‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلام القلب لله. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلام القلب لله. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، أغسطس 16، 2011

تلبيس إبليس في مقاطعة ساويرس الخبيث!


يأتي تعليقي هذا على رأيي في هوجة مقاطعة ساويرس وشركاته المصرية متأخراً، وإن لم يكن في الواقع متأخراً لكوني لا أتحدث هنا عن قضية فردية هي مقاطعة إنسان بعينه ولكن لما تثيره من بعض المراجعات في طبيعة القيم الإسلامية التي تتبناها جماعات من أهلنا في هذا الزمن.

خلاصة الموضوع أن نجيب ساويرس نشر صورة كاريكاتورية لميكي ماوس بذقن طويلة وصديقته ميمي مرتدية النقاب. ثار نفر من المسلمين واتهموا نجيب بـ "إهانة الإسلام". اعتذر نجيب ساويرس وحلف بأغلظ الإيمان أنه لم يقصد سوءاً. لم يقبل الغاضبون الاعتذار وقرروا مقاطعة شركاته حتى يودوا بها إلى الإفلاس. وحينما تفلس هذه الشركات بالطبع يكون المقاطعون قد حققوا انتصاراً عظيماً يؤكد على "عزة المسلمين"!

وجاءتني الدعوات لحملات المقاطعات الفيس بوكية. وسمعت الشباب المتحمس يأتي بأفكار مبدعة مثل عدم الرد على أي رقم موبينيل حتى يجبروا من لم يقاطع طوعاً أن يقاطع كرهاً، وإلا فما فائدة أن تحمل محمولاً لا يريد أحد من أصدقائك أن يحادثك فيه؟!

ولي ملاحظات وآراء على الأمر كله أوردها فيما يلي:

- لعل المقاطع الغيور على دينه يؤمن أن الإسلام دين تسامح ورحمة، والآية الكريمة تكاد تلخص مغزى الدين كله في الرحمة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". وفي قصص الصحابة أن جماعة من المسلمين خاضوا في عرض أم المؤمنين عائشة، فلما نزل قرآن يبرؤها قرر أبوها أبو بكر الصديق أن يقطع معونة مالية كان يقدمها لأحد الخائضين في عرض ابنته. فنزلت آية قرانية تحثنا على العفو والصفح، إن كنا نحب أن يغفر الله لنا. وأتساءل هل ذنب ساويرس بنشر صورة وهمية، لشخصيات غير موجودة في الواقع أساساً، أكبر من اتهام أم المؤمنين وزوجة نبينا بالخيانة الزوجية؟! لقد راجع الصديق نفسه ولم يقطع المعونة المالية عمن خاض في عرض ابنته. أما المتحمسون فلم يبالوا باعتذار رجل أخطأ وقرروا معاقبته حتى النهاية. ورأيي أن نقول ما نفعل ونفعل ما نقول حتى لا نكتب عند الله في زمرة المنافقين. إن أردت أن تواصل مقاطعة رجل عبر عن ندمه وكرر اعتذاره، فأرجو منك ألا تدير وجهك إلى اليمين فتخاصم وتقاطع ولا تقبل اعتذاراً ولا تفكر في مغفرة، ثم تديره لليسار فتقول أن الإسلام دين رحمة وتسامح ومغفرة! إن آمنت أن الإسلام دين تسامح فسامح وتقبل الاعتذار. وإن آمنت أن الإسلام دين انتقام وتدمير فواصل المقاطعة، وأنت حر!

- في جدال مع بعض أصدقاء الفيس بوك حول هذا الموضوع ذكرني صديق بلمحات من تاريخ المسلمين مثل "وامعتصماه" ومثل الحرب التي قامت بين المسلمين في المدينة وإحدى قبائل اليهود لأن تاجراً يهودياً ربط ثوب امرأة مسلمة حتى تتعرى أمام سوق بأكمله، نتج عنه مقتل التاجر على يد مسلم عابر ثم مقتل المسلم على يد نفر من اليهود. ولعل الكثير من شبابنا يستمع إلى هذه القصص ويحاول استرداد بعض مظاهر العزة لقومه. لكن العقل يتطلب بعض الدقة في إجراء المقارنات. لو كان ساويرس قد دخل على إحدى موظفاته المسلمات مثلاً ثم قام بخلع الحجاب من فوق رأسها بالقوة ثم كشف عن جسدها، لكنت أول من ناديت بالمقاطعة! كيف نقارن بين إهانة إنسان أدت إلى قتل إنسان آخر بصورة كاريكاتير لا تمس أحداً بعينه ولا تؤذي رجلاً أو أمرأة في عرضهم أو رزقهم أو كرامتهم؟!

- شركة موبينيل ليست هي ساويرس فقط. الشركة يعمل بها آلاف المصريين من مسلمين ومسيحيين. لو كانت هذه الشركة ترفض تعيين المسلمين مثلاً لقلنا أنها شركة تفرق بين الناس على أساس الدين ولا تستحق البقاء. هل يفكر المقاطع في آلاف قد تفقد عملها ورزقها بسبب هذه المقاطعة؟ إن خسارة إحدى شركات ساويرس سوف تكلفه فقط بعض "الخسارة"، أي أنه سوف يخسر أرباحاً كانت ستأتيه لولا المقاطعة، لكنه لن يفقد مصدر رزقه الوحيد ولن يسهر الليل بعد إغلاق الشركة يفكر ويفكر كيف يطعم أبناءه ويفي بمطالب الحياة بعد انقطاع رزقه! لكن هذا قد يكون حال الكثيرين من إخواننا العاملين في الشركة إذا ما تم الاستغناء عنهم بسبب المقاطعة. لو لم تكن تبالي بشبهة قطع أرزاق هؤلاء فواصل المقاطعة، وواصل معها القيام والصيام في رمضان أيضاً إن شئت!!!

- إن السخرية من ممارسة بعينها لا يمكن أن تحسب كإهانة لدين بأكمله! النقاب مختلف عليه، واللحية يضعها على وجهه الصالح والطالح. لو سخر ساخر من الصلاة مثلاً لكان بالفعل ساخراً من الإسلام. لو أهان أحدهم نبي الإسلام أو القران لقلنا صادقين أنه قد أهان الإسلام. بل إن مشركي مكة أهانوا شخص النبي محمداً ذاته بالقول والفعل، فقد قالوا عنه مجنوناً وساحراً وكاذباً، وتعرضوا له بما يكره، وعذبوا وقتلوا نساءاً كريمات ورجالاً نبلاء من صحابته. فلما دخل النبي عليهم منتصراً لم ينتقم بل صفح وغفر! بل وأثبت القران في آيات خالدة كل تهم المشركين للنبي الأمين، ومعنى ذلك أن الإهانة الكلامية يتقبلها القوي الواثق بالنظر في وجهها والرد عليها بمثلها: بالحجة والعقل! وليس بالتشنج والصراخ. الصوت العالي في أمور الفكر والدين والرأي هو سلاح الضعفاء!

وبعد، قد يقول قائل أني بذلت اللحظات والكلمات دفاعاً عن ساويرس. وأقول للعقلاء أنني لا أدافع هاهنا عن شخص أو شركة، وإنما أدافع عن أخلاق الإسلام!

الأربعاء، فبراير 03، 2010

الوجه المظلم للتعود

إن التعود يفسد علينا أشياءً كثيرة. يفسد الإحساس ويعطل الفهم. نتعود على الكلمات في حملها للمعاني، فيبقى الصوت ويضمحل المعنى. وكأننا نستبقي الفاني ونترك الخالد كي يسقط في ظلمات من نسيان. غريب أمر العادة: قد تقبح إلينا الحسن، وتزين القبيح! ألا ترى إنساناً يعتاد وجود أحباب له محبين، فيضيق بهم بين الحين والحين، ولا يعبأ بحسن وجودهم! ثم ألا ترى إنساناً وجماعات تعتاد مشاهد القبح والظلم والعبث، فتراها في كل يوم كما الأعمى تتقلب عيناه في وجهه ولا يرى شيئاً! وحاشا لله أن أسخر ممن حرم نعمة البصر، لكن لي أن أقذع فيمن فقد ضرورة البصيرة!

لكننا لا ننكر منافع التعود. فهو الذي يهيء لنا أن نكتسب المهارات ونتعلم الخبرات، فيصبح العسير سهلاً مع تكرار الممارسة. هو خاصة إنسانية ضرورية لاستمرار الحياة وتراكم الخبرات وتقدم البشر. فهو ضرورة للحياة في جوانبها الآلية، أو اللاإرادية، لكنه حين ينسحب من النشاط الآلي إلى وجودنا الفكري والروحي يفسد وظائفهما ونشاطهما الحقيقي. نحن لا نستغني عن التعود في اكتساب المهارات البدنية مثل قيادة السيارة، ولا نستغني عنه في النشاط العقلي الآلي مثل تعلم اللغات واكتساب المهارات العقلية. لكنه حين يمسك بالفكر والروح يصبح مصيبة تدمر خصائص الإنسان وإمكاناته التي تميزه وتفضله على كثير ممن خلق الله.

إن المسلم يعتاد سماع آيات القرآن حتى يصبح مغيباً عن معناها. وقد أذهلني أحياناً وأنا أحاور البعض أنهم يحفظون الآيات لكنهم لا يكادون يفقهون معناها. علينا أن ننقذ أنفسنا وأفهامنا وحياتنا أن نكون كالحمار يحمل أسفارا. نرى الأشياء ولا نراها، ونردد الأفكار والشعارات وكأنها زائدة كلامية لا تمثل جزءاً حياً من كياننا المعنوي. أسوأ العلم هو ما يرقد ميتاً في جوفنا حتى تتعفن رائحته. إن العادة أحياناً ما تيسر لنا أن نقتل المعاني ونلقي بجثتها خارج قلوبنا ووعينا دون أن يطرف لنا جفن!

كيف ننقذ أرواحنا من أن تتحول إلى مقبرة للجثث المتعفنة تتبعثر فيها أشلاء المعاني النبيلة والأفكار الجميلة؟ إنه لا ينقذنا إلا الفكر والتفكر. لا مفر من فتح النوافذ كي نجدد الهواء. أترى، "نجدد" الهواء! التجديد فضيلة مادية وروحية، لولاها لفني الكون. جسدنا ذاته مسرح يومي للتجدد، حيث تموت الخلايا وتولد غيرها، ولو توقف هذا التجدد لتوقفت حياتنا على الأرض. لابد أن نرى ونتعلم ونقرأ أشياء مختلفة ومخالفة لما نعتاد عليه، بل ولما نؤمن به. إن التعود في وجهه القبيح هو بقاء كل ما حولنا على ما هو عليه. ومن قبح الفساد السياسي أنه يجعل الشعوب سجينة الموجود، لا أمل في تغيير المعتاد أو تحسينه. إن أجمل رؤى الدكاترة والطغاة هي أن تعتاد شعوبهم كل شيء حولها. حينها يصبحون مطية سهلة يقودها الرعاة حيثما تشاء أهواؤهم وطموحهم المالي والسياسي. يتحول الناس مع اعتيادهم على السوء إلى آلات يمكن التنبؤ بسيرها ومسيرها. لو لم يخرج الفرد نفسه من غيبوبة التعود لحكم على نفسه وجماعته بالفناء الروحي وأصبحوا جميعاً أجسادً ميتة تمشي على الأرض فلا تتغير حولها الأرض، وكأنهم قطعان مسكينة تحوطهم كلاب الحراسة، تأكل وتشرب حتى يأتي يوم يعن للراعي أن يذبح أحدها!

الجمعة، يناير 02، 2009

هل أصبح الإسلام "أكثر غربة" مما بدأ؟

أكثرنا يعلم هذا الحديث الوارد عن نبي الإسلام: "سوف يعود الإسلام غريباً كما بدأ". وقد ننظر حولنا فنقرر أن هذا زمن تحققت فيه هذه النبوءة. قد يرتفع صوت قائلاً: لا لا، الإسلام بخير إلى أبد الآبدين، والمسلمون أكثر من مليار نفس تدب فوق أكثر، إن لم يكن كل جنبات الأرض. لكن هذه الكثرة ذاتها تذكر بحديث آخر: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم كغثاء السيل!". فإن أردت أن تتهمني بالادعاء على الدين، أحلتك إلى قول النبي هذا، ثم أدعك لتصديقك. أي خير في غثاء؟ إنها كلمة توحي بانعدام القيمة. نعم وربي! وما فعلت هذه المليارات الغفيرة؟ لن ننظر في رفاهات الحرية والعلم وأشياء من هذا القبيل، لكن هلم بنا فقط لا نغض أبصارنا عن واقع آخر، كم بطن من هذه البطون تريح صاحبها من قرصة الجوع لكي يستطيع ممارسة أحواله الإنسانية التي لا تستقيم على بطن خاو؟ هل انتفعت هذه الحشود بعددها؟ هل ضمنت قوتها، وأعانت ضعيفها، وأطعمت جائعها، وكفت فقيرها؟ لو كانت الإجابة بلا فلا يحدثني أحد عن أمة بخير أو نصف خير. ولا ربع خير، ولا أقل! انس هذه الكلمة - "خير" - الآن!

بل إن هذه كثرة تحولت إلى نقمة! إن هذا السيل من البشر قد تحول لفيضان يهلك ويغرق، بعد أن كان ماء بالخير يغدق! إن إنساناً واحداً يعيش البؤس يثقل على قلب الأرض، فما بالك بمئات الملايين! وبطن جائع عار على جاره، فما بالك بملايين! ورجال محرومون ونساء من البيات آمنين على أنفسهم، يعتصر لهم قلب الإنسانية، تزداد أعدادهم كل يوم وكأن الجور يلد في كل يوم أولاداً له يواصلون قبيح سيرته، وظلمة هيئته! وتأتي الكثرة فتزيد الصعب صعوبة، والفقر فقراً، بدلاً من أن نفرح بما يأتي معها من حياة جديدة.

لقد بدأ الإسلام غريباً يكرمه أهله ويعاديه كارهوه. فما بالك بغربة يهينه فيها أهله! لقد كان له في غربته الأولى رجال ونساء يأوي إليهم إذا اشتدت ظلمات غربته، فيجد في قربهم راحة وريحانا. أما اليوم فقد صبغه أهله بالسواد، وأصبح كابن السبيل لا بيت له، يدور في الأرض فيبيت ليلة هنا وليلة هناك، عند نفر قليل من أهل محبين ومخلصين. ولقد ينعق بعض من حملوا اسمه: تعال هنا في بيتك وبين ناسك وأهلك. فما أن يستجيب للدعوة ويذهب مستبشراً بالأرض والعزوة، حتى يعود مذعوراً من حيث أتى، يتخفى منهم حتى لا يعرفوه فيمسكوا به، خشية أن يهلك بين أيديهم فتزهق روحه للأبد! بل وكثيراً ما لبى دعوات، فذهب فأنكروه، وكادوا أن يفتكوا به! ويقابل في طريقه بشراً نظيفي الفطرة والعقل، فيحبهم وهم له كارهون! ولو عرفوا هويته لصادقوه وأحبوه، لكن أنى له أن ينكر أولاده، فالقصة طويلة وشرحها معقد! ومنهم من يهيء له القدر التعرف عليه في هدوء، بعيداً عن الغثاء الكثير من أهله، فيجدون في قربه راحة، ويعرفون في جواره صدقاً ورحمة، فيقولون له ما أبعد سيرتك عن حقيقتك! أو صورتك عن سيرتك! لشدما ظلمك أهلك، وجعلوك في الأرض غريباً!

فيفكر في نفسه: ما أبعد غربة اليوم عن غربة الأمس وما أغربها من غربة. لقد كنت بالأمس غريباً لكني كنت واثقاً، مستريح القلب والبال. فظلم العدو أهون على النفس من جور القريب وجهله. والله لا أبالي أن يكثر أعدائي أو يشتدوا، فهم إنما يحاربون بسلاح وعدة، وأنا أحارب برب كل ذلك. لكن ما أفعل في كثرة أصدقاء جهله، وأقرباء خائنين، وأهل غائبين! لله ما أشد غربة اليوم، وأطول ليلها، وأعسر كسرها. ما يفعل الفاعل في أهل خذلوه؟ أيتبراً منهم؟ أيعاديهم؟ فما بالهم حتى لا يتركوني لحالي، أسير في الأرض على سجيتي وأعامل الناس بسيرتي وسريرتي! ما بالهم يحجرون علي أن أصادق من هو أهل لصداقتي، حتى لو لم ينتمي إلى هويتي، وأعادي من هو أهل بعدائي، حتى لو حمل اسمي وادعى محبتي! ولم يظنون أنهم يعرفونني أكثر من معرفتي بنفسي، وهم أبناء عمر قصير، وأنا عمري عمر الأزل! ولم يمسكون يدي أن أصلح في الأرض، مهما كان من دب فوقها كافراً بي أو مؤمناً! ويحجرون علي أن أنفق من رحمة وسعت كل شيء! يرمون على جسدي قاذوراتهم، فأمشي في الأرض لا أدري كيف أنظفها وجسدي يثقله ما ألقوه عليه! وأريد أن أتكلم حتى يراني الخلق، فإذا بصوتهم يعلو بقوة عددهم وعدتهم فلا يسمع لي حس! وأصرخ فلا يصل صوتي لأحد، ويظن السامع أن قولهم هو قولي، وهذيهم هو ما في قلبي!

ألم أقل لكم أن غربة اليوم أشد وطئاً من غربة الأمس!

الجمعة، ديسمبر 26، 2008

خلف الستار

لو لم تكن أنت، لكان أجدر بالمرء قتل نفسه، ولكان الموت خيراً من الحياة، والانتحار فضيلة لا يستطيعها إلا أتباع الحقيقة.

ربما غفلت لأني لم أر، وقابلت عطاءً ممتداً بطول عمري بكفر يمتد بعرض حياتي. ربما تجاهلت ما لا أسمع، وجهلت تحت بصر محجوب عن بصري إبصاره.

رأيت أن أتبع ذلك حين وصلني أنه أحق أن يتبع. غير أنه كثيراً ما يثقل الأمر، ثقل الغيب في خفائه. فأقول لنفسي، لأتبعنه طالما لم أجد ما هو أحق.

أقسم بالوجود والعدم، إني إن وجدت أفضل من ذلك لاتبعته لفوري!

الأربعاء، يوليو 09، 2008

الواحد والكثرة

ذنوب كثيرة، يغفرها واحد؛
أمعاء كثيرة، يطعمها واحد؛
حاجات كثيرة، يقضيها واحد؛
أشواق كثيرة، يجيبها واحد؛
أدواء كثيرة، يشفيها واحد؛
قلوب كثيرة، يهديها واحد؛
ظلمات كثيرة، ينيرها واحد؛
كسور كثيرة، يرحمها واحد؛
أعمال كثيرة، يحصرها واحد؛
حيوات كثيرة، يميتها واحد؛
أموات كثيرة، يحييها واحد؛
أقدار كثيرة، يجريها واحد؛
أنفس كثيرة، يحشرها واحد؛
....................................
يالها من موجودات كثيرة، خلقها، ويقوم عليها واحد.

حين تجمع كثير الفرد إلى كثير الفرد،
إلى كثير مليارات البشر،
ثم غير البشر،
أدركت أن كثرة الكثير لا نهاية لها، ولا قبل لمخلوق بحصرها، ولا تصور عددها... إنها كثرة لا نهائية، ممتدة ومطلقة؛
وأن وحدانية الواحد – في مقابلها – لا حد لواحديتها، ولا انتهاء لصمودها؛ لا قبل لمخلوق أن يدرك تماسكها، وتناهي توحدها، وإطلاقَ توحيدها.

واحد أحد!

الاثنين، يوليو 07، 2008

الحمد على المعاصي

إذا عصيت الله فاحمده على أربع: أن أعطاك أمناً بالصبر والإمهال، وأن هيأ لك بها نفعاً أو لذة، وإن كانت زائلة محرمة، وأن جعلك حراً ولو في مخالفته، وأنه يغفر الذنوب جميعاً!

الخميس، يونيو 26، 2008

لماذا عدت للإسلام

تطرقت في مواضع قليلة من هذه المدونة لكوني اخترت ديني، أو عدت إليه، على بينة، وأشرت ذات مرة إلى تركي الدين الإسلامي ما يقرب من عامين قبل العودة إليه عن قناعة شخصية. والواقع أنني أنشأت مدونة بالانجليزية أسميتها "لماذا أنا مسلم" Why I am Muslim بنية تخصيصها لهذا الموضوع، مع التوجه بالحديث للقاريء الغربي غير المسلم أساساً. وحتى اليوم ما بلوت بلاء حسناً في الكتابة بانتظام في تلك المدونة. ثم أنني أود أيضاً التطرق لذات الموضوع في مدونتي العربية هذه، غير أن ما أكتبه عامة في مدوناتي كلها أقل مما أود أن أكتبه. فالمرء بين حدود الطاقة والوقت والقدرة على الالتزام ينجح أحياناً ويخفق أحياناً في فعل ما يحب ويرجو.

ثم جاءتني رسالة من صديقة للمدونة تطلب مني إيضاحاً أكثر تفصيلاً عن أسباب عودتي للإسلام. وهي لا تسأل سؤال الفضول وإنما سؤال من يطمح أن يجد رداً على تساؤلات شخصية وراحة فكرية. فليس كل من يولد مسلماً – أو وارثاً لأي دين أو رؤية فكرية – يظل عمره كله مخلصاً قانعاً بما انتقل إليه أباً عن جد. ولبعض بني آدم قدرة على اقتلاع عقولهم من أي أرض نبتت فيها هذه العقول، والتحليق فوق الأرض بحرية، والنظر في كل تربة تمر تحتهم، حتى إذا ما وجدوا ما يرضيهم هبطوا إليه واستراحوا عليه. غير أن بعضهم الآخر يستثقل فكرة النظر في نوع تربته، وجهد انتزاع نفسه منها إذا ما كان هنالك ما هو أفضل وأكثر خصوبة. والناس بين هذين الفريقين ألوان مختلفة متدرجة، منها هاديء معتدل يجمع بين جنباته ألوان شتى في انسجام وراحة، ومنها متطرف في اللون، فهو أبيض أو أسود أو أحمر، يلفظ كل ما عداه من ألوان مغايرة، لفظ جسد الإنسان للعضو الغريب.

وقد خلقني الرحمن فظللت زمناً على دين عشيرتي لا أرضى به بديلاً ولا أرى دونه ما يستحق النظر. ثم تولتني العناية الإلهية، فضقت ذات يوم باتباع المقلدين، وأقلق حبي للحرية راحتي العقلية، فشعرت بثقل الأفعال حين تخلو من روح، ورأيت أن الروح لا ينفخها في الإنسان إلا النور. والنور قرين للحق. فرأيت أن أجعل ولائي الأول للحق، وأن أبدأ عند عتباته حتى أصل إلى نهاياته. فالحق باب وبداية، وطريق وهداية، وهو في ذاته الغاية. نعم هو كل ذلك معاً.

فبدأت رحلة تحرير للعقل والنفس، أريد بها أن أنزع نفسي من تربتي. فقرار الخروج من تربة الميلاد يختلف عن الخروج ذاته. لقد طرأ القرار في لحظة. لكن تنفيذه استغرق زمناً وجهداً، واستلزم حيلاً! وأنا لا أر شيئاً فعلته في حياتي أفضل مما فعلت آنذاك.

أما هذه فهي مقدمة. وأنت تدرك ولا شك أن إجابة مثل هذا السؤال لا تتيسر في سطور يوم واحد، مهما كثرت. بل لا أشعر إنني قادر على تفصيل صورة وافية مهما أكثرت. فقرارات النفوس تغذيها آلاف المعلومات والرؤى والتفاصيل عبر شهور وسنوات. غير أنني سوف أقدم على المحاولة. وسوف أعمل على الوفاء بوعدي للصديقة صاحبة الرسالة. ولا شك أن الأمر يستحق الحديث ويستحق العرض. فدين الإنسان حياته، وهو طريقه ومصيره. ومن العبث أن نقبل شيئاً مصيرياً لمجرد أن جاءنا على طبق من ميلاد وعائلة وتقاليد.

وأختم هذه المقدمة قائلاً أنني قبلت الإسلام لأنني لم أجد ما هو أفضل منه أو أكثر توافقاً مع العقل والفطرة، فأكثره عندي مقبول وقليل منه عليه علامات استفهام (لاحظ: هذا فقط حال تواصلي المباشر مع الوحي، بعد إلقاء قمامات التقاليد في مكانها الطبيعي!)، أما غيره فكثيره معلول، لا سيما أساساته، وإن كثر مقبوله من فروع وهوامش. وقائلاً كذلك أنني ما زلت محتفظاً من رحلة التحرر الأولى بثباتي على الحق كمبدأ وغاية، وقدرتي على التحرر من كل ما عداه لحظة أن يتبين لي ذلك. وقائلاً كذلك أن قبولي الإسلام ليس خاتمة ولم يصل بعد إلى غايته. فما زلت بحاجة للنظر وإعادة النظر. وما زلت أستمع لآية من قرآن فأتوقف وأسأل وأتساءل، دون أن يتعارض ذلك مع التصديق. وتراودني منذ فترة رغبة في تكرار الرحلة، وقد يكون لذلك أيضاً سلسلة حديث متصلة، بعد أن أنهي هذا التوضيح الصعب، الذي غامرت وفتحت بابه، عن لماذا أنا مسلم!

(ملحوظة لطيفة: وأنا أكتب هذه التدوينة، بشحمها وحبرها الافتراضي – على جهازي المحمول خارج البيت – جاءتني صديقة أمريكية رأتني أكتب ورأت المدونات فأخبرتها عن كل منها، فطلبت مني أن أخبرها "لماذا أنا مسلم"! فحدثتها قليلاً حتى اضطرت أن تذهب)

وبعد، فإن أحببت أن تتابع ما أكتبه عن هذا الموضوع، فأرجو ألا تتوقع أن تتتابع التدوينات سراعاً. فلقد بدأت ونويت، وهذه المدونة منفذ للتعبير عن أفكار كثيرة ومواضيع مختلفة، لذلك فقد تتباعد أجزاء السلسلة في الزمن. والله المستعان.

شدو يتصدى لبرني

الموضوع بدأ هنا، ثم استمر هنا. ربما أتركه بعدها وربما أقبع له في كل تدوينة لأنغص عيشته! (اقرأ التعليقات في الوصلات السابقة) والواقع أن مثله كثيرون يهبون وقتهم وحياتهم لتكرار هذه الأشياء. يا ترى نسيبهم ولا نغلوش عليهم؟ صديقي محمود قطرات المطر كان قد وجد مدونة شبيهة منذ فترة وتدخل بالرد أيضاً.

أنا لا أتابع هذه المدونات عن قصد، لكن تدخلي الأخير هذا جاء بالصدفة البحتة. فقد وجدت وصلة لمدونة هذا البرني في مدونة غواية، فلما ألقيت عليها نظرة ووجدت أن أكثر من 30 ألف زائر يأتون إليها شهرياً أضفتها لقاريء جوجول. وكان هذا أول جديد يأتني به القاريء الجوجولي، فكان ما كان.

حينما أر مثل هذه المدونات بين الحين والحين تروادني فكرة ضرورة تكوين جهد جماعي منظم للرد على أمثال هؤلاء، ممن يجتذبون عدداً كبيراً من القراء. أعتقد أن هذا يكاد أن يكون واجباً على القادرين منا. ما رأيكم؟

الخميس، يونيو 12، 2008

الخلق: معجزة كل يوم

هذه أفكار تزورني بين الحين والحين، ربما جعلتها سلسلة يتواصل الحديث فيها، وربما توقفت عند هذه التدوينة. وهي أفكار تدخل إلينا بين جدران العادة والتعود، عبر نافذة الدهشة وتجدد النظر. وبذرة هذه الأفكار يلخصها قول جميل في حمد الله وتسبيحه، كونه "أبدع الكون على غير مثال سبق". وموضع الدهشة والإعجاب يكمن في "على غير مثال سبق". فأنت إن وضعت هذه الحقيقة نصب نظرك وأنت تنظر في الكون لما انقطع عجبك، ولتجدد مع النظر إعجابك بهذا المبدع الأول والفنان الأعظم. هذه القصة الكونية بكل تفاصيلها التي يعجز العقل البشري عن حصرها أو سبر أغوارها لم تكن من قبل شيئاً مذكورا. فلما أراد الله خلق الموت والحياة والأرض والسماء أبدع كل ذلك إبداعاً وبدأه بدءاً. فأي إبداع وأية عبقرية إلهية ليس لها كفو وليس إلى إدراكها في كليتها وحقيقتها من سبيل!

وقد زارتني هذه الدهشة منذ دقائق زيارة خاطفة لطيفة. فقد طرأ على إصبع في يدي قطع طفيف، فنبهني له ألم حل به حين ضغطت على الجرح دون قصد. فنظرت إليه فوجدت القطع ظاهراً، فقلت في نفسي أن من رحمة الله أن الجسم يعيد بناء نفسه ورأب صدعه. فجرح في الجلد أو قطع ما يلبث أياماً حتى يذهب وكأنه ما كان! فنظرت في هذه الكيفية للخلق وقلت، كان من الممكن أن يخلق الإنسان بجلد لا يجرح ولا يقطع. لكن هكذا كتبت قصة الحياة. لعل الله يرينا - في كل مرة يعود جسدنا إلى سابق حاله بعد قطعه – كيف يعيد الخلق ويحركه من حال إلى حال. ونحن نرى جسدنا يصلح نفسه دون جهد منا أو فكر. فنحن لا نملك حياة وحركة أقرب المواد إلينا على الأرض: جسدنا ذاته!

ولك أن تنظر إن شئت في السماء ولونها، لو ولدنا ووجدناها سوادء أو بيضاء لما اشتكينا. وانظر لاختلاف الألوان في الأرض، لو جئنا إليها وهي "أبيض وأسود" لما تصورنا حتى أنه يمكن أن تتلون الأرض والسماء وما بينهما من زهور وطيور، وزرع وبشر، الخ. وانظر للخضرة، والشجر، والماء في بحر أو نهر أو بحيرة. وانظر لتبدل الليل والنهار، وكيف ولدت فكرة الليل والنهار، من لا شيء، في إبداع الخالق. ثم الشمس والقمر، كل له نوره. كل هذا التنوع العبقري على غير مثال سابق. هو إبداع خالص. وإن الذي أبدع كل ذلك على غير فكرة سبقت ولا مثال مهد الطريق لهو قادر على إبداع ما لا نتصوره. ولعل ذلك معنى وصف النبي للجنة أنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. نعم فإن من يرى هذا الخلق يدرك أنه ثمرة إبداع لا ينضب، لا حد لتجدده، ولا منتهى لإمكانات جماله.

الثلاثاء، يونيو 03، 2008

ما بعد الخطبة

في تدوينة سابقة تحدثت عن خطبة الجمعة التى حاولت خنقي ووعدت بالبقية في جزء ثان. وقد شاء الله أن يمن علينا بمواصلة القصة اليوم.

توقفت في المرة السابقة عند محاولة شرحي لأصدقائي المسلمين والعرب أسباب ضيقي الشديد بالخطبة التي ألقاها أستاذ مصري في جامعة كورنل (ودهشة أكثرهم لكراهتي ما سمعت). وكنت أود بداية مواصلة الحديث النقدي عن هذه الخطبة وعن أشياء أخرى ذات صلة بها تخص جماعة المسلمين في موقعي الجغرافي الحالي، غير أنني رأيت أن أقف بالنقد المفصل عند ما سبق ذكره، حتى لا يكون قذعاً في أشخاص بعينهم، وهو ما لا أريده. والأمر يتلخص في كون ثلة من المسلمين يتحركون في الأرض محملين بفكر "الجاهلية الدينية" أو "الجاهلية الإسلامية" كما خطر لي أن أسميها. وهي جاهلية فكرية في كثير من الأحيان، وأخلاقية في غير قليل منها أيضاً! فإلى جانب ضحالة ما يذيعه المتكلمون في الإسلام بل ومخالفته لحقيقة هذا الدين، فإن نفراً منهم يتعاملون مع أمور الخطابة وشئون المساجد في أرض المهجر بمنظور شخصي مظهري مصلحي. وقد رأيت ذلك وسمعت عنه في الولايات المختلفة التي أقمت فيها خلال سنواتي الست في الولايات المتحدة. أحب فقط أن أهمس بهذا الكلام في آذان من يظنون أننا شعب الله المختار، وأن بلاءنا إنما هو من مؤامرات الأمريكان، وأشباههم من أعوان الشيطان! وهذا التوجه الفكري الخرافي، إن كنت لا تعلم، ما زال شائعاً ورائجاً لدينا. وأود أن يكون لذلك حديث منفصل بإذن الله، لكنني سألخصه وأختمه فقط بحقيقة علمية مؤكدة: أن المرض حين يهاجم جسماً من الأجسام، فلك أولاً أن تصب اللوم على مناعة الجسم، وليس على المرض ذاته. فهذه وظيفة المرض التي خلقه الله لها: البحث عن الضحايا، المؤهلين للعب دور الضحية!

أما الخطبة التي أدت بنا لهذه الأحاديث، فأحب أن أذكر جانباً مما حدث بعدها. فقد أنهيت حديثي مع أصدقائي ثم نظرت إلى "الدكة الخشبية" باحثاً عن ذاك الشاب الجالس عليها، فوجدته قد ذهب (اقرأ
الجزء الأول حتى يتضح لك ما أعنيه)، فأدركت أن حديثي طال وأنساني شأن قراري الذي اتخذته أثناء الصلاة. ثم نظرت باحثاً عن صاحبي في الرحلة إلى المسجد والعودة منها، صديقي العزيز أحمد علي، فوجدته يتحدث مع أحب الخطباء إلى قلبي، وكان أحمد يريده أن يتحدث مع زوجته الأمريكية عن الإسلام، لعجزه عن التوصيل الجيد لغير المسلمين.

انضممت إليهم، وكان معهم رجل أمريكي كنت قد رأيته جالساً بين صفوف المصلين، فظننت بداية أنه أمريكي مسلم. هٌييء لي أنهم يتحدثون عن الخطبة، فتدخلت معبراً عن سخطي وضيقي بما سمعت (من جديد! يا لي من ثرثار لا يمل من التكرار!). سألني الرجل الأمريكي مندهشاً ومبتهجاً: "أتقول ذلك وأنت مسلم؟" فأكدت أن نعم، وأن هذا الهراء (أخشى أنك إن وضعت خاءً مكان الهاء فلن أعترض كثيراً!) لا يمت للإسلام – كما أعرفه – من بعيد أو من قريب. ثم عرفت منه أنه مسيحي ينظر في الأديان، وأنه حالياً بصدد دراسة الإسلام.
___________________
فاصل خيالي:
تصادف أن حضر هذا الموقف أحد المسلمين الذين يضربون في الأرض حاملين فكراً إسلامياً يمشي على رأسه – الأولويات في الأرض والأقدام ترفرف في السماء! – فأدرك المسلم الشجاع لفوره أن هذا الرجل الأمريكي جلس بين المصلين وهو غير مسلم، يعني غير طاهر، وأنه بذلك خالف قاعدة شرعية مهمة. فرأى أن يحق الحق وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فتوجه بحديثه لإدوين Edwin قائلاً:
- عندي فقط ملحوظة، وهو أنك أخطات بالجلوس بين المصلين. هل ترى هذه الدكة الخشبية؟ يمكنك الجلوس عليها إذا أردت الاستماع إلى الخطبة، لكن لا يحق لك الجلوس بين المصلين ما لم تكن مسلماً.
- حقاً؟ لم أكن أعلم ذلك. أنا آسف. لكن ما الحكمة من ذلك؟ (لا يوجد مقابل لهذا المفهوم في ثقافة الرجل).
- الحكمة في ذلك... الحقيقة... أنك غير نظيف you are not pure، لذلك لا يحق لك الجلوس بين المصلين. (لاحظ أن مفهوم الطهارة والنجاسة كما نعرفه غريب على هذا الأجنبي، لذلك فإنني أحاول ترجمة "وقع الكلمة" لا حرفيتها).
- ؟؟؟!!! عفواً، لا أفهم ما تعنيه.
- (يحاول المسلم أن يجد لفظاً آخر) Because you are not clean.
- (الرجل بدأ يشعر بالإهانة) ما زلت لا أفهم.
- (يفكر في نفسه: سوف أقول الحق حتى لو أحرجته، فلا يجب أن أخشى في الحق لومة لائم) الحقيقة أن غير المسلم "غير نظيف" حتى يسلم، والمسجد هو بيت الله ولا يصح أن يدخله غير المسلم حتى ينظف نفسه.
- حقاً، هذه معلومة جديدة لم أكن أعرفها! (بعد سماعه للخطبة ثم هذه الإفادة أن الإسلام يعتبر غير المسلمين أنجاساً قذرين، يقرر إدوين أن يوفر جهد النظر في هذا الدين الغريب، على الأقل الآن، ويبحث في أفكار أخرى وأديان لها قيمة!).
انتهي الفاصل الخيالي!
___________________
بعد أن علم إدوين أنني مسلم ومع ذلك كاره لما سمعت، قرر أن يعبر عن نفسه بحرية، فقال أنه وهو يستمع كان يحدث نفسه أن هذا الكلام "غير طبيعي" this is not normal. قررت أنني سوف أحدث بذلك أصدقائي المستغربين من كراهتي للخطبة، لأدلل لهم كيف أن أي إنسان عاقل ومحايد لن يختلف رد فعله. ثم تواصل الحديث بيننا جميعاً عن المسلمين وأحوالهم. وأعطاني إدوين بريده الالكتروني بعد أن علم أنني تركت دين آبائي ما يقرب من عامين كاملين حتى عدت إليه على بينة. فسعدت لهذه الصداقة الجديدة. وحدثت نفسي أن هذا الحديث والتعارف على إدوين المسيحي الأمريكي وعمر الباكستاني المسلم هو أفضل ثمار هذه الخطبة عديمة الثمر، عقيمة التربة، والتي لا تأتي بخير هي وأمثالها، أينما حلوا.

السبت، مايو 17، 2008

بلاغ إلى محكمة العقل والفطرة: خطبة جمعة تحاول خنقي في أمريكا - 1


تمهيد:
في المدينة الصغيرة التي أعيش فيها حالياً لا يوجد مسجد، ولكن يوجد مجمع للأديان داخل جامعة كورنلCornell University ، وهو مبنى مخصص للأديان جميعاً، تقام فيه صلاة الجمعة وغيرها من المناسبات الدينية الإسلامية. أما خطبة الجمعة فالتطوع لإلقائها مفتوح لمن يرغب، وهنالك بعض المتطوعين الدائمين للخطابة، أغلبهم ينتمي للجامعة، بعضهم عرب وبعضهم غير عرب. أنا شخصياً أضيق أشد الضيق ببعض هؤلاء الخطباء، وينشرح صدري حين أرى بعضهم الآخر. سوف تلحظ أثناء كل خطبة بعض أفراد يجلسون على دكة خشبية بدلاً من افتراش الأرض. هؤلاء جاءوا إشباعاً لفضولهم عن ماهية الإسلام والمسلمين، وبعضهم الآخر يأتي بصورة دائمة حتى تشعر أنه إنما يفعل ذلك في إطار بحث دراسي.

الموضوع:
اليوم دخلت المسجد لصلاة الجمعة في منتصف الخطبة. بعد بضعة دقائق بدأت سحابة سوداء في التحليق فوق رأسي. ومع مرور الوقت أصبحت كلمات الخطيب وأفكاره أكثر كثافة، فصعد منها سحاب أسود ثقيل، وشعرت بأحجاره تهبط فوق رأسي. والله أنا لست بهازيء ولا مبالغ، لكنني بالفعل شعرت بأثقال تضرب رأسي. ثم بدأت أشعر بالاختناق. قلت بصوت نافد الصبر، مسموع للجالسين بجانبي: أستغفر الله العظيم. وغمغمت أنني أود لو قمت احتجاجاً على ما أسمع من هراء. فكرت بالفعل للحظة أن أقوم أمام الجمع تعبيراً عن ضيقي بما أسمع وأغادر الخطبة. ثم حاولت أن أفكر في شيء آخر لكي أدفع عن رقبتي وصدري تلك الكلمات وهذه الأفكار، لكن هيهات. أوشك الخطيب على الانتهاء، ثم تلكك وأعاد، حتى قلت في نفسي: "اخلص بقى وصلي قبل روحي ما تطلع." فبدأت الصلاة وداخلي غيظ شديد وشعور غريب، هو خليط من القهر والغضب والدهشة والكراهة! حاولت أن أهديء نفسي بالصلاة. وأنا أصلي فكرت ماذا أفعل، واقترحت على نفسي أن أذهب لهذا الشاب الأمريكي الجالس على الدكة الخشبية مستمعاً، وأتعرف عليه وأقول له أن الإسلام - كما أعرفه - بريء مما سمع لتوه. ودعوت الله أن يهديني لفعل ما يحب هو، حسب علمه. فمهما كان ظني وحديث عقلي وفطرتي أن الله لا يحب ما قيل، فإنني لست على اتصال مباشر به سبحانه، لكي أعلم قوله في هذه الخطبة، ولذلك رأيت أن أدعوه هذا الدعاء المحايد.

بعد انتهاء الخطبة سلمت على الأصدقاء والمعارف. ولأن غيظي كان فائضاً وصدري ضيقاً، فقد عبرت عن رأيي لهم جميعاً. أنا هاديء بطبعي، غير أنني أتكلم وأتكلم حينما أضيق بشيء مثل ذلك، ولا أترك فرصة لا أعبر فيها عن رأيي. كانت شكواي أولاً للأصدقاء العرب، فوجدتهم جميعاً يستغربون من ضيقي بما سمعت. وكلما حاولت شرح ما ضايقني، لم أجد فهماً، ووجدت قبولاً لا يرى غضاضة في أي مما كدت أن أختنق بسببه من فكر. ثم عبر كريم – صديق مصري – عن مساندته لي. ثم رأيت أن أعبر عن ضيقي لعصام، صديق مصري آخر يلقي خطبة الجمعة أحياناً، وكان هو أكثر من حاورته بالتفصيل في أسباب ضيقي، ووقف حولنا بعض الأصدقاء مستمعين.

حاولت أن أوصل وجهة نظري للمستغربين من ضيقي. أعطيتهم مثالاً بالقصة التي ختم الخطيب بها، ويبدو أنه كان يتحدث عن فضل نبي الإسلام، وكيف أن المسلمين مقصرين في الدفاع عنه. والقصة الحكيمة هي قصة تاريخية عن مبشرين مسيحيين ذهبوا بين نفر من المسلمين يحاولون تحويلهم عن الإسلام ودعوتهم للمسيحية. فإذا بالقس المبشر يبدأ في سب نبي الإسلام، فإذا شرع في هذا السب، رأى الجمع كلباً حاضراً يصيبه الهياج ويبدأ في النباح بغضب، ويحاول مهاجمة القس. المهم ظن المبشر أن الكلب إنما يفعل ذلك لرؤية انفعاله في الحديث وحركات يديه مع الحماسة. فلم يبالي المبشر، وواصل حديثه، ثم حينما بدأ في سب نبي الإسلام مرة أخرى، هاج الكلب، ثم اندفع مهاجماً المبشر حتى أرداه قتيلاً! أما قمة الإثارة في القصة فهي أن جمعاً من غير المسلمين الذين حضروا هذه المعجزة أسلموا جميعاً لتوهم! (للأسف لم يقم المصلون بالتكبير حين سمعوا هذه الجزئية، كما كان الخطيب يتمنى دون شك!). كانت هذه القصة هي تتويج الخطبة، ومعها كادت روحي أن تزهق! سألني أصدقائي عما أغضبني من هذه القصة، فهي قصة تاريخية حقيقية. قلت لهم فلتكن معجزة حدثت في غابر العصور إن شئتم. غير أن المعجزات لا يجب أن يأبه لها إلا من حضرها، وسرد المعجزة لا يمت للعقل أو المنطق من قريب أو بعيد. فالحديث يجب أن يكون مبنياً على منطق يمكن الحكم عليه حكماً مجرداً، وأن يقدم حجة يمكن للإنسان النظر فيها واختبارها قياساً على أحكام العقل، والمعجزة لا تفي بهذا الغرض، لذلك فهي لا تصلح كحجة. ثم شرحت لهم أننا في بلد غير مسلم، وهذه الخطبة يأتي إليها أناس يرغبون في فهم الإسلام. وأنا لو لم أكن مسلماً يستمع لمثل هذا الحديث لعافت نفسي هذه التفاهات. قال لي صديقي ولكن أنت تسمعها كمسلم، قلت له بل إنني أضيق بهذا الحديث وأنا أستمع إليه كمسلم عاقل. قال لي صديقي: فما بالك وأنت مسلم تستمع لهذه القصة، فما تشعر حيال هؤلاء الذين أسلموا حين رأوا الكلب يقتل المبشر؟ قلت بصراحة: أقول عليهم حفنة من الأغبياء! فإن رجلاً يقبل ديناً بأكمله، لأنه رأى كلباً يغضب لسب نبي هذا الدين، لهو رجل تافه لا عقل له، تحرك حياته معجزات واهية (ولعل أحفاد هؤلاء هم من وصلوا بهذا الدين إلى ما نراه اليوم!). قال صديقي: ومن قال أن هؤلاء الناس لم يكونوا يبحثون فعلاً في الدين، وكان هذا الحدث بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؟ قلت هذه تبريرات ومحاولات لتزيين القصة لم ترد على فم الخطيب، والذي يهم هو ما قاله فعلاً، لا ما يمكن أن يكون كامناً خلف ما قاله من معان وملابسات!

قالوا لي حسناً، فماذا في الخطبة غير ذلك قد أثار غيظك لهذه الدرجة؟ قلت أعطيكم مثالاً آخر. لقد تحدث الخطيب ناقداً لبعض الأديان، وهو يقصد المسيحية، كيف أنها تبشر بفكرة الخلاص، وسخر الخطيب كيف أن هتلر مثلا بعد أن قتل آلاف البشر بإمكانه أن يؤمن بالمسيح فيتم خلاصه ودخوله الجنة. أما في الإسلام فالإنسان يجازى على عمله. حسناً الفكرة في ذاتها مقبولة، وإن كنت كرهت أسلوب الخطيب في السخرية من معتقدات الآخرين. لكنني معه على كل حال أن مجرد الإيمان مع سوء العمل لا يمكن أن ينجو بإنسان، مهما آمن من ساء عملهم وظلموا غيرهم بأي إله أو مخلص. اتفقنا. ثم بعد قليل يتحدث الخطيب عن عظمة النبي، فيقول كيف أنه حينما عرض عليه ربه أن يطلب طلباً مؤكد الإجابة، طلب منه النبي الشفاعة في أمته. ويقول الخطيب فيأتي الرسول في الآخرة ويقول لربه دعائي يا رب، فيفي الله بوعده ويخرج بقية من كان من أمة محمد في النار. أما أني إنسان غريب صحيح! فماذا يثقل علي في مثل هذا الحديث؟! قلت: انظروا كيف تكلم الخطيب قبل ذكر هذا المعنى عن فكرة الخلاص وسخر منها، ثم ها هو بعد ذلك بدقائق يبشر بنفس المعنى في دينه مرحباً به ومفتخراً!!! قال صديقي إنما هو يقصد المسلم الحقيقي، أنه سوف يخرج من النار حتى ولو تعذب فيها قليلاً لقاء ذنوبه. قلت له أعلم، ولكن الخطيب وهو يتكلم لم يذكر المسلم الحقيقي أو غير الحقيقي، ولكنه ذكر القصة كحق للمسلمين جميعاً. فحديثه يقول أنه يقصد بالمسلم محمداً، وبالمسيحي جورج. لكن الحق أن هنالك مسلمين – اسماً - سوف يخلدون في النار. والخطيب - إن شاء الدقة وحسن الحديث - يجب أن يوضح هذا المعنى، فالإسلام ليس إرثاً إسمياً ولكنه حالة وموقف إنساني وقلبي. وأكثر ما فجعني في الأمر هو أنه أتبع هذا المعنى بهذا الشكل بعد قاذع نقده لفكرة الخلاص، فأي تناقض!

طالت مني التدوينة، لذلك أرجيء البقية لتدوينة أخرى إن شاء الله.

فإلى اللقاء في الجزء الثاني!

الخميس، أبريل 24، 2008

ترجمة شدوية: التسليم كبداية

هذه ترجمة لتدوينتي الأخيرة بالانجليزية في مدونة لماذا أنا مسلم. وقد رأيت أن أترجم ما أكتبه في مدوناتي الانجليزية حينما يعن لي ذلك. والأفضل أن أعيد الكتابة بالعربية، لكنني كنت أكسل من ذلك، فترجمت ما كتبته لتوي إلى العربية كما يلي:

لم يكن قبولي الإسلام ديناً - رأيت فيه الاختيار الوحيد الذي يصلح لفكري - بمثابة خاتمة. لم يكن هذا الاختيار إلا اهتداء إلى حل، أو خلاصة. فالخلاصة تختلف عن النهاية في كونها لا تهدف للإغلاق والإنهاء، بل لبناء أساس متين. فمن غير الممكن بناء أي شيء على غير أساس. إن البناء هو السبيل الأوحد لخلق أشياء تدوم ولا تفني. البناء هو سبيل الخلود!

إن النهاية موت وفناء. لو كان من شأن قبولي الإسلام أن يمثل نهاية لما قبلته ابتداء. لقد جذبني هذا الدين حينما رأيت فيه دعماً ودعوة للحياة، والحرية، والجمال، والفطرة السليمة.

لم يكن قبولي لهذا الدين إلا بداية. لقد وفر لي مصدراً موثوقاً به، مصدراً أستطيع الرجوع إليه واستشارته في رحلة الحياة وأنا مطمئن إلى صدقه. لم يضع الإسلام حداً للأسئلة. إنما الأسئلة جزء من الرحلة لا يتجزأ. وأنا ما كنت لأقبل رسالة الإسلام لو رأيت فيها قمعاً للأسئلة والاستفهامات.

أنا ما زلت على الطريق. لم أصل إلى وجهة واضحة بعد. ومعي رسالة الإسلام وكأنها خريطة وكتاب إرشادي أحتفظ بهما دائماً على قرب. ولولا هذه الرسالة لأضحت الرحلة كئيبة ومخيفة، ولبدت الحياة لغزاً يلفه الغموض والظلمات!

الاثنين، مارس 17، 2008

كلمات من "هموم داعية" لمحمد الغزالي-التدوينة الرابعة والأخيرة

الإنسانية المحترمة أن أظل على وحدانيتي، وتظل – إن شئت – على شركك وتظلنا مشاعر البر والعدالة والتعاون الكريم.
(هذا بالمقارنة مع الإنسانية "غير المحترمة" أو بالأحرى "اللاإنسانية" وهي إنكار وكراهية الآخر والرغبة في جعله مثلي، فإن لم يكن مثلي فهو عدوي. والصداقة والتعاون بين الناس على اختلافهم هو الواجب أن يحدث. لكن الإنسان هنا وهناك يرغب في فرض تصوراته وفي نهب مصالحه!)

نحن خلال تاريخنا الطويل لم نكسب معاركنا الكبرى بكثرة العدد ورجحان السلاح، بل كسبناها بالاستناد إلى الله وبذل كل ما لدينا من طاقة.
(نعم فالمهم ليس الأشياء والإمكانات التي يهيئها القدر وليس للإنسان دخل فيها، ولكن المهم حقيقة هو أن يبذل الإنسان والمجتمع وسعه فيما توفر له، ثم ألا يأخذه الغرور ويحسب أنه ينصر نفسه، حينها يمكن أن يطمئن لنصر الله حتى لو قلت إمكاناته)

عن ابن مسعود: [...] أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة [...] أعمقها علماً وأقلها تكلفاً...

(توقفت عند هذين الوصفين لأصحاب النبي: عمق العلم وقلة التكلف، وكيف جمع الراوي بينهما، ربما وعياً منه بارتباطهما. وصفهم بقلة التكلف بالغ الأهمية، أرجو أن ينتبه إليه القاريء. فالتدين في هذا الزمن أصبح لصيقاً بالتشدد والتكلف. لكن الحق أن العلم والدين كما أرادهما الله يجب أن يحررا الإنسان من الافتعال وأن يقرباه من فطرته النقية السوية. ومن ثم فكلما زاد علم الفرد علماً حقيقياً كلما زادت حياته بساطة وزادت أفعاله صدقاً. وكلما زاد التكلف في فعل الإنسان وفكره علمت أنه بعيد عن الفطرة وعن العلم الحق)

بعض المرضى يحتاج إلى صدمات كهربائية لتصحيح وعيه، وإيقاظ ما تخدر من حسه.. والمسلمون يحتاجون إلى أمثال هذه الصدمات كي يحسنوا الخلاص مما حل بهم..
(صدق الشيخ وأحسن التعبير! لكن يا ترى ما هي الصدمات التي نحتاج إليها حتى نفيق؟)

فلندرس بدقة وبصيرة أسرار ما أصابنا.. فإن العافية لا تتيسر بدواء مرتجل، والنصر لا يجيء باقتراح عشوائي.
(أرجو ونحن نتفكر في هذه النصيحة أن نعرف أن أسوأ أمراضنا إنما هي قابعة داخل أجسادنا! وأن محاربة الفساد والتسلط الداخلي عندنا بحاجة لهذا المنهج الموصوف، وهو منهج التأني والدراسة لما ينفع فعلاً وحقاً، والتخلي عن الجعجعات التي لا تنفع!)

إن المال قوام الحياة وسياج المروءة، وعندما يكون دولة بين جماعة من الناس..فإن نتائج ذلك مدمرة..إذ الجوع كافر..وحقد المحرومين قاتل.
(تحذير يستحق الالتفات، ويبعث على القلق!)

الجهد الفردي مهما قارنه من إخلاص قليل الثمر..إنه يشبه نشاط التجار الصغار أمام الشركات الكبرى.
(لهذا على العقلاء والمخلصين التجمع والتعاون، مثلما يتجمع ويتعاون اللصوص والمجرمون!)

الجمعة، مارس 14، 2008

كلمات من "هموم داعية" لمحمد الغزالي 3

هاكم المزيد من كلمات محمد الغزالي في كتابه هذا، مما يستحق الإظهار والتكرار.

يجب أن نتعاون في المتفق عليه، ونتسامح في المختلف فيه، ونتساند صفاً واحداً في مواجهة الهجمة...

زادت أعداد المسلمين في هذا العصر زيادة محسوسة، ومع ذلك لم يفرح بهم صديق أو يخف منهم عدو! وما ظهر لهم نتاج حضاري في بر أو بحر أو جو، كأن الدنيا لغيرهم خلقت، أو كأن القدر لم يكلفهم بعمل!

(لفت نظري بوجه خاص التعبير الأخير: "كأن القدر لم يكلفهم بعمل". فهو تذكير أن هنالك تكليف وعمل، وأننا لم نأت للدنيا لكي نحيا عمراً طويلاً أو قصيراً، ثم نذهب. فالمهمة ليست أن نحيا وفقط. إنما الحياة وسيلة لأداء مهمة الإنسان في الأرض، وهي – باختصار – الإعمار. والإعمار، أو العمار بالتعبير الأقرب للغة الكلام، هو ضد للخراب، والفساد، والفقر، والجهل، والمرض... وكل ما يشبه هذه المساويء والسيئات!).

إن الأخلاق الشخصية والإدارية والاجتماعية أصبحت لدينا شيئاً لا يطاق [...] نحن نصنع التقاليد مبنية على التكلف والمراءاة، وتغطية الحقائق، فتقاليد الزواج تقصم الظهور وتخلق الأزمات وتخلف وراءها أحزاناً ومتاعب، وتقاليد الأعياد كذلك، بل تقاليد الأحزان أيضاً..
أكاد أقول: إن الدين المبني على الفطرة انتهى، وحل محله شيء آخر قوامه القيود والأوهام والإخلاد إلى الأرض..
إن منطق الفطرة وجد مجالاته الواسعة في أقطار أخرى، وبين أناس أقل منا تكلفاً ورياء.

(دعني أتفكر قليلاً في بعض هذه الكلمات. لقد اختفى – إلى حد بعيد - الدين المبني على الفطرة. هذا حق يعرفه محبوا الحرية، والفطرة النقية، والمنطق. فحل محله، حسب تعبير الشيخ، أشياء أخرى تشمل: 1. القيود: لقد تحول الدين إلى قيود، فتارك الصلاة يتهم بالكفر، والمفطر في رمضان ينظر الصائمون إليه باحتقار، مما قد يدفع بالبعض لإتيان العبادات لمجرد تبرئة النفس أمام الناس. والعبادة للناس ثقيلة مثل القيد، أما العبادة لله فهي حرية وخضوع من عابد يعرف ما لله من حق العبادة. 2. الأوهام: لقد اختلطت بالدين أوهام ظنها الناس ديناً وهي محض تقاليد وظنون. فحرم البعض الفنون على إطلاقها، وقال آخرون أن الفقر يقرب من الجنة وأن المال يباعد عنها – راجع التدوينة السابقة. ويظن البعض أن من لم يتبع دينك فهو هالك لا محالة، متوهمين أن الله سوف يحاسب الناس تبعاً لعلمهم هم ورؤيتهم هم. 3. الإخلاد إلى الأرض: قد يظن المتدين أنه يؤدي الفروض، ويسأل الله الجنة، ثم يمضي فيأكل الرشوة، ويقبل الظلم، ويحمد الله على نعمة الإيمان! وإيثار السلامة على اتباع الحق إخلاد إلى الأرض. ومنافقة المسؤل والرئيس إخلاد إلى الأرض، إلخ إلخ).

ويقول الشيخ، في مقارنة مهمة بين جانب واحد يسب البعض بسببه أهل الغرب، ويتعامى عن ذنوب لدينا أشد:إن الكبر والحسد (انظر حولك لمدى تفشي الحسد في مجتعاتنا، وكأننا نعاند عن عمد وصف النبي للمؤمن أنه يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا بنا نحن يحب نفر منا لنفسه ما يكرهه لأخيه!) والافتخار بالنفس أو النسب أو المال (من مظاهر الافتخار بالنفس تعالي المتدين على من يظنه أقل منه تديناً أو إيماناً)، وحب الخلاف، وحب الظهور، وحب السمعة، والرغبة في التسلط (وهو ديدن كثير من المتدينين الراغبين في فرض آرائهم وسيطرتهم على الناس)، والرغبة في هضم أولي الكفاية، إن هذه الرذائل أشنع من ترك العنان للغريزة الجنسية تنطلق على النحو السيء الموجود في ظل المدنية الحديثة، ومن هنا فإن خصومنا لن يضاروا كثيراً أو على عجل من عللهم، كما نضار نحن المسلمين من آفات الرياء والكبرياء المبعثرة في كل ناحية.

الخميس، مارس 13، 2008

الدين والفقر - كلمات من "هموم داعية" لمحمد الغزالي 2

يقول الشيخ العظيم-رحمه الله-في كتابه:

جهلة المحدثين أرادوا إقامة مجتمع من الصعاليك ورووا آثاراً تجعل عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً!
وهذه بلاهة منكورة، فإن المال قوام الحياة وأساس الدولة، وكافل المؤسسات المدنية والعسكرية، وعبد الرحمن بن عوف هو بنص القران من السابقين الأولين، الذين حازوا الرضوان الأعلى، وبشروا قبل غيرهم بالجنة..
وتحبيب الفقر للناس كما يفعل أولئك المحدثون القاصرون جريمة.
فإذا انضم إلى هذا أن العرب يحتقرون الحرف –تمشياً مع جاهليتهم الأولى- ويفضلون عليها الفقر عرفت أي مجتمع تصنعه هذه التعاليم.


سوف أفرد لهذا المقطع من الكتاب تدوينة خاصة. فلهذه الكلمات عندي صدى خاص وآخر عام. أذكرني طفلاً جالساً على الأرض أثناء إحدى خطب الجمعة. لا أذكر الوجوه ولا أذكر التاريخ، ولا أذكر من حديث الخطيب غير حديث أن عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً لثرائه. وأن الفقير يدخل الجنة قبل الغني بخمسائة عام. لابد أن فطرتي أنكرت ما سمعت، فشعرت بعدم الراحة، وأن ما يقال على أنه دين إنما يخالف روح العدل. لم أكن حينها مثلي الآن بالطبع، قادر على الحكم والانتقاء لما يٌقبل وما لا يستحق التصديق ولا الإيمان. ثم بعد تطوري العقلي ظلت في نفسي كراهة لهذا الحديث وأمثاله وعداء طفولي له، لما خرب في فطرتي ذات خطبة بعيدة في الزمن. وآمنت أنه كلام لا يستحق الالتفات، إنما يستحق الإعدام. وقلت في نفسي لو أنني حاكم في ظل ما نحيا من ظروف، لعزلت عن الخطابة من يذكر على الناس أمثال هذه الأقاويل، حتى يتوب!

ثم يأتي الشيخ محمد الغزالي ليقول هذا الكلام الذي يثلج الصدر. فكيف لا أحبه!

الأحد، مارس 09، 2008

كلمات من "هموم داعية" لمحمد الغزالي 1

تعليقي الشخصي-إن وجد-هو ما بين القوسين.

إن الذنوب التي نقارفها، والتوافه التي تشغلنا هي الثغرات التي ينفذ العدو إلينا منها.
(والعدو هنا يجب أن نفهمه على أنه يشمل كل ما نكره، من فقر وجهل وسوء حال، ويشمل الأعداء الخارجيين والداخليين، من لصوص ومستبدين).

أريد أن يحاسب المسلمون أنفسهم، إنهم أمة دعوة عالمية، فما الذي قدموه لهذه الدعوة على الصعيدين المحلي أو الدولي؟ ومحمد نبيهم رحمة للعالمين فما مجلى هذه الرحمة العامة فيما يسود العالم من أفكار وفلسفات ومذاهب؟
(أين مظاهر الرحمة في "جهاد" المسلمين؟ وأين هي في مسارعة الجامدين للتكفير والتسفيه والرفض الكاره للمختلفين؟ وأين هي في الجهاد العام لمصالح الناس ودفع الظلم والهم والفقر؟)

أحياناً نتحرك في موضعنا، وأحياناً نسير في طريق مسدود! وأحياناً نضرب عن يمين وشمال وكأن بيننا وبين الصراط المستقيم خصومة!
(وصف لواقع حزين ينطبق على أفراد ومجتمعات)

إن صحابة محمد عندما قدموا كلمة التوحيد للناس قدموها على أنها فكاك لأعناقهم من ضروب الوثنيات الدينية والاجتماعية والسياسية، فلا مكان في ظل الإسلام لفرعونية حاكمة، ولا قارونية كانزة، ولا كهنوتية موجهة، ولا جماهير ذلول الظهر لكل راكب أو مستغل. ومن خلال تعاليم الكتاب والسنة أدرك الناس دون تكلف ولا تقعر أن الحريات موطدة وأن الحقوق مصونة، وأن العقل ينبغي أن يفكر دون قيد، وأن أشواق الفطرة تلبى دون حرج...

قال الإمام الشافعي: كل ما حكم به الرسول فهو مما فهمه من القران، فكيف يفقه الفرع من جهل الأصل؟!
(القران ثابت منزه عن التحريف، أما ما وردنا عن الرسول فهو عمل بشري، وفي فهمنا وإصدارنا للأحكام علينا أن نقيس المتغير على الثابت)

ليس لنا أن نسيء وننتظر من الله الإحسان، ولا أن نغدر بمعالم دينه وحقائق رسالته، ثم نرقب منه – سبحانه - البر والنصر!

الغريب أن صاحب الرسالة قال لابنته فاطمة: "يا فاطمة بنت محمد اعملي لا أغني عنك من الله شيئاً"، ثم جاء بعد ذلك من ينتسب إلى فاطمة بالحق أو بالباطل ليتذرع بهذا النسب إلى قيادة المسلمين!!

والبقية تأتي إن شاء الله.

الثلاثاء، يناير 01، 2008

هل غير مايكل اسمه؟

منذ سنوات أربع كنت في ولاية فلوريدا أعمل مع طبيب صديق مصري أمريكي (في الإداريات يعني لأنني لست طبيباً!). كان صديقي، وما زال، يغلق عمله وقت صلاة الجمعة، ثم نذهب جميعاً لمسجد مدينة فورت مايرز Fort Myers في جنوب غرب ولاية فلوريدا. وبعد الصلاة نقف قليلاً أو كثيراً خارج المسجد نتحدث مع الأصدقاء. ذات يوم خرجنا من المسجد وخرج معنا شاب أمريكي أراه لأول مرة. بعد أن حييته قال لي أنه جديد. سألته:
- جديد في الدين أم في المنطقة؟
- في كليهما!

كان مايكل شاباً شديد اللطف وكان إلفاً مألوفاً (يعني يألف الناس بيسر ويألفوه، وأعتقد أن ذلك من وصف النبي للمؤمن، أنه إلف مألوف). وبعد حديث سريع وتعارف بينه وبين بعض أفراد الجالية، تحدثت معه على انفراد حديثاً طويلاً. سألته عما دفعه لاعتناق الإسلام. قال لي أن خطيبته باكستانية مسلمة، وأنها أخبرته أنه لن يمكنه الزواج منها إلا إذا أسلم، وطلبت منه دراسة الدين.

سألته إن كان قد دخل في الدين فقط ليتزوجها.
- لا، ولكنها فتحت لي الباب.
- وكيف تعلمت عن الإسلام، وماذا قرأت؟
- كتب مختلفة، غير أن أكثر هذه الكتب تأثيراً في كان كتاباً اسمه "شمس الله تشرق على الغرب". كتاب مذهل.
- نعم سمعت عنه، هو لكاتبة ألمانية (زجريد هونكه).

غير أن أهم ما تطرق إليه حوارنا هو الحديث الذي بدأه مايكل قائلاً، بصوت خافت:
- ولكنني لم أغير اسمي بعد.

آااخ! لقد دخلت يا مايكل في منطقتي المحظورة! ولسوف أتكلم وأتكلم، فلا أصمت حتى يهدأ غيظ عقلي، ويبرد غضب نفسي!

قلت له حسناً، اسمع لي. وذلك ما لم يزل في الذاكرة مما قلت له:

- يجب أن تكون حذراً وأنت تسمع لما يقوله لك المسلمون. إن بعض المسلمين يظنون أن الإسلام ديناً عربياً، نعم لقد نزل القران عربياً، لكن الإسلام دين للناس جميعاً. سوف تجد منهم من يقول لك أن ترتدي جلباباً عربياً، وتختار اسماً عربياً. لكن الحق أنه لا تناقض هنالك بين أن يكون اسمك مايكل وأن تكون مسلماً. إن لك عقلاً، اقرأ القران، وهو المصدر الأول للإسلام، ثم افعل ما تراه صواباً. إن القران ليس حكراً على أحد، ومن ثم فلك أن تسمع للمسلمين، لكن لا تدعهم يبثون في نفسك أن ما يقولون هو الصواب الذي لا يشوبه باطل. استمع للآراء المختلفة، ثم الجأ للمصدر. لقد وعد الله في القران أنه سوف يحفظه من التحريف والتشويه. وهو متاح للجميع. لا يوجد في الإسلام كهنوت ولا سلطة دينية، ولوكره الضالون (الذين يتمنون أن يكونوا هم السلطة الدينية). إن النبي محمد، الذي هو رسول الإسلام وأرفع الناس فيه مقاماً، يقول الله له في صريح القران أنه ليس له السيطرة على جمهور المسلمين (لست عليهم بمسيطر)، وأنما هو رسول منذر. فلا تدع أحدهم يوحي إليك أن له الحق في السيطرة على عقلك. إن إسلامك هو بداية على الطريق. إقرأ وتعلم، وأحذرك لوجه الله أن فلاناً وعلاناً سوف يجيئون إليك ويقولون لك افعل ولا تفعل. استمع فقط لعقلك ولكتاب الله.

بعد أن فرغت مما عندي، رأيت البشر على وجه مايكل. كان متحمساً سعيداً، يقول لي نعم نعم أنا أحب ما تقول، لقد رفعت عن نفسي هماً وحملاً ثقيلاً. وكلامك منطقي، وهو أقرب لروح العدل. ثم أضاف أنه بالفعل لم يحب فكرة تغيير اسمه، وشكرني شكراً جزيلاً!

يكاد أن يكون من قال أن الدين أفيون الشعوب صادقاً! غير أن الصدق لا يتحقق بأنصاف الحقائق. نعم لطالما وكثرما ضل الناس عن الفطرة تحت عمامة الدين وخلف عبائته. غير أن الدين لا عباءة له ولا عمامة. لا لون له ولا جنس، ولا أرض ولا اسم.

لونه نقاء الفطرة.
وجنسه أهل الصدق.
أرضه ما بين حدود الحق.
واسمه نهر، ينبع من الحرية، وفيها يصب!

الثلاثاء، أكتوبر 09، 2007

الدعوة عامة

بعد أن نشرت تدوينتي الأخيرة عن المدونات التي يخصصها أصحابها لمعالجة موضوع واحد، أو عنوان كبير تنطوي تحته جميع مواضيع المدونة، انتبهت إلى أنني قد فعلت الشيء ذاته حديثاً، إذ أقدمت فعلاً على إنشاء مدونة، بالإنجليزية، يتمحور كل ما فيها حول موضوع واحد، ألا وهو موضوع الدين وتطور علاقتي به. وقد أنشأتها بالانجليزية لشعوري أن موضوعها أكثر ملاءمة لذلك، إذ أتوجه بها أساساً إلى أهل بلد مهجري الذي أعيش حالياً فيه، ولذا أتكلم بلغتهم. وإن كان موضوعها يمثل إشكالاً أيضاً في ثقافتنا ومجتمعنا، وأرجو أن أخوض فيه ها هنا أيضاً بإذن الله.

قد أردت إذن أن أنوه بهذه المدونة التي أسميتها "لماذا أنا مسلم" Why I am Muslim وأردت عبرها أن أوضح أن اختياري لديني لم ينشأ عن العادة أو حكم الميلاد، وإنما كان اختياراً واعياً تدرج واختمر عبر وقت وبعد نظر. والدعوة عامة لمن يحب أن يزورني هنالك.

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين