الثلاثاء، يوليو 31، 2007

لله وللناس

الأيام طويلة، لكن الحياة قصيرة. حكمة قرأتها منذ زمن، لم تبرح ذهني لشدة بساطتها وصدقها. والإنسان يحيا في اليوم أكثر مما يحيا في الغد أو في المستقبل، قريباً كان أو بعيدا. ولذلك ينطلي عليه أن الحياة طويلة، وأنه لا بأس أن يحيا يومه كيفما اتفق، دون تدارك لتقصير أو سعي للإصلاح والتغيير، فيهون عليه التأجيل لكل عمل جليل.

وحينما تمر بنا لحظات إفاقة وإدراك، ندرك أننا نسير على غير هدى، ونحيا بنظر قصير ونتغاضى عن رؤية أفق الطريق. وكثيراً ما لا تأتي الإفاقة إلا ومعها الحيرة. نقول حسناً، أدركنا أن هنالك نقص وتقصير، ولكننا لا نعلم كيف نستوي على سراط مستقيم. فالصراط المستقيم بحاجة لإدراكين لا يستقيم بدونهما طريق، الوجهة والموقع الحالي. قد يكون تحديد الموقع أقرب من تحديد الهدف. فالنفس قد ترضى بوجهة، ثم تتقلب بعد زمن، وتعاود التشكك والتساؤل من جديد عن أكثر الأهداف جدارة بسعي الإنسان.

حاولت النظر فيما تيسر للعلم من حياة أكمل قدوة للإنسان، وهو نبي الإسلام محمد بن عبد الله (ص). فوجدت أن حياته بعد أن وضحت رسالتها تمحورت حول وجهتين أو هدفين. الأول هو عبادة الله، والثاني مساعدة خلق الله:
"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين"
"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
يعني لو حاولنا تمثل ما كان يحرك النبي في صلاته ودعائه، وجهاده وحديثه، لوجدنا أنه يتحرك في الدنيا طاعة لأمر الله له بإبلاغ الرسالة. غير أن محمداً لم يبلغها تبليغ المحايد الذي لا يرجو غير أداء الواجب وتخليص الذمة ودمتم، ولكنه كان مدفوعاً بحب ورحمة بالناس، فهو يود من قلبه أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ولا يطمئن بالاً بتصورهم وقد خسروا أنفسهم وخلدوا في النار:
"فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"
ولو نظرت في تراث نصح الرسول للبشر لوجدتها تغطي كافة نواحي حياتهم، وتمتد إلى أشياء قد لا تؤثر كثيراً في شؤن الدين والإيمان، فهي نصائح حياتية تهدف لتيسير وتحسين حياة المرء على الأرض، حتى وإن كانت الأرض فانية وحياة الإنسان عليها قصيرة.

قد يكون في ذلك هدي لمن يبحث عن وجهة أجدر بالجهد والعمر. الله وخير الناس.

الأحد، يوليو 29، 2007

رأيتني طفلاً

بعض ما نراه ونحن نيام يظل قابعاً في مواقع مرئية من الذاكرة، ويظل هنالك ماثلاً أمامك لسنوات طويلة، ربما تمتد بطول عمر الإنسان. من هذه الصور حلم لا أذكر أحداثه، غير أني أذكر منه مشهداً مدهشاً، إذ أمشي في طرقات بيت، أو ربما كانت طرقات الزمن، وأمر على أحداث وأشخاص، ثم أرى طفلاً صغيراً، ربما في السابعة من عمره مثلا، وربما أصغر، وأدرك أن هذا الطفل هو أنا بعيني عندما كنت صغيراً، فأذهب إليه وأحمله كما يحمل الرجل منا طفلاً، و...بس كده!!! لا أذكر شيئاً بعد ذلك، وقد يكون الحلم قد انتهى ها هنا، أو تواصلت أحداثه ولم يبق في الذاكرة منها إلا هذا المشهد الغريب!

هل يمكن أن أحاول التحليل والتفسير؟ يتداعى إلى ذهني ما سمعته من كاتب ومفكر أمريكي اسمه وين داير، في حديث له عن إمكان تدريب الذاكرة حتى تستطيع إعادة استحضار جميع أيامك الماضية، بل وحتى زمن أن كنت رضيعاً وما قبله، يعني أن يرى المرء نفسه وهو في بطن أمه! فجميع ما مر بنا لم ينمحي، ولكنه باق هناك في مكان ما. ماشي، لكن أن أتحرك في الزمن ثم أحمل نفسي طفلاً كما يحمل المرء الطفل على يديه، فهذا أمر مختلف ولا شك. والله أعلم، يؤتي العلم من يشاء.

السبت، يوليو 28، 2007

عين

مكتوب على جبهته : الأرض مكانك.. لا تحاول. ولكنه يريد أن يطير، كيف يهيمن عليه قانون الجاذبية وهو ليس إلا قانون بين ماديات لا تفقه.. قانون يستمد وجوده من علاقات بين أشياء وليس له وجود حقيقى مثله.. هو كيان مدرك، يستسلم لقانون لا يشعر حتى بنفسه! سيطير.. سيحاول بكل ما أوتى من يأس.. ها هى الأرض.. سأرتفع.. سأطير.. الأرض بعيدة والبيوت صغيرة.. أنا أطير.

كانت الصدمة مُذلة حينما سقط من هذا العلو، أما البيوت الورقية فتكسرت تحت صدره. شعر بالعجز.. والألم.. مع أن جسده انثنى فقط فوق النموذج الصغير للمدينة. لقد احتقر القانون الأصم، وتجاهل أن جسده من مفردات هذا القانون ذاته.. فكيف يتعداه! أمسكتُ الحلم وأغرقتُه حتى سكنت حركته، أخرجتُه ورميته فى احتقار.. لم أكن أستحق إلا هذا.

فكرة جميلة.. ركب المصعد إلى آخر الأدوار، وألقى نفسه بين أحضان قانون الجاذبية.. لقد كان القانون كريماً على كل حال.. جسده مقابل دقائق فى الهواء.

الطيور تحوم فوق الجسد الممزق. هبط طائر صغير رقيق ووقف فوق الوجه الساكن. داعب بمنقاره الدقيق بقايا دمعة سابحة بين الرموش. ثم وقف على عينى، وعلى جبهتى حفر أغنية اليأس الأبدى.. ثم طار عاليا لينضم إلى رفاقه، واختفوا بعيدا فى السماء.
كتبت في 23 يونيو 1995

الجمعة، يوليو 27، 2007

ترقيم اللغة العربية

لاحظت أن بعض المدونين في كتاباتهم لا يحسنون أو لا يفكرون في استخدام علامات الترقيم على الوجه اللازم. والحق أن الخطأ لم يولد على أيديهم، ولكن حتى كتاب العربية الكبار ترى منهم من يسرفون في استخدام النقطتين، ويتجاهلون الفصلة، ولا تعرف في جملهم أين تبدأ إحداهن وأين تنتهي جارتها. ولو كنت تقرأ إحدى اللغات الغربية لوجدت أن بدايات ونهايات الجمل، وما بين ذلك، واضح لا لبس فيه. وأنا أرى أن ضبط علامات الترقيم مظهر من مظاهر ضبط الأفكار ووضوح التفكير عند القاريء وعند الكاتب سواء بسواء. أما الجمل المرسلة فلا تعين كاتبها على تمعن فكره وضبطه. وفي القران تجد الآيات محكمة تعرف أولها من آخرها دون لبس، وهنالك علامات الوقوف أو جواز الوقوف في داخل الايات وهي كذلك واضحة لا لبس فيها. وشيوع الهرجلة في الكتابة العربية وانضباط الجمل في الكتابة الغربية إنما يعكس حال الفكر عندنا وعند أهل الغرب في زمن تخلفنا وتقدمهم. وأنا أبغي من هذه التدوينة أن ألفت نظر المدونين إلى هذا الأمر، فالمعاصرون منا هم الذين يشكلون المستقبل الفكري، ومن ثم العملي، لأبناء هذه الأرض.

الاثنين، يوليو 23، 2007

صيف الشمال

ما زال المطر يهبط من السماء على أرض مدينة إثاكا في شمال ولاية نيويورك، والتوقيت هو شهر يوليو، يعني عز الصيف. والمسألة مش مطر بس، لكن درجة الحرارة هبطت هي الأخرى مع هبوط المطر، واضطررت إلى ارتداء معطف يقيني البرد والبلل. الصيف هنا لا يستقر على حال، لذلك أحتفظ في سيارتي بمعطف وبلوفر وشمسية، حتى ونحن في عز الصيف. الليلة مثلا سوف تكون درجة الحرارة الصغرى 11 درجة مئوية، وهي الآن-التاسعة مساء-حوالي 15 درجة مئوية.

حين يهبط المطر وأنا مضطر للحركة في الخارج أضيق به، ولكني أعود وأحدث نفسي قائلاً أليس هذا المطر الذي أضيق به هو بعينه الذي ينبت كل هذه الخضرة التي تعزيني عن فقد أشياء أخرى!؟
فهل يريد حضرتي أن يستمتع بالثمرة دون بذر البذرة!؟
وكيف لي أن أستمتع بخضرة تغطي الأرض والجبال وتبث الجمال دون مطر يهبط بغزارة، صيفاً وشتاءً؟
وبمناسبة تقلب الأجواء، حيث يتحول الصيف إلى شتاء، هاكم صورة أخذتها يوم الخامس عشر من أبريل الماضي، اللي هو المفروض يكون ربيع. في هذا اليوم وكنت قد تهيأت نفسياً لتوديع الثلج والتزحلق على الطرقات-تزحلق غير إرادي طبعاً-وظننت أنني استرحت لشهور طويلة قادمة من تزحلق السيارة وهي هابطة على منحدر، أو عجزها عن صعود مطلع-وهكذا الحال حيث يجتمع الثلج والجبال، وفجأة اكفهرت السماء، وهبطت الثلوج البيضاء، وتحدت ظننا أننا قد ودعنا الشتاء
أما الصورة الثانية ففي الشتاء الماضي وقد قامت الثلوج بدفن السيارات، وأتى الأصدقاء يمدون يد العون كل لصاحبه لكي يخرجون مركباتنا من تحت الأنقاض البيضاء





التبشير التدويني

بعد أن أصبحت مدوناً، لا سيما أنني في الفترة الأخيرة أحاول أن أكتب أكثر، بعد هجر للتدوين دام ما يقرب من نصف العام، أصبحت أحمل رسالة التدوين للآخرين، وأشجع من لا يدونون ولا يعرفون ما التدوين على عمل مدونات شخصية. وهاكم الثمرة الأولى لنشاطي التبشيري، شابة أمريكية قررت أن تنشيء مدونة لتتكلم عن نفسها: مدونة جنفر نستفد

الشرطة هنا والشرطة هناك

ما زلت أعني بـ "هنا" مصر، وبهناك أرض مهجري الحالية، رغم كوني الآن في الهناك، أما الهنا فيفصل بيني وبينه محيط واسع وأميال تعد بالآلاف. ولكن يبدو أن أرض الميلاد وأرض الحياة الأولى حقيقة من حقائق كل إنسان، لا يمكن أن تفصلها عنه أو أن تفصله عنها، أو كما تقول الكلمة الأمريكية التي سمعتها ذات مرة من فتاة من ولاية تكساس: تستطيع أن تأخذ البنت من تكساس، ولكن لا يمكن أن تأخذ تكساس من داخل البنت:
You can take the girl out of Texas, but you can't take Texas out of the girl.

هذه مقدمة لمقارنة بسيطة أود أن أعرضها عليك، وهي بين الشرطة في مصر والشرطة في أمريكا، وسوف أحكي تجربتي الأولى مع الشرطة في أمريكا، وكنت مهاجراً جديداً منذ شهور قليلة، ولم تكن لي تجربة مع الشرطة في العالم الجديد. كنت أعمل في مطعم يملكه مصري، وكنا نحن العاملون المصريون نستأجر بيتاً ونقيم فيه معاً في ولاية كارولينا الشمالية. ذات ليلة وصلنا اتصال أنا وأحمد شريكي في غرفتي من أحد المصريين المقيمين معنا قائلاً أن أحدهم تسلل داخل البيت وكسر باب الغرفة - المغلفة بالمفتاح - وسألنا أن نعود سريعاً لنقدر ما فقدناه على يد السارق. عدت وأنا خائف أن أكون فقدت جهاز الكمبيوتر المحمول الذي اشتريته حديثاً ووضعت فيه كل ثروتي بعد بضعة شهور في الولايات المتحدة، ولكني وجدته سالماً ولله الحمد. ويبدو أن السارق كان مدمنا وكان يبحث فقط عن أموال نقدية ولا يريد أن يضيع وقتاً في البحث عن أشياء عينية. وكنت أنا المتضرر الوحيد إذ سرق مني مبلغ مالي صغير.

قرر أصحابي في السكن إبلاغ الشرطة وعمل محضر، وكنت أنا متمدداً على مرتبتي - لم نكن ننام على سرير ولكن على مرتبة نضعها فوق الأرض - وعلى رجلي جهاز الكمبيوتر. كنت في هذا الوضع حين ناداني أصحابي قائلين أن الشرطة هنا لعمل تحقيق. لم أشعر أن علي أن أغير من وضعي، فقلت لهم فليتفضلوا أهلاً ويجيئوا إلي سهلاً! فلم أقتنع أنه علي أن أقوم أو أن أعتدل في جلستي لأحد. ثم دخل على ضابط الشرطة وبدأ في إجراء التحقيق وإلقاء الأسئلة علي، وأنا أنظر حينا في شاشة الكمبيوتر وحينا أرفع إليه رأسي وأجاوبه. كان أصحابي يشعرون بالحرج والدهشة، رغم أن معظمهم كانوا في البلد من قبلي بسنوات. أنهى الضابط تحقيقه ثم شكرني وذهب إلى حاله.

هذا هو الموقف باختصار. بعد أن حدث ذلك بزمن يسير تذكرته وانتبهت إلى شيء، قلت لنفسي ماذا لو كنت فعلت الشيء ذاته مع ضابط مصري؟!! يا ترى كان سيتركني نائم في سريري أستخدم كمبيوتري وأنظر إليه بين الحين والحين لكي أرد عليه؟ ربما كان من دواعي ذهابي عن الحياة في مصر أنني لا أعرف كيف أطوع سلوكي للتعامل مع أهل السلطة في بلادنا!

أما ما لاحظته بعد ذلك فهو أن الشرطة في الولايات المتحدة يختلف مفهومها تماما عنها في مصر. كثيراً ما كنت أشعر أن معظم الشرطيون هنا -أو هناك من وجهة نظر مصري- هم أناس على درجة من اللطف وحسن الخلق. في مصر كنت أشعر أن اختيار رجل الشرطة يتضمن أن يكون "غلساً" صفيقاً، أما هنا فهم شباب أو شابات أو رجال وسيدات يتعاملون معك باحترام وتختلط بهم بيسر وتصاحبهم وتتكلم معهم في أي شيء تشاء، تسألهم عن عملهم وأحواله أو عن حياتهم الشخصية، الخ.

وأنا لا أقول أن كل المنتمين للشرطة في مصر هكذا، وأنا شخصياً لي ابن أخت ضابط ولي قريب آخر وصديق عزيز بدأ في الشرطة ثم تحول للنيابة. وكلاهما على درجة عالية من الاحترام لأنفسهم ولغيرهم. ولكن دعني أحدثك بما قاله لي قريبي حين كان طالباً في كلية الشرطة، قال لي أنهم في الكلية يعلمونهم كيف يتعالون على الناس، ويبثون فيهم ذلك بإلحاح، حتى أنه يجاهد نفسه كي لا يتأثر بذلك بالفعل ولكي يحتفظ بقدرته على التفرقة في تعامله مع الناس بين المجرمين وبين الناس المحترمين، حتى يعامل المحترمين بما يستحقونه من احترام! لذلك أشعر أن الوضع مقلوب في مصر، يعني في أمريكا أن تشعر أن الطبيعي أن الشرطي رجل لطيف وعلى قدر من الأدب تستطيع رؤيته بالعين المجردة!! أما الاستثناء فيهم صفيق قبيح. أما في مصر فالغالب أن الشرطي قبيح الخلق صفيق الوجه، وما عدا ذلك فهو الاستثناء ممن رحم ربي. يا ترى هل تغير من ذلك شيء في السنوات الخمس التي قضيتها بعيداً عن مصر؟

الأحد، يوليو 22، 2007

سيئة محمد صبحي


لم أصدق نفسي وأنا أسمع محمد صبحي يتفوه بهذه التفاهة والتهريج

انظر لبقية الممثلين وكيف يتضاءلون أمام من لا يملك لهم نفعاً ولا ضراً

ثم تذكر معي تخليد القران لكلمات سحرة فرعون

قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا

فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا


وفي النهاية الله أعلم بنيته فأنا لا أقصد أن أحكم على نية محمد صبحي

ولكنه من أكثر من أكن لهم احتراماً بين ممثلي مصر ولذلك أحزنني وأدهشني أن أسمع ذلك منه

السبت، يوليو 21، 2007

الجانب الآخر من النهر

أما النهر فيفصل بين بلدين "شقيقين". لا تحسبن أنهما بلدين عربيين لمجرد أنهما شقيقين، فالحقيقة أنني قد أكون أول من أطلق عليهما هذا اللقب! ومن دواعي إطلاقه عليهما سهولة الحركة بينهما ذهاباً وعودة في زمن التأشيرات والجنسيات والأوراق. ولا أنسى بالطبع أن بلدان الاتحاد الأوروبي قد أصبحوا جميعاً أشقاء وانسابت بينهم الحركة، غير أن القدر لم يتح لي بعد أن أرى ذلك على الطبيعة. والحكاية أنني يوم الأحد الماضي جمعت رحال يوم واحد واتجهت شمالاً وفي صحبتي نفر من الأصدقاء. أردنا أن نرى شلالات نياجرا الشهيرة، وهي مسيرة ثلاث ساعات في السيارات. أما أنا فقد رأيتها من قبل أكثر من مرة، ولكني أردت أن أحقق أمنية كانت من قبل عزيزة، وهي أن أعبر "الجسر"!! انظر لهذه الصورة لتأخذ فكرة عن إشكالية هذا الجسر.


التحذير يقول أن كل من لا يحمل الجنسية الأمريكية لا يستطيع العبور إذا لم يكن معه تأشيرة صالحة لدخول أمريكا، من الآخر لأنه لو عدى مش هيرجع تاني. والحكاية أن خلف هذه النقطة جسراً يصل الأرض الأمريكية بالأرض الكندية، لأن شلالات نياجرا - لو لم تكن تعرف - تقع على الحدود بين البلدين. ولكي تكون الصورة واضحة، فأنت لك مطلق الحرية أن تغادر الأرض الأمريكية، ما حدش هيكلمك ولا حتى هيبص عليك. فإذا غادرتها، أصبحت الآن فوق هذا الجسر. أنت الآن فوق الجسر إذن، فإذا أردت دخول كندا، يجب أن تخرج الأوراق اللازمة حتى يقبلوك في الأرض الكندية، يعني انت داخل بلد تاني ولو دخلته خلاص تقدر تروح أي مكان فيه. فلو لم تكن معك الأوراق الكندية وأردت العودة إلى أمريكا، فلا تظنن أنك سوف ترجع على عقبيك وتدخل أمريكا، لأن بوابة الخروج هذه هي اتجاه واحد فقط للخارج. فإذا أردت الدخول لزم أن يكون معك الأوراق الأمريكية التي تتيح لك دخول أمريكا. هذه هي إشكالية هذا الكوبري التي تفكرت فيها حين كنت أزور شلالات نياجرا وليس معي أوراق تتيح لي دخول أمريكا ولا دخول كندا. وكنت أقول أنا أستطيع مغادرة أمريكا بكل يسر وبساطة، فإذا خرجت لم أستطع العودة إلى أمريكا ولا دخول كندا، يبقى اللي يعمل كده يفضل على الكوبري؟! وحقيقة لا أعرف إجابة لهذا السؤال حتى الآن. المهم أنني بعد حصولي على الجرين كارد الأمريكي أردت أن أعود إلى الكوبري وأعبره، ولم تتح لي الفرصة حتى سنحت في الأسبوع الماضي. وقد ذهبت إلى كندا من قبل في العام الماضي ذاهباً إلى مونتريال، وكنت أريد زيارة أرض فرنسية في القارة الأمريكية، ولكن مونتريال على معبر حدودي آخر غير شلالات نياجرا. ولأنه كان بصحبتي أصدقاء لا يستطيعون العبور إلى كندا لأسباب مختلفة، فلم أقض غير ساعتين فقط من الزمان على الجانب الكندي مع صديقة أمريكية هي زوجة صديق مصري عزيز. أما إجراءات العبور فبسيطة وسريعة، خاصة وأنت داخل إلى كندا. والجميل أنك لا يلزم أن تكون أمريكياً لكي تستطيع دخول كندا، ولكن الجرين كارد الأمريكي يكفي. وهم ينظرون فيه دقيقة أو أقل ثم يرحبون بك في الأرض الكندية. أما لو كنت أمريكياً فيكفي أن يكون معك بطاقتك وشهادة ميلادك، لو لم يكن معك جواز سفرك الأمريكي. وفيما يلي بعض صور للجانب الكندي، الذي هو أكثر جمالاً ودلالاً بكثير جدا من الجانب الأمريكي







وأختم بأن أحكي لك كيف أن العودة إلى أمريكا ودخولها كان أكثر تعقيداً من دخول كندا، حتى أنني خرجت غاضباً، وقلت لتيفاني، صديقتنا الأمريكية، أنني سوف أهاجر إلى كندا لأنها أفضل، لماذا؟ لأننا في دخولنا إلى أمريكا اضطررنا للانتظار لمدة تقارب الخمس عشرة دقيقة! مقارنة بكندا التي كان الدخول إليها منساباً بلا طوابير ولا انتظار. أما السبب الثاني فهو أن ضابط الهجرة الأمريكي أخذ في طرح أسئلة كثيرة، وأظن أن استجوابه كاد أن يقارب أربع أو خمس دقائق بحالها!! كما أنه كان متجهما في وجهي ولم يكن مبتسماً. بعد أن خرجت عبرت عن غضبي لصديقتي الأمريكية الطيبة، وقد وافقتني في كل ما قلت بالطبع. أنا قلت برضه أعمل اللي عليا وأحذر اللي بيفكر يعدي لكندا عشان يعمل حسابه على تعقيدات العودة والدخول إلى أمريكا، لا سيما أننا أبناء مصر متربيين على العز وما نرضاش بالإهانات وتعقيدات الروتين اللي زي كده أبدا

الثلاثاء، يوليو 17، 2007

الحاجة أم البحث

العنوان أعلاه تنويعة على الكلمة الشهيرة "الحاجة أم الاختراع". وأنا لم أخترع شيئاً هاهنا، ولكن رغبتي وحاجتي دفعتني للبحث عن أشياء، فوجدتها. ثم رأيت أن أعطيك ما وجدت، فربما لم تجده من قبل أو لم تفكر في البحث عنه. ولا أدعي أن ما وجدته يتمنع على الباحث إيجاده، فهو يسير قريب المنال لكل من يستخدم الانترنت ويعرف الطريق إلى بوابته الشهيرة جوجول! والواقع أننا كثيراً ما لا نبحث عما ينفعنا لسبب بسيط، هو أننا لا ندرك وجوده. أما ما كنت أبحث عنه فهو أحاديث علم باللغة العربية. والحكاية أنني أقضي أوقاتاً على مقعد القيادة، وهنا في الولايات المتحدة يشيع شكل جميل من أشكال الأدب والفكر هو الكتب المسموعة. ولا تجد كتاباً مشهوراً لم يصدر ككتاب مسموع. ويغلب أن يقرأ عليك الكتاب من كتبه، وأحياناً ما يقرأه ملق محترف. وقد تعرفت إلي الكتب المسموعة، فأضحت صاحباً لي إذ أقود سيارتي وحيداً بلا صاحب. وقد وجدت أن صحبة الكتب المسموعة أعمق لذة وأوفر ثمراً من تمضية الوقت في سماع الأغاني والموسيقى. وبعد أن قضيت وقتاً مع كتب مسموعة أمريكية البلد إنجليزية اللغة، اشتقت أن أستمع إلى كتب عربية. وأن تعلم أن ذلك مطلب عسير. فالشكل الوحيد القريب من ذلك لدينا هو الاستماع إلى الشرائط الدينية، وقد يتبعه الاستماع إلى برامج الراديو التي تختلف مواضيعها. وأنا أعلم أن الكتب المسموعة فن غير شائع لدينا، فأدى بي ذلك للبحث عن المتاح، فبدأت بالاستماع إلى مجموعة عمرو خالد، إذ تتميز بتوفرها على موقعه في ملفات يسهل نقلها على سي دي ومن ثم الاستماع إليها في السيارة. وقد أدى ذلك لتحول في رأيي ورؤيتي لعمرو خالد كما أوضحت ذلك في تدوينة سابقة. ثم أنني أردت أن أستمع إلى شيء آخر بالعربية، فوجدت موقعين جميلين ووجدت عليهما ثروات معرفية متاحة لمن يحب. أما الموقع الأول فهو موقع الشيخ الشعراوي، وعليه ملفات تحوي تفسيره الكامل للقرآن. والموقع الثاني هو موقع الشيخ محمد الغزالي. وكلا الموقعين يحويان كثيراً من إنتاج الشيخين من كتب أو محاضرات صوتية. وللشيخ محمد الغزالي مكانة ومكاناً خاصاً عندي. وقد أكتب قريباً في مدونتي عن قصتي مع الدين، وأذكر أن كتابات محمد الغزالي كانت هي السبب المباشر لقبولي للإسلام قبولاً شخصياً ومباشراً. فقد ولدت مصرياً مسلماً كما قد يوحي إليك اسمي، غير أنني في أوئل العشرينيات من عمري ضقت بحمل الدين ميراثاً مجتمعياً وعائلياً، وقررت فصل نفسي عن ديني الموروث، ثم تحرر عقلي من أوهام كثيرة وأغلال، فقبلت الإسلام ديناً بعد أن وجدت أن الرسالة في نقائها وحقيقتها إنما تتوافق مع فطرتي الإنسانية بل وتعمقها وتطهرها. ولم يكن ذلك إلا بداية على هذا الطريق. وأكرر أن محمد الغزالي كان هو من نقل لي رسالة الإسلام نقية من شوائب وأثقال التدين المعاصر. وأنهي بكنز معرفي آخر وجدته، هو مجموعة حلقات العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود، غير أن تحميلها قد يمثل صعوبة لمن لا تتوفر عندهم سرعات جيدة للانترنت. هل رأيت كيف أن إيراد بعض الوصلات، لقليل من المواقع، أدى بنا لكل هذا الحديث؟ وعلى كل، أتمنى أن يتم توفير بعضاً من تراث العربية الفكري في كتب مسموعة

الخميس، يوليو 12، 2007

عندما تتواتر الأحلام

حلم يتكرر، لا أراه هو هو بتفاصيله، ولكنها أحداث ومشاهد مختلفة، غير أنها تشير لحدث واحد. ثم يشاهد الحدث ذاته أشخاص آخرون في منامهم، صديق وقريب. أذكر صديقي القريب محمد عبد الرحمن وهو يحدثني عن الحلم الذي رآه، حرب تقوم بين مصر وإسرائيل، ومصر تهزم هزيمة مفزعة، ثم يرى حسني مبارك ماشياً يبدو عليه التعب و"البهدلة". أما أحلامي فأراها منذ سنين طويلة. الطائرات تحوم فوق البيوت وتقذف وتفجر، ورعب يتملك المرء وهو لا يعلم إن كانت أحد هذه القنابل سوف تصيب مسكنه. مرة أخرى الطائرات الإسرائيلية تقترب حتى أراها من شباك شقتنا، والجنود الأعداء يدخلون البيوت. صديقي وابن أختي إبراهيم حدثني بذات الحديث إذ رأى الحلم ذاته، إسرائيل تدخل مصر مرة أخرى في نكسة جديدة وهزيمة ثقيلة. يا ترى هل رأى مصريون آخرون مثل هذه الرؤى؟ ما ذكرني بالأمر كله ما قرأته أمس في أحد المنتديات على الإنترنت، عن سيدة مصرية رأت في منامها ذات الحدث. ثم قرأت أنه قبل غزو العراق للكويت تواترت مثل هذه الأحلام لدى سكان الكويت. قد تكون هذه الأحلام أحاديث نفوس تشعر بالهزيمة وبأثقال تجسم على الصدور ولا يبدو منها خلاص؟ أياً كان الأمر، فمثل هذه الهزيمة غير مستبعد تماماً في ظني، ولكنها إن حدثت كانت نتيجة طبيعية لأحوال البلد. لقد كانت نكسة 1967 نتيجة طبيعية لأحوال مصر في وقتها، وفي أيامنا هذه طال العهد على سرقات قد تستعصي على خيال المتخيل، وظلم كثير أفسد حياة المصريين كلهم أو جلهم. أتمنى ألا تصدق هذه الأحلام، وأن تكون تحذيراً للناس أن ما يعيشون فيه يزرع بذور الهزيمة وينخر في بناء بلدهم حتى السقوط
إضافة في 13 يوليو
وأياً كان الأمر، فاعتقادي أنه لو حدث ذلك ومعه تماد آخر في الاعتداء من جانب الدولة العبرية، أذن ذلك بقرب نهايتها. ولا عجب، فقد ينهي الله على يد إسرائيل أنظمة عربية تستحق السقوط، ثم يدمرها هي على يد آخرين. والسقوط هو نهاية كل مفسد في الأرض لا محالة، شهدنا ذلك في حياتنا أم لم نشهده. والله أعلم

الثلاثاء، يوليو 10، 2007

السياحة الداخلية

في تدوينتي الأخيرة تحدثت عن قرية صغيرة على بعد ساعة زمن من مدينتي، اكتشفتها منذ أيام قليلة. بعدها طلب مني بعض الأصدقاء تخطيط رحلة في يوم إجازة، فقلت لنفسي فلأكمل مسيرة السياحة الداخلية واستكشاف ما يحيط بنا من أماكن، خاصة أن فصل الصيف هنا هو الفرصة الوحيدة للاستمتاع بالطبيعة، فالشتاء لا يحلو فيه الخروج كثيراً في الهواء الطلق، لأن الهواء الطلق هذا يكون أبرد من درجة حرارة الفريزر بعينه، كما أن الثلج الأبيض ينزل ثم لا يجد شمساً تقوى على إذابته، فتطول حياته لشهور، ويحول بينك وبين زيارة أماكن طبيعية مثل التي آتيك بصور منها اليوم.

القرية - نعم قرية أخرى! - التي زرتها بالأمس تبعد عن مدينتي نصف ساعة فقط من الزمن، ولكنها في اتجاه لم تطأه قدماي من قبل. القرية على الساحل الجنوبي لواحدة من بحيرات المنطقة، بحيرة سينيكا. ولأننا في منطقة جبلية، فإنك تجد الماء يتخذ طريقاً بين الجبال حتى يهبط إلى مستقره في البحيرات، وحين يهبط الماء بين الصخور يقدم لك لوحات طبيعية متغيرة، ما بين مسقط مياه، شلال يعني، ومجاري منبسطة بين الصخور.

من حسن الحظ أن ذلك يقع في بلد عرف أهله كيف يعرضون لوحات الطبيعة التي أبدعها لهم الخالق. وكأنهم لا يتركون اللوحة بغير "برواز" ييسر للناس التطلع إليها. وهكذا تجد في أكثر مجاري الماء هذه طرق طبيعية ولكنها ممهدة لسير الإنسان، فتجد نفسك وقد استطعت مصاحبة الماء في رحلته بين الصخور على امتداد أميال وأميال. وهي رياضة محببة هنا، يسمونها "هايكنج" ولا أعرف لها ترجمة عربية. قد يترجمها البعض بتسلق الجبال، ولكنها ليست تسلقاً ولا يحزنون، فأنت تستطيع المشي في هذه الأماكن دون معدات ودون مخاطرات. هاكم بعض ما فتح الله به علي من الصور أثناء هذه الرحلة القصيرة.






الأحد، يوليو 08، 2007

سكينياتلس: قرية صغيرة على البحيرة

أقيم حالياً في شمال ولاية نيويورك، في منطقة هضاب وبحيرات. أمس حدثني صديق عن قرية تطل على إحدى هذه البحيرات، سمع أنها لطيفة، واقترح أن نزورها ونراها. فتقبلنا الفكرة بقبول حسن وقررنا أن نسافر سفراً محلياً قريباً ونرى في الوقت ذاته مكاناً جديداً. الحقيقة أنني حين رأيت القرية دخلت قلبي بلطفها. بعد أن عدت إلى بيتي بحثت عنها على الانترنت، ففوجئت أن تعداد سكان القرية يزيد قليلاً على ألفي نسمة، فقط! أعرض بعض الصور منها وهذا الحديث اليسير عنها كإطلالة سريعة على ما يمكن أن يفعله أهل بلد لإعماره.القرية صغيرة جداً، فهي تطل على الجانب الشمالي من بحيرة سكينياتلس، وحين تراها تظن أنك تستطيع أن ترى القرية بأسرها مشياً على قدميك دون جهد كبير وفي وقت قليل. ولكن هذه المنطقة الصغيرة تشعر فيها أنك في مكان سياحي شديد الحياة، كثير الزوار. حول البحيرة حي تجاري صغير ولكنه لطيف ترى فيه محلات ومطاعم وفنادق. وحول البحيرة بعض بيوت غاية في الجمال وفي ارتفاع السعر أيضاً ولا شك، وكله في صالح القرية الصغيرة. حين رأيت ذلك تذكرت نهر النيل الذي يمتد مئات الأميال، وتحيطه مئات القرى والمدن. وفي الأحلام الجميلة ترى مواقع ساحرة صنعها المصريون على ضفاف النهر من أقصى الشمال حتى أعماق الجنوب. يعيش فيها أهلها حياة هانئة بالجمال المحيط والهدوء، وتجتذب الزوار والسياح من داخل مصر وخارجها، يستمتعون بالجمال ويدور المال ويتحرك وينمو في بلد المصريين. هذه أحد فصول الحلم المصري.






للمزيد من المواضيع والصور من أمريكا، طالع مدونة الحياة في أمريكا.

الجمعة، يوليو 06، 2007

أزهري عبقري

هذه حكاية واعظ مسيحي أمريكي تحول للإسلام، وما لفت نظري في قصته شخصية مصرية مجهولة ولكن عبقرية. دعني أولاً ألخص لك القصة كما حكاها يوسف إستس، وسوف أخبرك في نهاية التدوينة عن مواقعه الكثيرة على الانترنت حيث تستطيع الاستماع إلى هذه القصة، وغيرها، أو مشاهدتها بنفسك
لم يتغير نشاط يوسف إستس كثيراً، فهو في جوهره دعوة إلى الخالق. كان هو ووالده يعملان بالدعوة، وكان لهما أعمال تجارية أخرى بجوار ذلك. ذات مرة قال له والده أنهم سوف يعملون مع رجل مصري أزهري، ومسلم. لم يستسغ يوسف فكرة العمل مع مسلم. قال له والده ألا يتعجل حتى يتعرف على الرجل، فهو رجل دمث لطيف. في لقائه الأول مع محمد المصري الأزهري، كانت مفاجأة يوسف الأولى أنه وجد رجلاً عادياً يرتدي ملابس إفرنجية لا توحي أنه شيخ مسلم. حين جلس إليه، ابتدأه بالحديث في الدين، وهل يؤمن بالله وبأنبياء العهد القديم والجديد. كانت الإجابة بنعم، ثم سأله إن كان يؤمن بعيسى، وكانت الإجابة بنعم كما تعلم. كانت الإجابات مفاجأة للواعظ المسيحي، وقال في قرارة نفسه سوف يكون أمر تحويل هذا الرجل عن دينه أمراً يسيراً، وقبل العمل معه. ثم أتى عليهم شهر رمضان، فعلم يوسف من محمد أنه سوف يقيم في المسجد. يقول يوسف أنه ظن حينها أن الرجل لا يجد مأوى يبيت فيه، ولذلك يبيت في المسجد، فعرض عليه أن يضيفوه في بيتهم. في البداية رفض محمد العرض قائلاً أنه يريد أن يقيم في المسجد. ألح يوسف، وعرض على محمد أن يدفع ثمناً زهيداً لقاء الإقامة معهم على أن تشمل الإقامة وجبات الطعام أيضاً، فعل ذلك ليجنب الرجل حرج الإقامة مجاناً وفي ذات الوقت ليغريه بالسعر القليل وبالطعام المجاني. تنازل محمد عن فكرة الاعتكاف وقبل الإقامة مع يوسف وعائلته. ظن يوسف وقتها أنه نجح في إغراء الرجل، ولم يكن يدرك أن الرجل الذكي يريد أن يعيش مع العائلة في بيتها كي يفهم ثقافتهم وحياتهم. وأقام معهم محمد. يقول يوسف أنه طيلة هذا الوقت كان يكلم محمد ويحاول اجتذابه لدينه، وكان هو المتكلم أغلب الوقت، وكان محمد المستمع، إلا قليلاً. حين عرض عليه يوسف التحول عن دينه، لم يرفض محمد الفكرة، وقال ليوسف أنه سوف يتحول لدينه لو اقتنع أن ما لدى يوسف أقوى حجة. كان رد يوسف أن الدين إيمان لا برهان عقلي، فكان تعقيب محمد أن الإسلام برهان عقلي وإيمان، كليهما معاً. أثناء إقامة محمد، أتى يوسف بقس أجنبي كان يدعو لله ثم ساءت ظروفه ودخل المستشفى ثم أحيل إلى مأوى من لا مأوى لهم، وكان يوسف قد قابله في المستشفى، فبحث عنه حتى أنقذه من ويلات المأوى وأتى به إلى بيته. وكان محمد يقيم معهم في تلك الفترة، ويرى أحاديثهم وخلافاتهم فيما بينهم حول أي نسخة من كتابهم هي الأولى بالتصديق، فيعلق تعليقاً بسيطاً أن في الإسلام كتاب واحد لا خلاف عليه، وأنه باللغة الأصلية التي نزل بها. وكانوا يحاولون إقناعه بدينهم، فيستمع إليهم كثيراً ويتكلم قليلاً. المهم، انتهى الأمر بتحول القس الغريب إلى الإسلام، ثم زوجة يوسف وأبيه. ثم يوسف ذاته في نهاية الأمر. وتحول يوسف استس بعدها إلى داعية نشط، يذهب للسجون، ويتحدث في الكنائس كي يعلم أهل الكتاب أن الإسلام دين قريب مما يعتقدون وأن نواحي الاختلاف أقل من نواحي التشابه والتقارب، فيختار الإسلام منهم من أراد
هذه هي القصة، لا أهدف منها لحديث ساذج سطحي عن قصة إسلام واعظ مسيحي أمريكي، ولكني أريد أن ألفت النظر إلى خلق وتصرف هذا المصري الأزهري، وكيفية تعامله مع المختلفين عنه في الثقافة والدين، وكيفية دعوته إلى ما يرى أنه الحق. ثم أسألك أن تقارن ذلك بمنهج من يظنون أنهم يحسنون صنعاً ويدعون إلى الله. هل رأيت كيف تنازل محمد عن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وقدم على ذلك أن يقيم مع أصدقائه المسيحيين الأمريكيين في بيتهم؟ ثم هل رأيت كيف أنه لم يأنف من هذا الاختلاط الشديد بهم، والعيش في بيتهم والأكل من طعامهم. ثم تأمل معي سعة صدره إذ يستمع إليهم مهما طال حديثهم عن عقيدة هو يعلم تمام العلم أنه لن يتحول إليها، فهو يعلم ما يقولون وما يعتقدون، ومع ذلك يترك لهم الحديث، ويعلق بين الحين والآخر ويقول رأيه، ويترك لهم الحكم دون فرض لرأيه أو تسفيه لما يعتقدون. أحببت أن أعرض هذه القصة لرجل غير مشهور، ولكن أنعم الله عليه بالصبر، وحسن الاستماع، وقبول الاخر وحبه والاختلاط به، وعرض رأيه في هدوء ودون إلحاح، وحسن تقدير الأولويات وإدراك أن هنالك أحياناً ما هو أفضل وأحب إلى الله من الاعتكاف في أواخر رمضان العشر. أليس في ذلك دروس لقوم كثيرين من دعاة العصر المعممين والحافظين للقرآن في تعاملهم مع "الضالين" من أبناء دينهم ومع أتباع المذاهب الأخرى؟
أما يوسف إستس فله مواقع عديدة على الانترنت، وتستطيع مشاهدته وهو يسرد هذه القصة لو أردت على هذا الموقع
ومن مواقعه الأخرى

الأربعاء، يوليو 04، 2007

خبرة

هذه الأجسام أعدادها لا تحصى، قد غطت تماما كوم القمامة. وحينما عاد العجوز المريض وضرب فيهم بعصاه هاجوا قليلاً فى الهواء ليعودوا بعد ذهابه إلى طعامهم. ضايقتنى حركتهم العشوائية المندفعة وهم يصطدمون بى، تركتُهم ورائحة القمامة تلاحقنى، والتفتُ إليهم فى سخرية محبَطة
ألن أحتفظ بصورة العجوز المريض كى أكسر الدائرة وأتحرر.. تذكرتُ كثرة التجارب المريرة وازددت إحباطا
كتبت في 23 أبريل 1996

خيال

نظر إلى ما بين يديه وقال: هذه هى الشمس.. ثم فكر قليلاً: نعم، والأبيض حولها هو السحاب.. ثم مد قطعة الخبز الصغيرة بيمناه واغترف من السحاب وأكل.. وما بين لقمة شمس ولقمة سحاب حتى انتهى منهما.. فقام وجهز شموسا أخرى وأكلها والسحاب.. فشعر راضيا بامتلاء بطنه، وربت على كرشه فى حنان قائلاً: لكم كان البيض لذيذأ! حقا؟! أدرك الآن أنه أكل بيضاً لا سحاباً ولا شمساً! لو أقام فى ظنه بأنها شمس لأنارت له الليالى المظلمة – وليس كل الظن إثم.. أما الآن.. فإن الشمس ترقد ميتة فى معدته
كتبت في 14 سبتمبر 1994

منطق


ما زلت أتقدم للخلف.. أمشى بظهرى.. أستقبل بوجهى ما انقضى من طريق.. وأدبر ما أمشى إليه! وكنت أتوهم أن فى قفاى عينان.. أو أن قفاى هو وجهى، وأننى أستقبل ما أمشى إليه، وأدبر ما انقضى.. ثم تنبهت إلى أننى أمشى بظهرى. حاولت أن أستدير فشعرت أن الاستدارة غير منطقية.. فوجدت أن المنطق السائد أن نستقبل ما نمشى إليه، فنراه، وندبر ما انقضى.. وأن المنطق يعود فيناقض نفسه.. ويقرر أن أمشى للخلف.. بظهرى.. وأشعر أن الاستدارة غير منطقية.. إن المنطق غير منطقى
كتبت في 23 يونيو 1994



يقظة


كان جسراً يمتد فوق الماء، فإذا كنت فى آخره، أحاطك البحر، فلم تر إلا الأزرق بدرجتيه.. البحر والسماء. هناك كنت واقفاً أنظر للمشهد الروحى وبينى وبينه حاجز.. أعجز عن تخطيه، أو معرفة طبيعته. وبينما أنا أتحسر على انعدام حظى، تنبهتُ للرجل الواقف مستقبلاً المشهد فى سكون وصمت.. وبعد أن قطعتُ الجسر مرات جيئة وذهاباً، مراقباً إياه، وجدتُ أن الرجل وقفته قد طالت، على هيئة واحدة، لم يحرك حتى رأسه.. فحسدته على ما أوتى من حظ أن استطاع على هذا السكون وهذا التأمل صبرا... وبينما أنا بين حسرتى وحسدى فطنت إلى حقيقة ساخرة.. إن هذا الرجل نائم ! فشعرتُ بانتصار خفى وشماتة، وذهبت إليه أوقظه وعلى وجهى ابتسامة خفيفة فيها شىء من استعلاء: سيدى.. أنت نائم؟ -
صدمنى الرجل فى هدوء: بل متيقظ
كتبت في 27 مايو 1994

الأحد، يوليو 01، 2007

الأزهر بين الشيخوخة والعراقة

في البداية كنت أود الكتابة عن مصري أزهري عبقري، لا أعرف غير اسمه الأول، ولكن أعرف عنه حكاية ذات دروس وعبر، ودلالة على ذكائه وحسن إدراكه وتصرفه. ثم تداعت الأفكار، والأفكار كما تعلم يدعو بعضها بعضاً، ويتولد بعضها من بعض. وكذلك حضر إلى ذهني مشهد آخر قديم، مرت عليه سنوات. كنت في المركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة أيام كنت أقيم بالقاهرة للدراسة ثم للعمل، وكانت هنالك محاضرة يلقيها كاتب جزائري يقيم في فرنسا. وكانت الصدف قد شاءت أن أتعرف عليه قبل دعوته إلى مصر إذ رأيته ضيفاً، بين ضيوف عدة، في برنامج معروف في التلفزيون الفرنسي. حين جاء إلى مصر، كان مالك شبل يتحدث اساساً عن كتابه الصادر حديثاً في ذلك الوقت: موسوعة الحب في الإسلام، قدم فيه جانباً من الإسلام لا يعلم عنه أهل الغرب الكثير. في سياق حديثه، ذكر مالك طرفاً من خبرته بمبعوثي الأزهر للديار الأوروبية، وهم قوم تم تعيينهم كدعاة أو أئمة مساجد من قبل الأزهر. قال مالك أن الأزهر يرسل رجالاً علمهم وخبرتهم بالحضارة الذاهبين إليها قليلة أو معدومة، وقال أنه ومعه مسلمي أوروبا يتمنون من الأزهر أن يسدي لهم وللإسلام خدمة جليلة ويترك أمر أوروبا لهم، وهم يعيشون فيها ويعلمون كيف يتعاملون مع العقلية الأوروبية، أما الأزهري الذي يظن أنه من الممكن أن يتحدث مع الغربي بنفس اللغة العقلية التي يتحدث بها مع المسلم فهو لا ينقل عن نفسه ودينه غير فكر سطحي وبالتالي منفر. وهو المتوقع ممن درس الدين حفظاً لا تذوقاً شخصياً وإدراكاً مباشراً
هذا ما تذكرته قبل أن أهم بالكتابة عن الأزهري الآخر العبقري. ولكن دعني أكمل لك باقي خبرتي مع محاضرة مالك شبل. فقد هبطت علي بعدها فرصة من تدبير القدر لم أتوقعها أو آمل فيها. فقد تبعت المستمعين والكاتب إلى مقهى المركز، حيث العادة أن يتبع المحاضرات تجمع للناس وتضييفهم ببعض الأكلات الخفيفة والمشاريب. وأنا واقف وحدي أتاني شاب وقدم نفسه لي قائلاً أنه صحفي يريد أن يجري حواراً من الكاتب، غير أن الكاتب قال له أنه لا يستطيع إجراء الحوار بالعربية فقط، فهو بحاجة إلى مترجم لأن المفردات العربية أحياناً ما لا تسعفه في الفهم أو في التعبير. وقد رآني الصحفي الشاب أستمع للمحاضرة دون وضع سماعات الترجمة الفورية، فظن أنني من الممكن أن أتطوع كمترجم حتى يقبل الكاتب إجراء الحوار. وبالفعل تم لنا الجلوس مع الكاتب وحدنا بعد رحيل الجميع. تناول الحديث مواضيع مختلفة، ورأيت في مالك شبل كاتباً يفيض بالحيوية وخفة الدم والعقلانية. ومن الأشياء ذات الدلالة التي سمعتها قبل جلوسي مع الكاتب حديثاً جانبياً، ولكنه لم يكن خافض الصوت، فقد سمعته دون تسمع أو تنصت، دار بين صحفي مصري لا أعرفه وبين شاب فرنسي يبدو أنه كان يعمل في المركز وكان يجيد العربية. سمعت الصحفي المصري ينقد الكاتب، فماذا كان نقده؟ قال: هو ابن للغرب. رد عليه الشاب الفرنسي وهو لا يفهم تماماً وجه النقص أو النقيصة في هذا النقد، فقال للصحفي: انا أيضاً ابن الغرب، فرد الصحفي البليغ: أنت ابن شرعي للغرب، أما هو فابن غير شرعي!!! الحقيقة لم أستمع لباقي الحوار، ولكني لم أسمع في محاضرة الرجل شيئاً يوحي من قريب أو بعيد أن الرجل عميل عقلي للغرب، على العكس، كان يقدم صورة للإسلام صادقة نقية يستطيع الغربي وغير الغربي فهمها واحترامها. وتأكد لي ذلك في حوار الكاتب الخاص مع الصحفي المصري، فالرجل مسلم يؤمن بالعلم ويعرف للغرب نقائصه وجوانبه المشرقة
هذا ما تذكرته حين أردت الكتابة عن الأزهري المصري العبقري، وهو محور حديثي القادم بإذن الله

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين