الاثنين، سبتمبر 24، 2007

اللعب حق لكل مواطن



هذه صور من ملاعب خضراء في الولايات المتحدة. لا تجدها خلف أسوار ناد يتردد عليه الخاصة (يعني من يملكون المال)، وكأن نقص المال ينقص من حقوق أبناء الوطن الواحد في نشاطات الإنسان المرغوبة (ومن أسف أن هذا هو الواقع الذي صنعه أبناء آدم في الأرض).

هي ملاعب لكرة القدم، شديدة الخضرة، ممهدة الأرض، مفتوحة لا جدران حولها، ولا أبواب لها، ولا تعريفة مالية يدفعها من يريد اللعب. في هذا المتنزه، في مدينتي الصغيرة، أكثر من ملعب لكرة القدم. تجد كذلك ملاعب مفتوحة للتنس في أماكن عديدة، منها المدرسة الثانوية الحكومية - مش الخاصة يعني حتى لا تحسب أن الملاعب توجد فقط في مدارس الأثرياء.

لا أقول أن في الإمكان التمتع بهذه الملاعب على مدار العام في أقصى شمال البلاد حيث أعيش. فالشتاء يغطيها بالثلوج، فتصبح من بعد خضرتها بيضاء. غير أن محبي الكرة لا يزالون يجدون مجالاً للعب في أعماق الشتاء، في ملاعب مغلقة، وإن كانت أقل عدداً.

إن اللعب سبيل من سبل بناء جسد الإنسان ونفسه بناءً سليماً، يهيئه لأداء رسالته في الدنيا بذهن صاف وبدن قادر، لا تقعده الهموم أو السموم أو الضعف. وإذ ذكرت السموم، والتي تتعدد مصادرها في البر والبحر والهواء، بل والأكل والماء، خاصة في مصرنا، فتغزو جسد الناس وتتخذ منها بيوتاً، فإن اللعب أو النشاط الجسدي هو من أنجع أسباب تنقية الجسم مما يثقله من سموم.

فماذا يتاح لشباب بلادنا من وسائل وملاعب للرياضة؟ تجدهم يلجأون إلى شوارع جانبية يخف فيها الزحام وحركة السيارات، ويجرون ويناورون فوق أرض صلبة، لو وقع عليها أحدهم لانكسرت عظامه ودمي منه اللحم. الصور إذن ليست لمحبي السياحة والصور، لكنها للمقارنة وتبيان حقوقنا المضيعة. ولا يضيع حق وراءه مطالب. ولكم تتحدث الظروف والأحوال بلسان مبين عن ملايين تهاونوا في حقوقهم، حتى أضحى المرء منهم يبحث عن واسطة تتوسط له في الحصول له على حقه!

من حقكم يا شباب مصر أن تجدوا ملاعب مثل هذه، ممهدة للعب، لا تؤذي من يقع على أرضها، ولا تتطلب من اللاعب، كما يجري وراء الكرة، أن يجري بحياته ليفسح الطريق لسيارة عابرة!

السبت، سبتمبر 22، 2007

الجهاد ضد المجاهدين


الليلة سمعت شيئاً عجباً. حديثاً ظاهر حروفه الحكمة والإيمان، وباطنه الجهل والغباء وعمل الشيطان. على قناة الجزيرة خبر عن عملية انتحارية في مدينة جزائرية، قتل فيها ثلاثة أوروبيين. ثم تعليق من المتحدث باسم منظمة القاعدة، يعلن فيه مسؤلية المنظمة عن الحادث. ويمضي حديثه بعربية فصحى ولسان مبين، يذكر اسم "الشهيد" الذي فجر نفسه، ويحدد كم المتفجرات المستخدمة، و"يحمد الله" على نجاح العملية، والقضاء على أفراد من "الكفرة" و"هلاك جميع من في السيارة" التي تم تفجيرها. حديث بألفاظ الإيمان والشهادة. سمعت ولم أعرف كيف تستطيع نفسي أن تعبر عن تعجبها، وتحير عقلي في إيجاد وصف لما سمعت، هل هو الغباء أم الجهل أم قسوة القلب أم النفاق أم الكذب على الله، لا أعرف!

لطالما تفكرت في مصير من يفجرون أنفسهم ليفجرون نفوساً بريئة ويستبشرون بجزاء الشهداء. ومنطقهم حين يقتلون مدنيين أن هؤلاء المدنيين "قد" ينتمون إلى مجموعة أو دين معين. وما دامت هذه المجموعة تستحق الموت، فلا غبار أن يقتلون بالجملة، امرأة وطفلاً، وغريباً ليس له في الأمر كله شيئا. وأنا أتعجب من فتاوى بعض علماء الدين الأجلاء في إقرار أن مفجري أنفسهم شهداء عند الله، لا سيما في إسرائيل بالطبع. وأنا لم أر في سنة نبي الإسلام قتل الناس على غير بصيرة ولا تمييز. ولا أعرف كيف جرؤ أحدهم على الفتوى بأن الله يجزي قاتلي أنفسهم وقاتلي الآخرين الجنة ومقام الشهادة. أخشى ما أخشاه على هذا الشباب أن يخسروا الدنيا والآخرة وأنفسهم جميعاً، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

أما هذا المتلكم الحامد لله على مقتل الكفرة قتل غدر، فأنا أرى أنه يستحق السجن أو القتل بتهمة الكذب على الله وعلى دينه. ونحن المسلمون كما يجب علينا جهاد أنفسنا، وجهاد من يعتدي علينا، وجب علينا أيضاً أنواع أخرى من جهاد العصر الحديث، أخص من ذلك نوعين نضطر فيهما لجهاد أناس يحملون اسمنا ويتكلمون بلساننا. منهم من يفسد حياة الملايين حين يؤتيه الله قوة الحكم والسلطة، ومنهم من يكذبون على دين الله، ويفسدون في الأرض، ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق.

الجمعة، سبتمبر 21، 2007

كتاب الأحلام



ما أكثر شيوع كتب "تفسير" الأحلام في بيوتنا. غير أن كلمة تفسير لم تسقط من العنوان أعلاه. فكتاب الأحلام الذي أعنيه لا يفسر أحلاماً تأتينا من عالم الغيب، برسالة يحاول عقلنا المحدود فك رموزها، أو بأحاديث نفس مرتبكة متفككة. كتاب الأحلام الذي أعنيه ندون فيه الأحلام بالعقل والخيال، بالصور والكلمات، ونضع في كل ذلك رغبة الإنسان المشروعة في نعم الله التي بثها لنا في الأرض.

سأسرد عليك حكاية. رجل أعمال وكاتب أمريكي انتقل حديثاً إلى بيت، أو قل قصر، جديد. وجمع في صناديق كبيرة أشياء كثيرة من حياته الماضية. وترك الأشياء في الصناديق في غرفة مكتبه زمناً. ذات يوم دخل عليه ابنه الصغير، وأخذ يعبث في أحد هذه الصناديق. ثم أخرج أوراقاً لزقت عليها صور لأشياء مختلفة، وسأل أبيه عن ماهية هذه الصور. ذهب إليه الرجل ونظر. ثم بكى. وحينما سأله ولده عن سبب بكائه، قال له الأب معنى الصور ومبعث الدموع. فالصور هي ما كان الأب يجمعه من صور لأي شيء جميل يراه ويود الحصول عليه، فيقص الصورة ويلصقها في صحيفة الأحلام. وهي حيلة إنسانية لمحاولة الإبقاء على روح التفاؤل والرغبة في العمل في نفس المرء. أما مفاجأة الأب فهي أنه رأى صورة بيته الذي اشتراه حديثاً يطل عليه من بين الصور القديمة. لم يجد صورة لبيت، أو قصر، يشبهه، ولكنه كان هو هو. لقد اشتراه بعد أن أصبح قادراً على الحصول عليه، وكان غافل الذاكرة عن الصورة القديمة التي وضعها في صحيفة الأحلام!

ومهما كان ما حدث مع هذا الرجل شيئاً غريباً واستثنائياً، فالرسالة والدلالة ثابتة وصادقة. فتركيز العقل والعاطفة على هدف أو حلم يبثان رسالة الإنسان وعزمه في أرجاء الكون كله. وإن رغبة حارة في نفس إنسان لعامرة بطاقة تهتز لها الأرض وتصغي لها السماء. ألم يقل رسول الإسلام (ص) أن ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، إشارة نبوية لحقيقة حياتية، تلبي طلب من يدركها ويعمل بها، بأشكالها المختلفة: ما بين دعاء الموقن وأمل المتفائل الباعث على العمل.

وطلب الدنيا ليس دناءة كما قد يوحي إلينا كلام ورثناه من أزمان، لعلها أزمان الفشل والكسل. فالله عز وجل خالق عظيم وكريم يحب العطاء، وهو يحب من يؤمن على قوة أكثر من حبه للمؤمن الضعيف، وإن كان في كل خير.

وكتاب الأحلام الذي أقترحه عليكم هو مثل ما فعل هذا الكاتب ورجل الأعمال الأمريكي. اكتب كتاب أحلامك بيديك. ضع فيه صورة جميلة، واكتب أملاً براقاً يشرح النفس. والجمال مثل النور أينما وجد في مكان، أو في إنسان، فإنه يتعداه إلى ما حوله. وكتاب أحلامك سوف يبث الجمال والنور من حياتك أنت إلى الدنيا وما فيها.

وفي النهاية، فالصورة أعلاه يا أعزائي هي من شرفة منزلي الذي يطل على بحيرة وجبال، يحدثان القلب بجمال خارق، من إبداع أحسن خالق. أهلاً بكم في أي وقت على كوب من الشاي وحديث لا هو اللغو ولا هو النميمة، ولكن مثل حديث أهل الجنة. نقل خيرا، أو نصمت ونستزيد من التأمل والنظر في نعمة الجمال.

طبعاً خمنتم أن الصورة من كتاب الأحلام!

الأربعاء، سبتمبر 19، 2007

المدونات تصبح شركات


في تدوينة سابقة تكلمت عن تعرفي على مدونة وكاتبة أمريكية شابة حين لفت نظري ما كتبته في تدوينة لها عن إنفاق ثلاثة آلاف دولار لتصميم مدونتها. التدوينة الأخيرة للكاتبة تتكلم فيها عن تحويل مدونتها إلى بيزنس، أو مشروع يعني (طبعا كلمة بيزنس ما عادتش غريبة على أي حد حتى اللي ما يعرفوش انجليزي في بلادنا!). وهي تحكي عن اختمار الفكرة التي دارت حولها مفاوضات لشهور مع مدونين آخرين. شعرت أن هنالك عالماً حياً ونشطاً لا ندري عنه شيئاً، حيث يحول الناس أشياء تبدو عادية إلى مشاريع مبتكرة ومربحة، فيعملون في شيء يحبونه ومن ثم يبدعون ويحققون إنجازاً أدبياً ومادياً أيضاً. والمشروع لم يخرج للنور بعد، ولكنها سوف تتكلم عنه في تدوينات مستقبلية.

الملحوظة الأخرى هي نوعية التدوين المتخصص الذين هم بصدده. فهذه الكاتبة مثلا، واسمها بينيلوب ترنك، تتخصص مدونتها في الحديث عن سوق العمل وشئون الوظيفة. تصور! نعم مدونة عامرة بالقراء وبالتدوينات تتكلم فقط عن هذا الموضوع، وقد تظن أنه موضوع محدود ولا يحتمل مدونة تتخصص في الحديث عنه، ولك أن تطالع المدونة بنفسك وتأخذ فكرة.

وأخيراً ما لفت نظري بشدة هو ما قالته الكاتبة، أو المدونة-بكسر وتشديد الواو-في عرض حديثها عن مشروع مدونتها الجديد، بالاشتراك مع مدونين آخرين متخصصون في ذات الموضوع (!)، فهي تقول أنها تمضي ثمانية ساعات يومياً في العمل على مدونتها! وهي لم تكن تجني مالاً من ذلك، ولكنها تقول أنها كانت تكرس كل هذا الوقت دائماً وبداخلها شعور خفي أنها في الطريق لإنجاز شيء أكبر عن طريق هذه المدونة.

أرجو أن نفتح آفاق تفكيرنا وفعلنا إلى حيث لا حدود ولا عوائق فكرية، فالإبداع في أساليب الحياة والعمل هو سبيل مفتوح، أو فلنقل "طريق سريع" نحو تجديد الحياة والتقدم والانطلاق من أغلال فعل ما نكره لمجرد جني المال، فنضع المال في مكانه ومكانته، خادم للإنسان لا مستخدم له!

الثلاثاء، سبتمبر 18، 2007

امسك.. أحلامك

نحن نقول، "امسك حرامي"، لأن اللص سريع الهروب يعجل بالاختفاء إلى حيث لا تستطيع الوصول إليه بعدها أبداً. وهنالك شيء أو حدث أو قل جزء من الإنسان له نفس الطبع والسلوك، فهو يعجل بالاختفاء عن ذاكرتك إذا لم تعجل أنت بالإمساك به. والمحزن أن هذا الهارب قد يكشف لنا الكثير عن أنفسنا، ومن طبعه، لو أعطيناه حقه من التمعن والدراسة، أن يقربنا لخفايانا وما يعزب عن إدراكنا المحدود والسطحي بأنفسنا. وما أحوج الإنسان لمعرفة نفسه والاستزادة من العلم عن ذاته. والدواعي لذلك تتعدد، وقد يكفي ما قاله رسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، عن حقيقة أن "أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك". أولسنا بحاجة لمعرفة عدونا كي نتقي شره ونستزيد من الخير لأنفسنا ولأهلنا وللدنيا جميعاً!

من عادتي أن أبدأ "مشاريع فكرية" (!!) ثم ينسينيها الشيطان، أو ربما من هو أعدى لي من الشيطان، نفسي! قد أفكر في شيء، فأنقش على ورقة، أو أفتح ملفاً على الكمبيوتر كبداية لما قد يثمر خيراً لو استمر وتراكم. من ذلك أنني وجدت وأنا أقلب في أوراق قديمة ورقة يبدو أنني نويت أن أجعلها بداية لعادة تسجيل أحلامي وهي ما تزال حاضرة في الذاكرة. وجدتني قد كتبت فيها حلمين لم أذكرهما بالمرة حين قرأتهما بعد زمن، ربما عام أو أكثر قليلاً أو أقل. واندهشت كيف أنني نسيت حلمين كهذين، فقد شعرت أن لهما دلالات مهمة. وهناك من الأحلام ما يزال حاضراً في الذاكرة ولو مرت عليه سنوات بل وعقود. فقلت لنفسي، هاكي يا نفس دليل جديد ومتكرر على خسارة الانقطاع عما يبشر بخير: بمزيد من العلم والإدراك.

أليست تلك عادة حميدة، أن ندون أحلامنا قبل أن ننساها؟ ثم نعود إليها من وقت لآخر، وننظر في الدلالات والإشارات، لعلنا نفهم غياهب نفوسنا بشكل أفضل، فنسعى في الحياة على بينة، ونمشي على سراط مستقيم.

الجمعة، سبتمبر 14، 2007

أغنية لمطربي المفضل

هاكم أغنية لمطربي المفضل من بين كل المطربين، عرب أو غير عرب. وهو خليط من الشرق والغرب، فهو جزائري هاجر لفرنسا في أوائل الستينيات، وقد يكون هو أول من عرف المستمع الفرنسي بالأنغام الشرقية قبل شباب الراي. وهو يغني بالفرنسية، وأحياناً بالعربية، وأحياناً أخرى بالعبرية والأسبانية. وغنى كذلك باليابانية والتركية والانجليزية والإيطالية، وإن كان لا يجيد جميع هذه اللغات بالطبع. وهو يقول أن له أصولاً إسبانية، أو أندلسية، ويمجد زمن حضارة الأندلس في أسبانيا، خاصة وقد شهدت تعايشاً بين اليهود، وهو منهم، والمسلمين، وهو قريب منهم أيضاً كونه جزائري. أما لماذا اخترته دوناً عن غيره ليكون مطربي المفضل فلأسباب متعددة. طبعاً صوته، ثم ألحانه، ثم وبوجه خاص كلماته. فهو يتميز عن غيره بأغان ذاتية، يعني تستطيع أن تعرف كثيراً من تفاصيل حياته الشخصية من أغانيه. أحببت غناءه لوطنه، الجزائر، وغنائه لزوجته، وغناءه لوحدة الناس، وكذلك غناءه للشمس والموسيقى، وأشياء أخرى كثيرة ومعان جميلة. ولا يفوتني أن ألفت النظر لضيقي بمحدودية ما يتناوله مطربونا من معان في أغانيهم، ولذلك أكن احتراماً كثيراً لمحمد منير الذي أخرج نفسه منذ البدايات من فخ الغناء للحب والحب وحده، بل ونوع واحد من الحب، وهو الفخ الذي وقع ويقع فيه كثيرون غيره. المهم، هذه أغنية، أو عينة من أغاني إنريكو ماسياس، مطربي المفضل، وهي من أغانيه القديمة الإنسانية الجميلة، وعنوانها: "اللعنة على من يجرح طفلاً". ونص الأغنية ترجمة سريعة من الفرنسية لتعطيكم فكرة عن كلمات أغانيه.
ليس له أب أو أم
وهو أكثر أطفال الملجأ شقاوة وثورة
يتخذونه مثلاً على سوء السلوك
وينزلون به العقاب لأنهم لا يحبونه

إن كان أسود أو أبيض
أو حتى قبيح الوجه
ففي صدره قلب بريء ونفس طاهرة
إن كان جاء للدنيا وليد حب أو وليد الصدفة
فاللعنة على من يجرح طفلا

في السوق يسرق قطعة حلوى
أو برتقالة
فيجري وراءه الجمع بإصرار على اللحاق به
ويلقون القبض على ملاك
ما يلبث أن يشرع في البكاءدفاعاً عن نفسه!

إن كان أسود أو أبيض
أو حتى قبيح الوجه
ففي صدره قلب بريء ونفس طاهرة
إن كان جاء للدنيا وليد حب أو وليد الصدفة
فاللعنة على من يجرح طفلا

هاجر من بلد فقير بائس
ودخل مدرسة ليتعلم الحديث
فتثير لهجته الضحك والسخرية
ولا يكاد يفعل شيء
دون أن يلق اللوم
لكونه غريب

إن كان أسود أو أبيض
أو حتى قبيح الوجه
ففي صدره قلب بريء ونفس طاهرة
إن كان جاء للدنيا وليد حب أو وليد الصدفة
فاللعنة على من يجرح طفلا



الأربعاء، سبتمبر 12، 2007

قبل أن تهاجر لأمريكا


في التدوينة السابقة توقفت عند سؤال أحمد خيري الثاني، عن فرص العمل في أمريكا لمن معه CPA. واليوم أكمل الإجابة وفقاً لما عندي من علم وخبرة بهذا البلد.

الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال لا تصح إلا بعد طرح سؤال آخر، وهو "ماهي طبيعة تأشيرتك؟". فعالم اليوم هو عالم الحدود والتأشيرات وأوراق الإقامة أو أوراق الجنسية. والإنسان عديم الورق يصبح عديم الحق أو عديم الوجود. وهذه حقيقة قد لا يعطيها حقها من الاستيعاب من لم يهاجر بعد. وفي بلاد المهجر يعرفون هذه المشكلة تمام المعرفة، ووسائل الإعلام كثيراً ما تتحدث عن مشكلة المهاجريين غير الشرعيين، وأهل البلد ما بين مؤيد لوجودهم وراغب في التخلص منهم.

هناك الملايين من المهاجرين للغرب وخاصة للولايات المتحدة يبدأون الهجرة من باب السياحة. تحصل على تأشيرة "دخول" البلد، فتظن أنك قد دخلت البلد من أوسع أبوابها وأن المشكلة قد تم حلها وأنك على وشك بدأ حياة جديدة سعيدة في بلد متقدم. ولكن تأشيرة "الدخول" أو السياحة لا تتيح لك حق العمل. ويصبح الحديث حينها عن أي شهادة تحملها أو خبرتك المهنية حديثاً فارغاً، في غير مكانه وفي غير وقته. لذلك على من ينوي الهجرة عن طريق هذا الباب ألا يحسب أنه سوف يجد عملاً في مجاله أو أنه سوف يستطيع الاختيار بين مجالات مختلفة من العمل.

ولأوضح الصورة أكثر، فأي شركة في أمريكا لا تستطيع تعيين موظف ليس لديه حق العمل القانوني في البلد. وفرص العمل لمن هم في هذا الوضع تقتصر في الغالب على مجالات المطاعم أو المحلات المملوكة لأشخاص. أما المطاعم والمحلات التي تنتمي لشركات كبيرة فهي الأخرى يسري عليها ما يسري على بقية الشركات. ومع ذلك فهنالك الملايين من المهاجرين غير الشرعيين يعملون في الولايات المتحدة، ولكنك لن تجدهم في وظائف تتطلب مهارات أو علم أو شهادة، ولكن في أعمال يدوية بسيطة.

هذا هو ما أحببت أن أوضحه للراغب في السفر، فالحصول على إقامة أو تأشيرة عمل أمر عسير، ولذلك يلجأ آلاف المهاجرين للطريق الأسهل: دخول البلد وبأي شكل. وكثير من الشباب يحصلون على تأشيرة السياحة بيسر نسبي، ويحسبون لذلك أن الأبواب قد فتحت لهم ولمهاراتهم. أنا لا أحاول إثناء من يريد عن هذا الطريق لو شاء، فأنا أعلم تماماً أن تأشيرة السفر خارج مصر، وغيرها من بلاد طاردة، تتراءى لمن يحصل عليها كمنفذ خلاص لا يمكن تضييعه، ولا يهم ما يحدث بعد ذلك.

لذلك أقول لأحمد وغيره، فكر أولاً في كيفية دخولك للولايات المتحدة. لو كان عن طريق تأشيرة مؤقتة، فلا تفكر في إيجاد عمل بشهادتك أيما كانت. ولكن ضع خطة تناسب ظروفك وتناسب الواقع الذي سوف تجد نفسك فيه. واجعلها خطة طويلة الأمد، لا خطة شهور أو عام أو عامين. فتغيير حياة الفرد للأفضل يتطلب سنين طويلة. أما لو كنت قادماً للولايات المتحدة ومعك حق العمل والإقامة، فالأفضل أن تذهب لمدينة كبيرة نسبياً حتى تجد فرص عمل أكثر. والأهم أن تذهب لمكان تعرف فيه صديقاً أو قريباً، فالاعتماد على نفسك بشكل تام سوف يكون صعباً في بلد جديد، وهو يتعلق بأشياء مثل مدى إجادتك للغة وما يتوفر معك من مال حين قدومك. وأعتقد أن في ذلك رد على أفضل مكان، فأفضل مكان هو من تعرف فيه أحداً يحب أن يساعدك ويهيء لك الأمور في بلد غريب.

الثلاثاء، سبتمبر 11، 2007

تهاجر أو لا تهاجر

منذ ما يزيد على الشهر وصلني سؤال من القاريء أحمد خيري يسأل فيه عن أفضل مكان في الولايات المتحدة من ناحية الجو وفرص العمل لمن معه CPA. ووعدته بالإجابة وتأخرت في تلبية الطلب، ولذلك أطلب منه المعذرة. أحب أولاً أن أشير أنني في تدوينة قديمة قمت بالإجابة على سؤال مشابه باختصار وعرضت ما أعلم لعله يفيد من يفكر في الهجرة.

ولقد رأيت أن أفرد تدوينة خاصة للإجابة لعلمي بأهمية الموضوع وعلمي كذلك بأن الهجرة أصبحت أملاً يشغل أذهان الآلاف، وربما الملايين من شباب بلادنا. ولا يستطيع لائم أن يلومهم، فالإنسان يبحث عن حياة طيبة وأرض يجني فيها ثمار جهده ويشعر بالأمل وبجدوى العمل. ومن أسف أن المصدر الأول للدخل القومي في مصر، حسب آخر ما ورد إلى علمي، هو تحويلات المصريين العاملين في الخارج. ولكثرما قلت في أحاديثي الخاصة أن تلك وحدها فضيحة قومية. غير أنها أيضاً إشارة لمن يهاجر أن قراره ليس سيئاً ولا هو نذالة أو هجر لبلده، فالمصري في مهجره قد يكون أكثر نفعاً لنفسه وأهله وبلده جميعاً.

غير أن المهاجر بحاجة لخطة واضحة وعلم بأحوال البلد الذي يذهب إليه. وأنا شخصياً قبل سفري كنت أقرأ كل ما يتاح لي عن بلاد المهجر، لا سيما ما أجده من كتابات المهاجرين المصريين والعرب الذين سبقونا إلى بلاد الغرب (حديثي عن الهجرة للغرب وليس للبلاد العربية، فليس لي بذلك من خبرة غير ما يصلني من تجارب الآخرين). ولكنني حين وجدت نفسي في واقع المهجر، وجدت أنه قد غابت عن علمي أشياء كثيرة غاية في الأهمية عن حقيقة الهجرة. وضيع علي هذا الجهل وقتاً كثيراً وعانيت كما لم أعان في حياتي من قبل. أما المؤسف فهو أن كثيراً من العرب المهاجرين لا يسعون للأخذ بيد المهاجرين الجدد وتوضيح معالم الطريق لهم، والعمل على ألا يقع أخوانهم الأصغر منهم في العمر أو في تجربة الهجرة فيما وقعوا هم فيه من أخطاء. وأنا حينما أرى مهاجراً جديداً أحاول قدر جهدي أن أخلص له النصح وأن أعرض عليه خلاصة تجربتي وأن أبين له ما وقعت فيه من أخطاء، وكلي أمل ألا يكرر من يهاجر بعدي ذات الأخطاء وألا يضيع وقتاً ثميناً في غير فائدة.

وسوف أحاول الآن أن أرد على أسئلة أحمد خيري باختصار، غير أن الحديث متصل، وأرجو أن ينصرني الله على كسلي فأقدم خلاصات مفيدة وصورة أقرب ما تكون لحقيقة الهجرة لمن يفكر فيها، حتى يقدم الشاب على تجربته وهو على بينة من أمره. وأنا أرجو من القاريء أن يطالع التدوينة القديمة التي أشرت إليها في البداية، فما فيها من معلومات ما زال صالحاً حتى اليوم.

سؤال أحمد الأول عن أفضل الأماكن في الولايات المتحدة من ناحية الجو. والولايات المتحدة تمتد بطول وعرض قارة
كاملة، ولذلك يتنوع فيها الجو تنوعات حادة من ولاية لأخرى. وتجربتي الخاصة تمتد بطول الساحل الشرقي للولايات المتحدة، حيث أقمت فترة في أقصى الجنوب (ولاية فلوريدا) وفترة أخرى في أقصى الشمال (شمال ولاية نيويورك، على بعد يسير من حدود كندا)، كما أقمت فترة أخرى في المنتصف (ولاية كارولينا الشمالية). وخلاصة التجربة أن الأحوال الجوية لا تمثل مشكلة جوهرية، فالإنسان يتكيف مع ما يجد نفسه فيه. كما أن البرد الشديد في الشمال يخفف منه توفر التدفئة في كل مكان، والحر الشديد في صيف فلوريدا يخفف منه أيضاً توفر أجهزة التكييف في السكن والعمل وأماكن التسوق والترفيه المغلقة. وميزة الولايات المتحدة أن حركية الفرد فيها مرنة، ولا يعني تواجدك في ولاية بعينها أنها قد أصبحت قدراً لا مفر منه.

سؤال أحمد الثاني عن فرص العمل لمن معه الـ CPA. وهذا السؤال هو مربط الفرس كما يقال. والسؤال ذاته قد يعكس بعضاً من نقص المعلومات لدى من يخطط للهجرة وهو ما يزال في بلده. وسوف أكمل الرد في التدوينة القادمة بإذن الله، فقد حان وقت الذهاب ودقت أجراس الاستعداد للعمل!

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين