والسؤال عام وشخصي، فهو للمهاجرين على اختلاف مواقعهم وظروفهم، ولي أنا أطرحه على نفسي كمهاجر، لعلني أعلم إن كان في قدرتي أن أساهم بأي قدر من إصلاح، كبير أو حقير!

إن أول ما قد يتبادر إلى الذهن حين التفكير في مساهمات المهاجرين هو تحويل الأموال إلى عائلاتهم. ومنذ سنوات قرأت أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج هي المصدر الأول للدخل القومي! ولم أر في ذلك إلا فضيحة قومية! ففي ذلك إشارة فجة أن من تركوا البلاد هم أكبر عناصر الوطن مساهمة في اقتصاده! وليس في ذلك إقلال ممن لم يهاجروا بالطبع، لكنه يوضح إلى أي درجات التعطيل للطاقات وصلت أحوال الداخل.


ولكن ألا يستطيع المهاجرون المساهمة في إصلاح أوطانهم الأم بأشكال أخرى أيضاً؟ الحق أن إرسال الأموال لعائلاتهم لا يدخل تحت بند "الإصلاح" بأي حال، لكنه في واقع الأمر إنقاذ لما يمكن إنقاذه، أو جرعات من معونات خارجية لجسد مريض غير قادر على إقامة نفسه والقيام بوظائفه الحيوية بشكل طبيعي!




إن أقصى ما استطعته أنا شخصياً حتى الان كمهاجر هو الهم بمعاناة الناس في بلادي. لكن، وكما يقول الكاتب الأمريكي د. وين داير، فإنه مهما زادت أحزاننا وهمنا لمعاناة الآخرين فإن ذلك لن يحقق أي قدر من التخفيف لمعاناتهم. إن الهم بمشاكل الوطن لا يهدف في حد ذاته لتخفيف أو معالجة أياً منها، لكن العلم والرصد لما يحدث خطوة ضرورية نحو فرصة مستقبيلة قد يتيحها القدر للمساهمة في التغيير. ومن ثم فإن الاستمرار في المتابعة ومحاولة الفهم، وإن بدا سلبياً غير مؤثر، فإنه ضرورة، على كل آمل في انصلاح الحال ألا يتخلى عنها قدر الإمكان.




الوسيلة الأخرى التي يستطيع المهاجر بها أن يقدم شيئاً محدوداً هي تقديم خبرته في الهجرة للمهاجرين الجدد من أبناء وطنه، أو الذين لا يزالون في مرحلة التفكير في الهجرة. إن أمراض العروبة من تنافر وصد عن التعاون والوحدة ترحل مع كثير من المهاجرين إلى عالمهم الجديد وتصاحبهم في معاملاتهم مع إخوانهم. وأنا أقول أن كثيراً منا في إعراضه عن المساهمة في تقوية مجتمعه في المهجر بشكل عام، وإيثاره أن يركز جهده على أموره الخاصة إنما يتغافل عن حقيقة مهمة هي أن قوة الجزء من قوة الكل، قوة الفرد من قوة ما ينتمي إليه من جماعة أو وطن أو فكر. والمهاجرون الذين لا يحاولون المساهمة في تعزيز مجتمعاتهم الصغيرة في المهجر إنما يحكمون على أبنائهم أن يشبوا في هذه الأوطان مثل فرع شجرة مقطوع، لا حول له إلا طاقته ولا معين إلا ما تجود به الأقدار والأحوال، بينما يحقق الانتماء إلى جماعات قوية دفعات قوية تعين الفرد الضعيف على الإنجاز الأسرع في الاتجاه الأصلح. ولذلك فعلى المهاجر ألا يبخل بالنصح والتوجيه لمن يريد الهجرة حتى يأتي مهاجراً على بينة ولا يبدد سنواته الأولى في الهجرة في ظلمات من الجهل وقلة الخبرة. كذلك على المهاجرين بقدر الإمكان العمل على تعزيز مجتمعهم في الهجرة، فإن هؤلاء المغتربين أنفسهم إن تزايدت قوتهم وتعززت مواردهم كانوا بعدها أقدر على تقديم أشياء ذات قيمة لمن تركوا خلفهم في أوطان بائسة دمرتها السرقات ونهب الحريات والخيرات.


أما آخر وسائل المساعدة التي تحضرني هي مساهمة المهاجر صاحب الخبرة والتخصص في أي مجال من مجالات العلم والعمل في نقل ما ينفع إلى أبناء وطنه. وقد يتعذر في أكثر الأحوال أن يستطيع المهاجر المساهمة على نطاق واسع أو بشكل رسمي، لكن عليه أن يحاول توصيل هذه الخبرات ولو بشكل فردي ولعناصر فردية قليلة في بلده. فالطبيب المهاجر قد يحاول مساعدة طبيب واحد في وطنه بالعلم والخبرة. وكذلك المهندس أو خبير الإدارة، إلخ.


بل وقد يستطيع جماعة من المتخصصين في مجال واحد في المهجر أن يجتمعوا على تقديم شيء ولو لعدد محدود، مثلاً قد يجتمع عدد من المهندسين المصريين أو العرب في الخارج ويقوموا بتمويل منحة دراسية لطالب متميز في وطنهم، فهذه الجماعة قد تسهم بذلك في تحويل حياة إنسان وأسرة كاملة تحويلاً كاملاً. وكل خير يأتي لفرد قد ينتج بعده خيراً كثيراً يعود على جماعات وأوطان. والتغيير والإصلاح قد يبدأ فرادى قبل أن يبدأ على نطاق أوسع وأجمع. والوحدة على هدف أو عمل أكثر خيراً وأوفر ثمراً وأكبر أثراً من عمل فرد واحد، يعيش عمراً ثم يرحل إلى قبره صفراً من إنجاز لخير أو تعمير في أرض!

السبت، يونيو 06، 2009

الرقابة المصرية والصفحات الضائعة!


لست متابعاً جيداً لكل ما يحدث في مصر الآن، غير أن متابعتي الكسولة لبعض المدونات المصرية أحاطتني علماً بمشروع حجب المواقع الإباحية في مصر. وبالطبع يخشى الكثيرون - ومعهم حق - من أن يمتد حرص المسئولين على أخلاق الشباب المصري من حمايتهم من المواقع الإباحية إلى حمايتهم من غياهب السياسية وتعقيدات المعتقلات. فالشباب الثائر لا يجني إلا البهدلة، ومن ثم فإنه من المنطقي أن نحميه من كل ما يؤجج ثورته!

ولقد ذكرني ذلك بأحد فصول تجاربي الشخصية مع إبداعات رجال الرقابة في مصر. فذات يوم منذ ما يقرب من عقد كامل من الزمان، دخلت مكتبة فرنسية في مصر الجديدة تلبية لنداء إدماني القديم لتصفح الكتب، وشراء الكثير منها، ثم قراءة القليل مما أشتريه! وبينما أنا أقلب بصري بين المجلات وجدت عنواناً شدني على غلاف إحدى المجلات، إذ يحوي العدد ملفاً كاملاً عن تجارة البغاء واستعباد النساء في العالم، فقررت فوراً شراء المجلة. ويعلم الله أنني لست قديساً لم تر عيناه ما لا يجب أن تراه، غير أنه علم أيضاً أن شرائي للمجلة كان تلبية للنداء الطفولي بضرورة القضاء على مظاهر الظلم والفساد في العالم، وهو ما لا يمكن تحقيقه بداهة إلا بالعلم والإحاطة بما يحدث. فلا يمكن لمحبي العدل أن يحاربوا ما يكرهوا دون إدراك كامل لوسائل وقدرات المفسدين. وهكذا خرجت بالمجلة وذهبت فوراً لأجلس في الشارع وأبدأ رحلة تغيير العالم في خيالي. فإذا بي أفتح المجلة لأجد أن هنالك إحدى عشر صفحة كاملة مقطوعة بفعل فاعل، هي تماماً ذات الصفحات التي تحتوي على ملف تجارة الرقيق الأبيض! عدت إلى المكتبة وقلت للسيدة التي باعتني المجلة أن هنالك صفحات ناقصة، فقالت لي أنها هكذا تأتي بعد المرور على الرقابة، وأن لي أن أبحث بين النسخ الأخرى للمجلة إن شئت. بحثت في كل نسخ العدد فوجدت بالطبع أن الصفحات ذاتها مقطوعة. فأعدت المطبوعة وأنا حانق على هذا الغباء، فالمجلة هي في النهاية مجلة ثقافية محترمة وليست مجلة جنسية. بل وقالت لي نفسي الخبيثة لعل من قطع هذه الصفحات يبيع ما فيها من صور للمراهقين على أبواب المدارس!

بعد أن تذكرت هذه الحادثة أردت أن أفكر في الوسائل الحقيقية التي يمكن بالفعل أن تحمي الشباب من تبديد الوقت والطاقة في مشاهدة العري والجنس. وأنت تعلم مثلما أعلم أن حجب المواقع لن يحقق خطوات عملاقة ولا خطوات قزمة نحو هذا الهدف. وإذا كانت الرقابة قد قطعت إحدى عشر صفحة من هذه المجلة القديمة، فدعني إذن أخرج الصفحات الحقيقية التي لها بالفعل أن تحمي الشباب من المواقع الفاسدة إلى النور، وأعلنها على الملأ، وجميعها كما سترى صفحات مقطوعة - بفعل فاعل - من واقع الشباب المصري! ولقد رأيت أن أبحث عن 11 صفحة أيضاً، صفحة ضائعة ذات أثر حقيقي مقابل كل صفحة وهمية قطعتها يد الرقابة العبثية من المجلة المذكورة:

1- الأمل: لن يضع الزارع بذرة في طين الأرض، وينفق الجهد والماء يرويها ويعتني بها، وهو يعلم بداية أن تربته عقيمة لا أمل فيها، وأن البذرة لن تجني من الماء والجهد نمواً ولا إثمارا. فإن ذهب المزارع إلى أرض علم من خبراته السابقة ومن تجارب الآخرين المتكررة أنها لا تصلح للزراعة، فإنه سوف يستكين إلى الكسل واليأس طالما بقي في حدود هذه الأرض الجرداء. وسوف تضيع أيام المسكين وعمره في محاولات لقتل الوقت وتغييب العقل. فالأمل هو المحرك الأول للعمل، ومن يعمل لن يجد وقتاً لمشاهدة الأفلام الإباحية أو تدخين البانجو!

2- الثقة: لن يستغني الشباب عن مشاهدة المواقع الإباحية والسقوط في الزواج السري المسرحي (المشهور بالعرفي) وهو فاقد للثقة في المسئولين عن أمور بلده وإدارتها. ففقد الثقة ينتج شعوراً بعدم الأمان يقتل طاقة العمل لدى الإنسان.

3- التعليم: لو كانت سنوات التعليم الأساسي والجامعي أكثر فعالية في إقناع الشباب بجدواها، ولو كان نظام التعليم في مصر يسمح بتنمية قدرات الإنسان المصري العقلية والعملية لوجد كثير من الشباب منافذ لطاقتهم وبواعث لنشاطهم تجنبهم الإفراط في ما يبدد الوقت بغير نفع.

4- الاقتصاد: لو كان الزواج ميسوراً لانتهت علاقة أكثر الشباب بالمنتجات الإباحية بمجرد الزواج!

5- المنافع العامة للشباب: أين يجد شباب مصر ملاعب مهيئة للعب كرة القدم؟ وكم يوجد لدينا من ملاعب تنس، وحمامات سباحة وصالات رياضية متاحة بعيداً عن نوادي العاصمة، ويستطيع الشباب من الأحوال الاجتماعية والاقتصادية المختلفة استعمالها!

6- ثقافة الزواج الصحيحة: صعوبة الزواج مشكلة مزدوجة، فالشباب بين اقتصاد صعب وثقافة زواج مادية فاشلة لا يجد أقرب ولا أيسر من فيلم جنسي أو زواج عرفي!

7- توفر الفرص: أصبحت مصر ومنذ عقود طويلة بلداً مغلق الآفاق مسدود الطرقات! ففي بلد مثل الولايات المتحدة على سبيل المثال يشعر الإنسان أن الفرص تأتي لأصحاب النشاط والعمل والذكاء، وأن من لديه الاستعداد والطاقة على العمل والمخاطرة يمكنه أن يغير ظروفه ويطور حياته، أما في البلدان المخنوقة فإن الفرصة تكاد ألا تتهيأ إلا لأصحاب المال أو السلطة. والفرص المتاحة للجميع محدودة العدد ومحدودة الآفاق كذلك. ناهيك عن عدم المساواة الصارخ بين العاصمة والأقاليم، ومحو ما يربو على نصف السكان - وربما أكثر - من خريطة الفرص أساساً (الأمية).

8- مناخ سياسي صحي: يتصل ذلك اتصالاً وثيقاً بمناخ الثقة. كما أنه من دواعي قتل الأمل في نفوس الشباب، وقد تمت الإشارة إلى أدوار الثقة والأمل.

9- المشاركة وثقافة الأعمال التطوعية: لو نظرت إلى المجتمعات الغربية الأكثر تقدماً لوجدت شيوع النشاطات التطوعية بما يتعدى بمراحل حجم تواجدها لدينا. والنشاط التطوعي ذو منافع متعددة للمشاركين فيها ذاتهم وللمستفيدين منها سواءً بسواء. ومعلوم أنه لن يتطوع بوقته وجهده من لا يجد متسعاً في الوقت والرزق لينظر خارج ذاته ومشاكله. والأعمال التطوعية تختلف تماماً عن مجرد إخراج صدقة أو زكاة، فهي إنفاق للوقت والجهد وخبرة مباشرة بأحوال من هم أقل منا في الحظ والرزق. غير أن هنالك نسبة من شبابنا تعاني الفراغ وتنعم بسعة في الوقت والرزق، لو وجهوا بعضاً من ذلك في نشاطات تطوعية منظمة لانتفعوا ونفعوا.

10- إخراج مصباح الدين من قمقم الصلاة والصوم والحجاب: هذا حديث طويل. فالدين قد يكون أفيونةً معطلة أو إكسيراً منشطاً. وحينما يحصر الفكر الجماعي جوهر الدين في طقوس حركية وفروض مظهرية فإن الدين لا ينقذ ولا يغني من فقر وجهل ومرض.

11- الحرية: الحرية - حرية النفس - هي محصلة كل ذلك. فالفقر وانعدام الأمل وانسداد الآفاق وعدم القدرة على الزواج، كل هذه أسباب يشعر معها الإنسان أنه فاقد لحريته، عاجز عن التأثير في نفسه وفي الحياة من حوله. والشعور بالعجز يطفيء روح الإنسان ويحوله إلى عقل ثقيل وبدن عليل. وما الثورة أو الهوجة إلا اندفاعة نفاد القدرة النفسية للفرد على تحمل سجن العجز.

ولو كانت في نفوس القائمين على شباب مصر رحمة حقيقية بهذا الشباب ووقته وطاقاته لأعادوا له هذه الصفحات المقطوعة، بدلاً من قطع مواقع وصفحات تافهة، لا يهتم لها إلا التافهون!

السبت، مايو 10، 2008

عبقرية أم


هذا كتاب قرأته منذ بضع سنوات. لكنه من الكتب التي تترك في عقلك ونفسك أثراً لا يمحوه مر الزمان، ولا يقدر عليه النسيان. لا تظن أن "عبقرية أم" هو عنوان الكتاب. وإنما هو عنوان باطن في قصة هذا الجراح الأمريكي الشهير. فهذه أم أمية، لا تقرأ ولا تكتب، مطلقة، فقيرة، تعمل خادمة في بيوت الناس، لكنها أدركت بفطرة نقية وعقل سليم كيف تحول حياة ابنها من القاع إلى القمة، وآمنت بقيمة الكتاب وبقدرة العلم على التغيير، وإن لم تتح لها الحياة أن تحظى منهما بنصيب.

الكتاب عنوانه Think Big أو التفكير الكبير، وهو تعبير شائع في الثقافة الأمريكية. ومعناه ببساطة أن يطلق الفرد أحلامه وطموحه إلى عظائم الأمور والإنجازات، بدلاً من القنوع بصغائرها، وبغض النظر عن إمكاناته المتاحة في حاضره. فكل كبير قد بدأ صغيراً. وكل من اعتلى القمة بدأت نحوها خطواته من القاع.

بعد انفصال والدي بن، عاش هو وشقيقه مع أمهما. كانت الأم، العائل الوحيد للأسرة، جاهلة فقيرة، وسوداء في ظروف ضيقت على الأسود معيشته بسبب لون بشرته. ولم يؤهلها ذلك إلا للعمل كخادمة في بيوت ميسوري الحال. وبدأ بن في دراسته الابتدائية كأي طفل في مثل ظروفه. كان معروفاً لدى قرنائه أنه أغبى تلميذ في الفصل. وكانت سيرة من شابه حالهم حاله هي ترك المدرسة والحياة في الشارع، وربما تعاطي المخدرات والاتجار فيها، والانضمام إلى عصابة صغيرة أو كبيرة في منطقته. غير أن الأم ذات يوم من الأيام، أخذت قراراً واحداً، غير مستقبل ولدها بن كارسون Ben Carson إلى أبد الآبدين!

كانت الأم تعمل في بيوت الأثرياء، وترى كيف يعيشون. ولم تكن فطرتها قد فسدت لكي ينتج عن ذلك حقد عليهم، أو قبول لهذا الاختلاف بين حياتها وحياتهم على أنه قدر لا سبيل لتغييره. كانت تقول لولدها بإلحاح، أنت ذكي وتستطيع أن تكون مثل هؤلاء الأغنياء. لست أقل منهم في شيء يا بن، لديك كل الإمكانات التي تؤهلك لكي تكون ناجحاً وعظيماً. كانت تؤمن بذلك وتبث في نفس ولدها ثقة في نفسه، لكن ذلك لم يكن كافياً بعد لكي يغير الطفل الصغير من عاداته أو يفعل شيئاً لمستقبله. فالإنسان في طفولته عجينة طيعة ملأى بالإمكانات والبذور، غير أنها عجينة عاجزة لا تدرك كيف تروي بذورها وتروي أرضها الخصبة. وذلك دور الأهل الذي كثيراً ما يغفلون عنه. وذلك أيضاً مصداق قول رسول الإسلام: كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته.

كانت الأم ترى كيف أن الأغنياء يقرأون، ولديهم في بيوتهم مكتبات خاصة. لابد أنها عملت لدى أغنياء حقيقيين مثقفين، مثلهم ليس كمثل بعض أغنياء الفساد والقسوة والغباء. فرأت الأم أن السبيل لإخراج ولدها من المصير المظلم الذي ينتظره هو إجباره على استغلال إمكاناته ومواهبه. وذات يوم عادت الأم إلى البيت وأصدرت قراراً بيتياً حاسماً ونهائياً. مطلوب من بن أن يذهب للمكتبة ويختار كتابين كل أسبوع ويقرأهما، ثم يكتب لها تقريراً عن كل كتاب! كل أسبوع كتابين، فإن لم يفعل، فلن يسمح له بأي مصروف ولن يستطع حتى أن يشاهد التلفاز أو يخرج ليلعب مع أصحابه. عليه أولاً أن يقضى هذا الواجب حتى يستطيع الحصول على ملذاته وأسباب لعبه ولهوه. ضاق الصبي بهذا القرار الظالم! لكنه لم يستطع إثناء الأم، فاضطر للخضوع كارهاً مضطراً.

وبدأ بن يستعير كتابين كل أسبوع ويكتب عنهما تقريراً يقدمه لوالدته. ومع مرور الوقت تحول بن تلقائياً من أغبى تلميذ في الفصل إلى أنبغهم. بل وحقق نجومية بين زملائه، وأصبحوا يأتون إليه لمساعدتهم في فهم دروسهم! وقد بدأ ذلك حينما ألقى أحد المدرسين سؤالاً لم يعرف إجابته أحد. لكن بن عرف الإجابة، ليس من كتب المدرسة، ولكن من الكتب التي قرأها تنفيذاً لأمر والدته. حينها تحرج بن قليلاً في التطوع للإجابة، وثم رأى نظرات السخرية حينما تجرأ وقام للإجابة. ثم فاجأ الجميع بإجابة أكثر من وافية، إجابة قاريء خبير! حينها أدرك بن أن هذه القراءات تحقق له تميزاً وتفرداً، وتجلب له الإعجاب والاحترام. فعرف للقراءة قدرها، ولذتها، كيف أنها توسع عالمه، وترفع قدره. فاستمر في أداء الواجب القرائي بدافع ذاتي، وانتهى به الحال طبيباً وجراحاً مشهوراً وكاتباً ومحاضراً لامعاً. وأنشاً طلبة في الولايات المتحدة جماعات باسمه تحاول تنفيذ خطة هذه الأم العبقرية، قرائة كتابين في الأسبوع!

فانظر كيف أدركت الأم أن القراءة هي سبيل إجبار ولدها على إحياء قدراته وتحقيق النجاح في حياته. ثم انظر كيف أجبرته على تقديم تقرير عما يقرأ، حتى وإن لم تستطع هي قراءة هذه التقارير، كونها لا تعرف القراءة والكتابة! كيف علمت أن إعادة صياغة وكتابة ما فهمه من قرائة كتاب واحد خير من قراءة عشرة كتب قراءة عابرة؟ هذه أم عبقرية أقدم قصتها وما أنجزته في ولدها هدية لنا جميعاً، أمهات، وآباء، وأبناء!

الاثنين، مارس 17، 2008

كلمات من "هموم داعية" لمحمد الغزالي-التدوينة الرابعة والأخيرة

الإنسانية المحترمة أن أظل على وحدانيتي، وتظل – إن شئت – على شركك وتظلنا مشاعر البر والعدالة والتعاون الكريم.
(هذا بالمقارنة مع الإنسانية "غير المحترمة" أو بالأحرى "اللاإنسانية" وهي إنكار وكراهية الآخر والرغبة في جعله مثلي، فإن لم يكن مثلي فهو عدوي. والصداقة والتعاون بين الناس على اختلافهم هو الواجب أن يحدث. لكن الإنسان هنا وهناك يرغب في فرض تصوراته وفي نهب مصالحه!)

نحن خلال تاريخنا الطويل لم نكسب معاركنا الكبرى بكثرة العدد ورجحان السلاح، بل كسبناها بالاستناد إلى الله وبذل كل ما لدينا من طاقة.
(نعم فالمهم ليس الأشياء والإمكانات التي يهيئها القدر وليس للإنسان دخل فيها، ولكن المهم حقيقة هو أن يبذل الإنسان والمجتمع وسعه فيما توفر له، ثم ألا يأخذه الغرور ويحسب أنه ينصر نفسه، حينها يمكن أن يطمئن لنصر الله حتى لو قلت إمكاناته)

عن ابن مسعود: [...] أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة [...] أعمقها علماً وأقلها تكلفاً...

(توقفت عند هذين الوصفين لأصحاب النبي: عمق العلم وقلة التكلف، وكيف جمع الراوي بينهما، ربما وعياً منه بارتباطهما. وصفهم بقلة التكلف بالغ الأهمية، أرجو أن ينتبه إليه القاريء. فالتدين في هذا الزمن أصبح لصيقاً بالتشدد والتكلف. لكن الحق أن العلم والدين كما أرادهما الله يجب أن يحررا الإنسان من الافتعال وأن يقرباه من فطرته النقية السوية. ومن ثم فكلما زاد علم الفرد علماً حقيقياً كلما زادت حياته بساطة وزادت أفعاله صدقاً. وكلما زاد التكلف في فعل الإنسان وفكره علمت أنه بعيد عن الفطرة وعن العلم الحق)

بعض المرضى يحتاج إلى صدمات كهربائية لتصحيح وعيه، وإيقاظ ما تخدر من حسه.. والمسلمون يحتاجون إلى أمثال هذه الصدمات كي يحسنوا الخلاص مما حل بهم..
(صدق الشيخ وأحسن التعبير! لكن يا ترى ما هي الصدمات التي نحتاج إليها حتى نفيق؟)

فلندرس بدقة وبصيرة أسرار ما أصابنا.. فإن العافية لا تتيسر بدواء مرتجل، والنصر لا يجيء باقتراح عشوائي.
(أرجو ونحن نتفكر في هذه النصيحة أن نعرف أن أسوأ أمراضنا إنما هي قابعة داخل أجسادنا! وأن محاربة الفساد والتسلط الداخلي عندنا بحاجة لهذا المنهج الموصوف، وهو منهج التأني والدراسة لما ينفع فعلاً وحقاً، والتخلي عن الجعجعات التي لا تنفع!)

إن المال قوام الحياة وسياج المروءة، وعندما يكون دولة بين جماعة من الناس..فإن نتائج ذلك مدمرة..إذ الجوع كافر..وحقد المحرومين قاتل.
(تحذير يستحق الالتفات، ويبعث على القلق!)

الجهد الفردي مهما قارنه من إخلاص قليل الثمر..إنه يشبه نشاط التجار الصغار أمام الشركات الكبرى.
(لهذا على العقلاء والمخلصين التجمع والتعاون، مثلما يتجمع ويتعاون اللصوص والمجرمون!)

الخميس، مارس 13، 2008

الدين والفقر - كلمات من "هموم داعية" لمحمد الغزالي 2

يقول الشيخ العظيم-رحمه الله-في كتابه:

جهلة المحدثين أرادوا إقامة مجتمع من الصعاليك ورووا آثاراً تجعل عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً!
وهذه بلاهة منكورة، فإن المال قوام الحياة وأساس الدولة، وكافل المؤسسات المدنية والعسكرية، وعبد الرحمن بن عوف هو بنص القران من السابقين الأولين، الذين حازوا الرضوان الأعلى، وبشروا قبل غيرهم بالجنة..
وتحبيب الفقر للناس كما يفعل أولئك المحدثون القاصرون جريمة.
فإذا انضم إلى هذا أن العرب يحتقرون الحرف –تمشياً مع جاهليتهم الأولى- ويفضلون عليها الفقر عرفت أي مجتمع تصنعه هذه التعاليم.


سوف أفرد لهذا المقطع من الكتاب تدوينة خاصة. فلهذه الكلمات عندي صدى خاص وآخر عام. أذكرني طفلاً جالساً على الأرض أثناء إحدى خطب الجمعة. لا أذكر الوجوه ولا أذكر التاريخ، ولا أذكر من حديث الخطيب غير حديث أن عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً لثرائه. وأن الفقير يدخل الجنة قبل الغني بخمسائة عام. لابد أن فطرتي أنكرت ما سمعت، فشعرت بعدم الراحة، وأن ما يقال على أنه دين إنما يخالف روح العدل. لم أكن حينها مثلي الآن بالطبع، قادر على الحكم والانتقاء لما يٌقبل وما لا يستحق التصديق ولا الإيمان. ثم بعد تطوري العقلي ظلت في نفسي كراهة لهذا الحديث وأمثاله وعداء طفولي له، لما خرب في فطرتي ذات خطبة بعيدة في الزمن. وآمنت أنه كلام لا يستحق الالتفات، إنما يستحق الإعدام. وقلت في نفسي لو أنني حاكم في ظل ما نحيا من ظروف، لعزلت عن الخطابة من يذكر على الناس أمثال هذه الأقاويل، حتى يتوب!

ثم يأتي الشيخ محمد الغزالي ليقول هذا الكلام الذي يثلج الصدر. فكيف لا أحبه!

الاثنين، يناير 07، 2008

محمد شدو رئيساً للجمهورية

لقدد فكر عبد الله والفقير إليه، الذي لا يضمن من حياته لحظة، ماضية أو حاضرة أو آتية، إلا لو تولاه الله برحمة، ثم قرر أن يقبل تحمل الأمانة ويرشح نفسه لمنصب رئيس جمهورية مصر العربية. وهو إذ يسمي ذلك منصباً، عملاً بالجاري على ألسنة الناس، إلا أنه يعلم تمام العلم أن الدنيا دار ذهاب، ومجال حساب. وهو يؤمن بضعف حيلته، وعجز خطوته، وقصور فكرته؛ غير أنه يؤمن أيضاً أنه عبد للرب وسيد للكون، بما نفخ الله في آدم من روحه. وهو على علمه بذنوب وأخطاء تدنس سيرته، إلا أنه يرجو من بعض نقاء فطرته، وقليل صدق سريرته، أن يطهره الله برحمته، ويلهمه العدل والإصلاح في رعيته.

وبعد، فهذه خطتي عند تولي المسؤلية، أعرضها بلا تلاعب ولا التواء. وليس فيها من كلمات إلا ما صدقت فيه النيات!

1. يتم التحفظ على جميع الحكام والمسؤلين السابقين تحت مرأى أجهزة الدولة، وتقام تحقيقات ومحاكمات عادلة لكشف كل ما سبق من سرقة أموال الناس، وتعقب هذه الأموال حتى أعمق أعماق البنوك الأجنبية والسويسرية. ويتخصص قسم كامل في المخابرات العامة المصرية لتعقب الحقائق، وكشف المستور من غرائب الأمور! وتعاد الأموال المسروقة إلى أهلها، وتوضع في خزينة الدولة للإنفاق على جميع المشاريع التالي ذكرها وكل ما يأتي بعدها.

2. سوف يقوم الرئيس باختيار نخبة موثوقة من المثقفين والخبراء والإداريين المصريين، المقيمين في مصر والمهاجرين، ويجعلهم مستشارين شخصيين له، حتى يستنير بعقول العالمين المخلصين.

3. سوف تقوم الدولة المصرية بإنشاء مجمع مدونات، مقسم حسب المحافظات المختلفة، ويكون هذا المجمع صوت لشباب وعقول الأمة الذين لم تأت بهم الأقدار إلى مواقع المسؤلية ولم تقرب أصواتهم وأفكارهم من صناع القرار. ويكون ذلك إحدى وسائل الاقتراب من واقع البلاد، دانيها وقاصيها.
4. البدء في مشروع قومي لوصل جميع مناطق مصر عبر شبكة طرق حديثة. وهو مشروع سوف يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل الجديدة، بأجور مجزية، وسوف يستمر لأعوام عدة. وسوف تكون هذه الشبكة دعامة أساسية في بناء حاضر مصر ومستقبلها، وضم ما انقطع، ووصل ما انعزل.

5. وقف ما يسمى بالخصخصة، والتحقيق فيما سبق من صفقات البيع لضمان أن الشاري قد أدى حق أبناء هذا البلد، وتحري كل مال تم نهبه تحت ستار هذه الصفقات! ثم تحديث جميع شركات القطاع العام بتغيير جذري في الإدارة، وسوف يكون الهدف هو تحويل هذه الشركات إلى شركات ناجحة رابحة، تدر أموالاً للدولة، وفي ذات الوقت تكفل عيشاً مجزياً محترماً للعاملين فيها، على غرار كل شركة كبيرة ناجحة.

6. فرض حد أدني للأجور على جميع الشركات، القطاع العام والخاص، يكون حداً واقعياً معيشياً.

7. إعادة النظر في جميع مؤسسات الدولة، والسعي نحو إدارتها بأكفأ الأساليب التي تؤدي الغرض الحقيقي من هذه المؤسسات. وسوف يتم الاستغناء عن جميع الموظفين الزائدين، مع استمرار صرف مرتباتهم السابقة كمعونة بطالة حتى يجدوا عملاً آخر.

8. إنشاء إدارة خاصة لتشجيع الاستثمار الأجنبي، يتجنب من خلالها المستثمر التعامل مع أية جهات أخرى، وتكفل له هذه الإدارة جميع التساهيل بما يضمن نجاح المستثمر والصالح القومي سواء بسواء.

9. إنشاء عاصمة سياسية جديدة لمصر في موقع يتم اختياره بعناية، ربما على ساحل البحر المتوسط. وبذلك تتخفف القاهرة من هذا العبء ويتم إعادة تخطيطها وتنظيفها وتنظيمها كعاصمة ثقافية سياحية. وفي ذات الوقت تبنى العاصمة الجديدة بغرض جعلها من أجمل مدن العالم قاطبة، ونأخذ فيها من كل مكان في العالم أفضل وأجمل ما فيه.

10. رفع أي تفرقة تجاه أقباط مصر في تولي المناصب والمسؤليات، ويكون الاختيار في كل مكان بناء على الأصلح والأكفأ، طالما علمنا إخلاصه وصدق رغبته في الخدمة والإصلاح.

11. الاستفادة القصوى من المصريين المهاجرين، كل حسب مجال خبرته، وإشراكهم بشكل كامل في عملية الإصلاح والبناء.

12. تعديل منهج الخدمة العسكرية، والقضاء على ممارسات الإذلال والإهانة فيها. تنمية هذه الخدمة على اعتبارها أكبر جهاز تدريب قومي للشباب. وسوف لا تقتصر هذه الخدمة على المظاهر العسكرية، ولكنها سوف تتضمن عمل الشباب في محو الأمية، وإصلاح العشوائيات والمناطق المنعزلة وشديدة الفقر، كل شاب حسب خبرته. وسوف يحصل الشباب خلالها على مرتبات تزداد على قدر الإمكان وقدر سعة اقتصاد الدولة في كل مرحلة.

13. اختيار أكفأ العناصر الإدارية لتنمية السياحة في مصر حتى تجتذب مصر ما تستحقه من عشرات الملايين من السياح سنوياً.

14. النظر في الإعلام وإصلاحه حتى يكون شريكاً في بناء عقول الناس وبناء ثقافتهم.

15. البدء في جعل الحياة في مصر نموذجاً لصداقة البيئة والتعاون معها بدلاً من تدميرها أو تجاهلها. يتضمن ذلك إرساء ثقافة إعادة التدوير، وإدارة المخلفات، وتقليل السموم.

16. برنامج عاجل وشامل لرفع مستوى صحة المصريين. والاهتمام الخاص بأساليب الصحة الطبيعية والرخيصة، والتحرر من سيطرة شركات الدواء العالمية.

17. العودة إلى الزراعة العضوية بالتدريج، حتى تصبح جميع أشكال الزراعة في مصر عضوية طبيعية لا تدخل السموم في طعام الناس وأجسامهم. ولا يخفى أثر ذلك على الصحة والسياحة وجذب المستثمرين الراغبين في نقل أموالهم وحياتهم إلى مصر.

18. تيسير أمور الهجرة في مصر، وإعطاء الإقامة الدائمة ثم الجنسية لمن يأتي إلى مصر مستثمراً لماله ونافعاً لاقتصادها وأهلها.

وبعد يا أصدقائي، فإن القائمة تطول، والتفاصيل تتعدد وتتشعب، ولكنا أردنا أن نعطيكم فكرة مبدأية عن برنامجنا الانتخابي. والحقيقة الرئيس المحتمل بدأ يفصل وما عادش مركز، لذلك نكتفي بهذا القدر!

السبت، نوفمبر 17، 2007

توارد حقائق: بين صفحة في كتاب، وحلقة في برنامج

من كتاب محمد الغزالي المعنون: نظرة على واقعنا الإسلامي
قال الشيخ:

"نظرت إلى القلم الذي أكتب به فوجدته أمريكي الصناعة..
وإلى ساعة يدي فوجدتها سويسرية..
وإلى المنظار الذي يعينني على الإبصار فوجدته من ألمانيا..
وإلى الحذاء الذي أسير به فوجدته إيطالي الصنع..
ثم إلى الثوب الذي أرتديه فوجدت المصدر من الصين الوطنية ولكن الحياكة عربية..
أما الملابس الداخلية فهي من مصر ثم تذكرت أن الآلات التي نسجتها من أوروبا..
وأخيراً نظرت إلى السيارة التي تقلني إلى عملي فكانت من اليابان..!!
ماذا صنعنا نحن؟ لا شيء! هل العالم كله منتج ونحن مستهلكون؟
[...]
إننا شعوب لما تبلغ بعد سن الرشد، سن الإنتاج والاستقلال والاستغناء."


هذا ما قاله الشيخ في كتابه، حين قرأته تداعت فوراً إلى الذاكرة حلقة شاهدتها من برنامج جميل اكتشفته مؤخراً على الإنترنت اسمه "خواطر شاب" لأحمد الشقيري. هذه هي الحلقة، شاهدها وستعرف فوراً علاقة ما فيها بكلام الشيخ في كتابه! الحلقة مدتها حوالي عشرة دقائق.


السبت، أكتوبر 13، 2007

اتقدم.. مثل هؤلاء




منذ أيام قليلة أدرجت أغنية "اتقدم" من فيلم "النمر الأسود" في مدونتي هذه. وهذا الفيلم يستدعي بعض الحديث. أولاً يستحق أحمد زكي الثناء أنه أعطى فن السيرة الذاتية في السينما جهداً وإنتاجاً لم يقتصر على فيلم واحد. يعني الراجل عمل اللي عليه في حدود قدرة ممثل فرد. بل وقدم أحمد زكي أيضاً للتلفزيون سيرة طه حسين. غير أنني أركز في حديثي هذا على السينما. فالفيلم السينمائي في أقل من ساعتين يعطيك رسالة متكاملة، ومعها ما يصحبها من إثارة لفكرك ومشاعرك.

كما نعلم جميعاً، أنهى أحمد زكي حياته بعدة أفلام قدمت سير ذاتية لجمال عبد الناصر وأنور السادات، وأخيراً عبد الحليم حافظ. وهذا كله حسن. لكني أرى في فيلم "النمر الأسود" نموذجاً لما أريد أن أشير إليه وأحث عليه. فالرؤساء والفنانون مشهورون تلقائياً، وسوف نعلم عنهم وعن قصتهم، شئنا أم أبينا. أما فيلم "النمر الأسود"، فهو يقدم قصة رجل مغمور في وطنه، حقق نجاحاً إنسانياً. وماذا يهدف الإنسان في حياته إلا صنع نجاح وخلق إنجاز شخصي، يتعاظم قدره كلما اتسعت آثاره وكثرت ثماره في الدنيا وبين الناس. والقصص الواقعي من أهم أسباب التعلم وتنمية الإدراك. والخالق الأعظم ذاته جعل كتبه السماوية كتباً للسيرة لأنبياء ورسل، وطغاة وجهلة، وآخرين نجهل حتى أسماءهم. كل ذلك قصص واقعي لمن سبق، عبرة لمن لحق.

وهذا الفن شائع جداً في السينما الأمريكية، أنجح وأقوى منتج للأفلام في زمننا هذا دون منازع ودون شك. خذ مثلاً فيلم "البحث عن السعادة" The Pursuit of Happyness، للممثل الشهير ويل سميث. فهو يقدم قصة نجاح حقيقية قدمها من عاشها في كتاب، تحولت من بعده إلى فيلم. والفيلم كما تعلم أوسع تأثيراً وانتشاراً. هاهنا رجل وتجربة نشرها الفيلم على أهل بلده بل وأهل العالم بأسره. وهذا هو ما أحب أن أرى في السينما المصرية والعربية في هذه المرحلة من الزمن.

هل تذكر مثلاً فيلم "عمر المختار" للعبقري مصطفى العقاد؟ هل كنا لنعلم شيئاً عن هذا المجاهد في صحراء ليبيا لو لم يكن هذا الفيلم قد أنتج على يد رجل يتقن فنه؟ كم من مجاهيل غيره يستحقون أن يصبحوا مشاهير، لا هم ساسة ولا هم مطربين!

أدعوكم لاقتراح أسماء وشخصيات تستحق أن نشاهد قصتها في فيلم، سواء في ذلك إن كانوا أحياء أو كان جسدهم قد توارى بين التراب.

أنا شخصياً يحضر في ذهني على الفور التالية أسماؤهم:
- طارق حجي: إداري ومفكر مصري حقق نجاحاً غير مسبوق في بلده وفي حياته، على المستوى المهني والفكري أيضاً.
- طلعت حرب: رجل بنى امبراطورية اقتصادية في مصر، وتنوعت ثمار عمله ما بين البنوك والسينما والغزل والنسيج. هو أسطورة لا تقل عن أي من أساطير المال والأعمال في الغرب.
- أحمد زويل: غني عن التعريف الآن، ففوزه بنوبل حديث العهد حاضر في الذاكرة.

وأنا على يقين أن القائمة تتسع لعشرات غير هؤلاء.

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين