الخميس، فبراير 28، 2008

أطفال السماء


هل شاهدت فيلماً إيرانياً من قبل؟ لو كنت مثلي، فلربما سمعت كثيراً عن أفلام إيرانية تحصد الجوائز العالمية وتحظى باحترام واعجاب دوائر النقد السينمائي الغربية. منذ زمن وأنا أرغب أن أستكشف فن إيران السينمائي، وأخيراً، منذ حوالي الأسبوعين، قمت بتأجير فيلم إيراني، واخترته بناء على تقييم المشاهدين في موقع التأجير. ولبثت أياماً لا أجد متسعاً من الوقت لمشاهدته، حتى أعطاني طيف من المرض إجازة بيتية ليوم واحد، كان كافياً لمشاهدة هذا الفيلم "السمائي"، كما يوحي اسمه بصدق.

ليس في الفيلم إبهار غير إبهار البراءة وصدق التعبير. فهو بسيط في إنتاجه وفي تصويره، والأبطال محور القصة هما طفل وطفلة. لكن عبقرية المخرج أتت بطفلين يحملان رسالة الفيلم على أكتافهما الصغيرة، وعلى أكمل وجه.

تدور عقدة القصة حول حذاء! وفي ثنايا القصة البسيطة إشارات إنسانية واجتماعية تصل إلى قلبك مباشرة، حتى لقد تدمع منك العين. الطفل الصغير الفقير "علي" ذهب للسوق لشراء بعض الطعام، ولإصلاح حذاء أخته الذي أهلكه الزمن. فالعائلة الفقيرة لا تجد من المال ما يكفي لشراء حذاء جديد، فهم يغالبون الحياة بصعوبة، ويجاهدون دون حاجاتهم الأساسية. فقد "علي" الحذاء، وعاد إلى أخته حسيراً مكسوراً. كيف ستذهب "زهراء" لمدرستها دون حذاء! لم يجرؤ الطفلان على مصارحة أبويهما بالمأزق، خاصة أن "علياً" يدرك بوضوح أن أباه لا يملك المال لشراء حذاء جديد لشقيقته. في غرفة صغيرة هي كل بيت العائلة، تحادث الأخوان بالكتابة على مرأى من أبويهما، وهما يتظاهران بقراءة الكتب المدرسية وكتابة الواجبات. ثم قرر "علي" أن يتبادلا ارتداء حذاءه هو! وهكذا في كل صباح تذهب "زهراء" لمدرستها أولاً، ثم تعود عدواً إلى حيث ينتظرها "علي" قرب البيت مرتدياً الشبشب! فيأخذ هو الحذاء ويعدو إلى مدرسته التي تبدأ ظهراً!

هذا محور القصة. وفي ثناياها أحداث كبيرة، وأخرى صغيرة، لكنها شديدة اللطف. ذات مرة وزهراء تعدو بعد انتهاء مدرستها، للوصول لشقيقها في الوقت المناسب، سقط من قدمها الصغيرة أحد زوجي الحذاء في مجرى مائي ضيق. فيقضى المشاهد دقائق في متابعة مطاردة، طريفة ولطيفة، وزهراء تجري متعقبة الحذاء فتحاول التقاطه كلما همت به، ولكن دون جدوى. حتى اختفى الحذاء تحت بناء أسمنتي، ووراء قدرتها على الوصول إليه. فجلست الصغيرة تبكي! ورآها رجل عجوز طيب، فتعاون مع رجل آخر وجاءاها بحذائها. وعادت زهراء غاضبة، وألقت الحذاء لشقيقها مقررة أنها لن ترتديه بعد اليوم. لكن أني لها أن تفر من الحذاء! فالاختيار ضيق: إما الحذاء، أو عدم الذهاب للمدرسة على الإطلاق، وربما أيضاً "علقة" مؤلمة من أحد الأبوين!


وتمر أحداث الفيلم بسيطة وطبيعية. حين ترى زهراء حذاءها المفقود في قدمي زميلة لها، تتبعتها زهراء حتى عرفت مسكنها. ثم عادت إلى شقيقها وأخبرته، فقررا الذهاب لتطلع الأمر. اختبئا قريباً من البيت، ثم رأيا رجلاً ضريراً يخرج حاملاً بضائع بسيطة للبيع، تصحبه وتقوده ابنته الصغيرة، مرتدية الحذاء المفقود! نظر الشقيقان إلى بعضهما، ففهم المشاهد أنهما تنازلا عن الحذاء!

حينما فاز علي بقلم جديد من أستاذه في المدرسة لتفوقه الدراسي، أهدى القلم لأخته. كان هذا ثاني قلم يعطيها إياه هدية، لشعوره بالذنب أن فقدت حذائها ولكي يعوضها عنه بعض التعويض. ولم تكن زهراء تنظر للقلمين نظرة استنكار أو استقلال، لا بل تلقت كلاً منهما بسعادة وعرفان!

وتتابع الأحداث ببساطة وعمق وإشارات، وكشف للتناقض بين حياة الفقراء الذين يخلق حذاء واحد أزمة في حياتهم، وقوم آخرون في الطرف الآخر للمدينة يعيشون في قصور مسورة، وحدائق غناء!

وقرب النهاية، تعلن مدرسة علي عن سباق للجري. نظر علي في قائمة الجوائز، فوجد أن الفائز بالمركز الثالث يربح حذاء! ذهب إلى أخته مبشراً، سوف يدخل السباق ويفوز بالمركز الثالث، ويعطيها الحذاء الجديد. ولو كان الحذاء الجديد لا يصلح لها، فمن الممكن استبداله بحذاء يليق عليها. ودخل علي السباق. ولم يكن في حاجة إلى تدريبات طويلة، فعدوه اليومي بعد أن يحصل على الحذاء من أخته حتى يستطيع وصول مدرسته دون تأخير كان ولا شك تدريباً طويلاً وكافياً على الجري! هذه هي الحاجة حينما تصنع المهارات والأبطال! ودخل علي السباق وحده، وحوله أطفال آخرون يصورهم أهلم، وبهم يحتفون. ارتدى حذاءه المشترك المتهالك، وجرى أربعة كيلومترات كاملة، هي مسافة السباق. قرب النهاية، كان علي في الزمرة المتقدمة. بدأ يلاحظ ويحاول أن يفسح الطريق لاثنين من المتسابقين لكي يتقدموا عليه، فلا أمل في الحصول على الحذاء لو جاء في المركز الأول أو الثاني! هدفه هو المركز الثالث! وأتاه من خلفه زميل في السباق غلبت عليه نفسه الشريرة، فدفعه دفعة وقع لها على. فقام مسرعاً، وبذل كل جهده كي يلحق بما فاته من جراء الوقعة. لم يركز هذه المرة كثيراً في موقعه بين المتسابقين، فقد خلفته الوقعة كثيراً عن المركز الثالث، لذلك جرى وجرى حتى وصل. ثم سأل مدرسه إن كان قد فاز بالمركز الثالث. فبشره المدرس، ولم التفكير في المركز الثالث يا بطل، لقد فزت بالسباق، بالمركز الأول!

غالب علي الدموع خلال الاحتفال بفوزه. وعاد إلى أخته، وحينما رأته حزيناً، أدركت أنه لم يفز بالحذاء كما وعدها، فأعرضت عنه حزينه وتركته. جلس علي، وخلع حذاءه وقد اهترأ من السباق الطويل، ولم يعد صالحاً للاستخدام البشري! ووضع قدميه المتورمتين في الماء. لك أن تتخيل ما دار في ذهنه ساعتها، وكيف غلب اليأس على نفسه والعجز. ثم رأينا الوالد وهو عائد للبيت، يحمل لولديه حذائين جديدين!




الأربعاء، فبراير 20، 2008

Down times

أشهد الحياة أنني غير فخور بعملي فيها حتى اليوم. لله أن يعرض عني بوجهه، فقد وضعني في أرضه فما زدتها جمالاً ولا أصلحت فيها ركناً، وإنما تتراكم أخطائي وتنمو مثل كرة ثلجية تهبط على منحدر الجهل والتقصير. ليتني أستطيع الخروج منها باختياري، غير أنه لا فرار من الحياة ولا قرار. فسوف يأخذها من أعطاها. حتى التوقف غير متاح، فما زلت مجبراً على مواصلة المسير. ولا أرى على مرمى البصر استراحة على الطريق!

الثلاثاء، فبراير 19، 2008

يوم الصور: نظرات على بحيرة كايوجا






الخميس، فبراير 14، 2008

قصة نجاح فاشلة

توقفنا في سيرتي الذاتية مع مرحلة التعليم العالي المصرية عند رفض المعهد العالي للغات أن ألتحق بقسم اللغة الفرنسية كما رغبت، واختياري الالتحاق بقسم اللغة الألمانية كبديل. وبالمناسبة لقد اخترت الألمانية لأني أردت تعلم لغة جديدة، ولم أود الالتحاق بقسم اللغة الانجليزية لأني ظننت أنني أعرف من الانجليزية ما يتيح لي مواصلة تعليم نفسي بنفسي إن شئت (والأهم طبعا إن شاء الله وإن أفسح لي كسلي المتأصل طريق الجهد والاجتهاد!).

التحقت فعلا بقسم اللغة الألمانية وبدأنا في دراستها من قواعدها وبداياتها المطلقة! ويبدو أنه في غضون أسبوع أو أسبوعين ظن الجميع أنني "أشطر واحد في الفصل"! وبدأت أكرر سيرتي مع نطق اللغة الفرنسية. لا أذكر من أسماء أساتذة الألمانية الذين علموني في هذه الفترة الوجيزة (سوف تعلم عما قليل لم أصفها بالوجيزة) غير اسم د. طارق عبد الباري، وهو أستاذ في كلية الألسن. أذكر أنه ذات محاضرة بدأ في التركيز على تعليمنا النطق الألماني السليم، فقال لي قرب نهاية المحاضرة: "لديك استعداد ممتاز في النطق". وأذكر استاذاً آخر طلب منا محاولة حفظ مقطع حواري بسيط، وحين أتينا في المحاضرة التالية كنت واحداً ممن خرجوا لتمثيل الحوار، وحين انتهيت قال لي الأستاذ أنني أقترب من كوني ألماني بنسبة تسعين في المائة. قلت في نفسي ليس هذا سيئاً، بعد أسبوعين من الدراسة أقترب من النطق الألماني الأصلي بنسبة تسعين في المائة!

غير أن علاقتي باللغة الألمانية لم يقدر لها أن تطول! فقد اخترت اللغة الفرنسية كلغتي الثانية، وكان من حسن حظي أن تولى دفعتي الأستاذ العزيز د. ياسر شداد، وهو من أساتذة اللغة الفرنسية. كنت قد صرفت النظر عن الالتحاق بقسم اللغة الفرنسية، حتى حدث في أول محاضرة لنا مع د. ياسر أن طلب منا أن نعرف أنفسنا، بالعربية أو بالفرنسية لمن يستطيع. بعد أن تكلمت معرفاً نفسي بالفرنسية، مدح د. ياسر إجادتي للغة، وأضاف أن نطقي أفضل من زملائي خريجي المدارس الفرنسية. أثار ذلك في نفسي من جديد رغبتي في الالتحاق بالقسم الذي لم يرغب في وجودي بين جنباته! ذهبت لدكتور ياسر وأخبرته عن رغبتي، وكان أول رده أن رئيسة القسم وضعت شرطاً صارماً بعدم قبول أي طالب لم يدرس في مدارس فرنسية، حتى لا يعطل بقية الطلبة ولكي يستطيع الجميع متابعة المنهج دون صعوبات شديدة. لكنه اقترح علي أن أحاول مقابلتها والحديث معها.

أتوقف هنا لأقول أنه بعدما تم رفضي في قسم اللغة الفرنسية بداية، تصورت أن مستوى الطلبة الذين يلتحقون به لابد وأنه مرتفع للغاية. كنت قد تعرفت على بعض خريجي المدارس الفرنسية معي في قسم الألماني ووجدت أن مستواهم في اللغة متوسط، ووجدتهم أيضاً يعرضون عن الخوض في حديث طويل بالفرنسية. لكن فكرتي عن قسم اللغة الفرنسية أنهم ولابد مختلفون، لأنني أثناء التقديم وضحت مستواي حينها في اللغة ولم يتم قبولي مع ذلك.

ومن هنا بالتحديد عادت إلي رغبتي في الالتحاق بهذا القسم. كان الدافع الجديد هو رغبتي في وضع نفسي في مناخ شديد التقدم يجبرني على بذل الجهد في الدراسة. كنت أتصور أنني لو التحقت بهذا القسم فسوف أجدني بين زملاء يجيدون اللغة كأهلها، وأنني سوف أجد صعوبة في مجرد مسايرتهم. وطنت نفسي أن التحدي أفضل من مناخ سهل، حتى لو اقتضى الأمر أن أرسب في عامي الأول حتى أستطيع الارتفاع بمستوياي إلى مستوى الدراسة في هذا القسم! كانت هذه الفكرة هي ما أوقد حماسي من جديد، فقد كنت طالباً كسولاً لزمن طويل. وفي دراستي في المراحل السابقة كنت قليل الجهد، قلما أعطي وقتاً للتحصيل. وقلما هنا تعني قلما فعلاً، يعني نادراً. ومع ذلك كان يدهشني أن الأساتذة والزملاء كانوا يعدونني من بين الطلبة المتميزين! بل أحياناً ما كان يضيرني ذلك! لم أكن أشعر أنني أستحقه، وأنا لا أبذل من الجهد ما يجعلني جديراً به. في قسم اللغة الألمانية شعرت أنني سوف أكرر سيرتي الماضية، فالدراسة تبدو يسيرة وفي غضون أسابيع قليلة أصبحت في المقدمة دون جهد.

مع وجود هذا الدافع الجديد، واصلت المحاولة. لم أستطع لقاء رئيسة القسم، فكنت ألتقي ببعض الأساتذة فيه وأحدثهم بأمري، ويتحدثون معي قليلاً تكشفاً لمستوى إجادتي للغة، فيستحسنون ما يسمعون، فأخبرهم أنني لا أستطيع مقابلة رئيسة القسم وأطلب منهم مساعدتي.

ثم ذهبت للعميد. قال لي لو أن أحد أساتذة القسم اختبرني وأقر أنني قادر على الالتحاق، فسوف يكون لي ذلك. ذهبت للتو باحثاً عن أحد فصول اللغة الفرنسية. فوجدت في أحدها د. ياسر شداد مرة أخرى، فطلبت الحديث إليه وأخبرته عما قاله لي عميد المعهد. فوافق على ترشيحي للالتحاق بالقسم، وبالفعل انتظرته حتى أنهى محاضرته، ثم ذهبت معه للعميد، وتم تحويلي لقسم اللغة الفرنسية!

كنت أعلم أن د. ياسر كان يساوره بعض القلق من هذه المسؤلية. فلو اتضح بعد ذلك أنني غير مؤهل لمتابعة الدراسة، فلسوف يكون هو المخطيء. غير أنه أقدم رغم ذلك على هذه المخاطرة! ومن فضل الله أنه لم يندم على ذلك من بعد! وما زلت حافضاً لجميله، وإن لم يتح لي القدر أن يصاحبنا كثيراً، إذ سافر للعمل في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بعد العام الأول. ومن طرائف القدر أنني حينما أتيت للولايات المتحدة، كان هو قد انتقل إلى جنيف، وكنت أحب أن ألقاه في الولايات المتحدة. وما زلت على اتصال به على أحيان متباعدة، اتصالاً أرجو، على قلته، ألا ينقطع.

هذا جانب من جوانب النجاح في القصة. ومازلت هنالك جوانب أخرى للنجاح. لكنني أسميت التدوينة "قصة نجاح فاشلة" لأسباب سوف تعلمها حين أكمل القصة، إن شاء الله.

الثلاثاء، فبراير 12، 2008

طيور



طيش الأحلام

طلعت في دماغي إني أكتب القصيدة دي بالانجليزي، وهي تنبؤاتي لحياتي الشخصية في هذا العام! ممكن أقلكم بعدين ما الذي أوحى لي بكتابتها إن شاء الله. وطبعا كلمة تنبؤات ليست دقيقة تماما، قل هي أحلام أو، إن شئت، أوهام! لكن أحلام القلوب هي روحها وريحانها، حتى لو حالت الأيام بين الحياة وبينها!

القصيدة كتبتها أساساً بالانجليزية، وهذه هي ترجمتها العربية. لو بتعرف شوية انجليزي، وأنا متأكد أن ده ينطبق على 99 وتسعة من عشرة من القراء (تمام زي نسبة اللي بيحبوا رئيسهم في البلاد اللي بالي بالك)، يبقى طبعا تقرا القصيدة الأصلية في مدونتي الانجليزية هاهنا. ولو كنت كتبت القصيدة بالعربية لأتت ولا شك مختلفة تماماً، وسوف أفعل إن شاء الله، وإن زينتها لي نفسي وعليها شجعتني! هذه هي الترجمة لأحلام وأوهام العام الشدوي الثامن بعد الألفين.


حياتي سوف تتغير في هذا العام
سوف أحصل على حريتي
وأتخلص من كل خوف
وأسافر في أرجاء العالم أجمع

لن تقلقني شؤون المال
ويكون العيش على أطيب حال
سوف أعيش حيث تشرق الشمس
وأرضى عن قدري وأحبه
حين أحيا حياة تملؤها البهجة والمرح

سوف أكون خادماً للحقيقة
بقلب لا تشوبه كراهية أو بغضاء
قلب عرف الشباب الأبدي
على سراط مستقيم

سوف أعيش بقوة وتمكن
خادماً لرب كل شيء
ويكون موقعي في القمة
ولن يضرب سيفي إلا ليقيم العدل

سوف أعيش في النور
وأنشره وأبينه للعالمين
ولن أحول نظري
عما يمكن عمله لكي نحيا في عالم أفضل

سوف أكون شدو الحقيقي
سوف أصبح محمد الأكبر
أعين الإنسان أن يحيا حقيقته
وأفتح الأبواب المغلقة لكل فقير وضعيف

الأحد، فبراير 10، 2008

حيلة المخلوق

يقول محمد علي في كتابه:

أهم شيء في الملاكمة هو ما تستطيع فعله بعد أن يبلغ بك التعب مداه. نفس الشيء ينطبق على الحياة.

What counts in the ring is what you can do after you are exhausted. The same is true of life

توقفت عند المعنى وكأنه يتحدث إلي. فالتعب يبلغ بي مداه بين الحين والحين. ويحدث أن يقترب الحين من الحين، حتى يتعطل الأمل، وتغلب الحيرة، ولا يجد المرء مفراً من الدنيا. والفهم يعلم أن الوقت إلى فناء، وأن ما يمضي فكأنه لم يكن. غير أن الإنسان تغلب عليه اللحظة، ولا يملك إلا أن يقر بضعفه (وخلق الإنسان ضعيفا). كل ذلك يؤكد للإنسان حقيقة عبوديته، فهو أضعف من أن يفر مما يكره. ليس للإنسان على شيء من أمر، في حين يقول الله للشيء كن فيكون. هذا مقام الخالق ومقام المخلوق.

ولا نستطيع مغالبة التعب والمضي في الدنيا دون حول من لا حول إلا له.

لا مفر

الحياة قدر أبدي لا مفر منه

الأربعاء، فبراير 06، 2008

الفرنسية في الثانوية

توقفت في قصتي مع التعليم العالي في مصر عند انتهاء مرحلة الثانوية العامة والالتحاق بالمعهد العالي للغات في القاهرة. واليوم أكمل القصة وأواصل النظر فيما مضى. والرؤية من على بعد-في المسافة أو في الزمن-أوضح كما تعلم. وحينما تنظر في الماضي بعد أن مضى، قد تقول لذاتك ليته يعود فأفعل كذا ولا أفعل كذا. غير أن الحق أن الزمن لو عاد بنا لفعلنا ذات فعلنا ووقعنا فيما وقعنا فيه من أخطاء. ولن ننتفع بالعودة إلى الماضي إلا لو عدنا إليه حاملين خبرة الحاضر ورؤيته! لكننا لن نكون بشراً لو هيأ الله لنا ذلك!

استلزم التحاقي بالمعهد انتقالي للحياة في القاهرة. ويبدو أن قدري مع الهجرة كان بذلك قد بدأ! حينما التحقت بالمعهد كانت نيتي وتصوري أنني سوف أدرس اللغة الفرنسية، ولا شيء غيرها. ومن هنا تبدأ التفاصيل المثيرة في الحكاية! (يا سلام يا سلام)

وقصتي مع اللغة الفرنسية بدأت في العام الأول من المرحلة الثانوية، فقد كانت هي لغتي الأجنبية الثانية بعد الانجليزية. وهنا نطالع الدرس الأول في القصة: قد يغير المدرس في مدرسته مستقبل طلبته! فلننظر في حال المدرسة وحال المدرسين في ديارنا ونخمن أي مستقبل يمهدون لنا! فقد شاء الله أن يكون أول مدرس يعلمني الفرنسية هو الأستاذ جمعة عبد المعز (سوف أذكر أسماء كثيرة لأنني أحمل لها تقديراً كبيراً، وذكريات حلوة، واحتراماً لن ينفد، وصداقة متواصلة مع بعض منها). كان الأستاذ جمعة من الأساتذة القلائل في التعليم الثانوي المصري-والوحيد في حدود خبرتي الشخصية-الذي يحسن الحديث ونطق اللغة الفرنسية بوجه خاص. لأن أغلب مدرسي هذه اللغة في مصر-إن لم تكن يعلم-يجيدونها قراءة وكتابة، لكنهم منفصلون عن اللغة الحقيقية كما يتحدثها أهلها. لذلك تجد كثيراً منهم يلقنون الطلبة الكلمات بغض النظر عن كيفية نطقها، بغرض النجاح في الامتحان ودمتم. حينما بدأ أستاذ جمعة في الشرح، لاحظ فوراً أنني الوحيد من بين الطلبة الذي أقلد نطقه وأحسن التقليد. فانتبه لي وانتبهت له. ثم أصبح صديقاً من بعد، خارج حدود المدرسة والدراسة (وسوف يكون ذلك طابع الكثير من صداقاتي فيما بعد، إذ سيكون أكثر الأصدقاء وأقربهم أكبر مني سناً). لكن بقية الطلبة كانوا يتخذون موقفاً فيه شيء من السخرية إزاء هذه المحاولات للحديث باللغة حديثاً سليماً. ولم آبه كثيراً لهذه السخرية، ربما لكوني أدركت في نفسي أن وراء السخرية إعجاباً، وربما شعوراً بعدم القدرة على ما منه يسخرون. ورأيي أن عدم القدرة يرجع أولاً لحواجز نفسية لا لقدرات طبيعية. وقد يكون الطلبة مثلاً قد وضعوا لأنفسهم قانوناً خفياً أن نطق الفرنسية السليم لا يجمل بالرجال، أو شيء من هذا القبيل!

المهم أنني في هذه المرحلة تمكنت من اللغة وأحسنت نطقها بما يفوق ببعيد أي من قرنائي، بل وكان في الإمكان إبهار بعض أساتذة اللغة أيضاً لو شاءت الظروف! وحديثي بالطبع ينحصر في أساتذة المدارس الثانوية الحكومية. ولذلك حينما التحقت بالمعهد تصورت أن الطبيعي أن أواصل دراسة الفرنسية.

غير أنني فوجئت بما لم يكن في الحسبان. فقد اتضح لي وأنا أختار القسم الذي أود الالتحاق به أن قسم اللغة الفرنسية بالذات، دوناً عن بقية أقسام المعهد، مقصور على الطلبة الذين تخرجوا من مدارس فرنسية. فهم لا يدرسون مباديء اللغة ولكنهم يدرسون في العام الأول أدب القرن السابع عشر، مع الترجمة وأشياء أخرى تستلزم مستوى متقدم في اللغة. ولذلك لم يتم قبولي في قسم اللغة الفرنسية، فالتحقت بقسم اللغة الألمانية! وللقصة بقية إن شاء الله.

يا رايح

هذه أغنية "يا رايح" الأصلية. وهي في رأيي أغنية عبقرية، بغض النظر عن عدد ما ستفهمه من كلماتها! يا رايح وين مسافر تروح تعيا!



الثلاثاء، فبراير 05، 2008

يوم الصور: استراحة على الطريق



هذه صور من استراحة على الطريق في ولاية فلوريدا، التقطها على الطريق السريع الموازي لخليج المكسيك في الساحل الغربي لفلوريدا. الصور عمرها يزيد قليلاً على أربعة أعوام، أثناء إقامتي الأولى في هذه الولاية الجنوبية المشمسة!
والانسان بحاجة لاستراحات على الطريق في كل رحلة!

الأحد، فبراير 03، 2008

أقرأ الآن: روح الفراشة


السيرة الذاتية لمحمد علي كلاي. كتبها مع ابنته ياسمين علي. على فكرة، نحن العرب فقط ما زلنا نذكر اسم عائلة محمد علي القديم، "كلاي". أما في الولايات المتحدة فاسمه محمد علي فقط. والسبب في رأيي يرجع لكون محمد علي اسماً شائعاً لدينا، ولو قلنا محمد علي فان الاسم يشير لأفراد كثيرين.

قد أعود للكتابة والتعليق على الكتاب. وقد اشتريته حديثاً بالصدفة، إذ رأيته في إحدى المكتبات وعليه تخفيض (في المكتبات هنا قسم خاص للكتب الجديدة-يعني غير المستعملة-المخفضة)، وقد وجدته بسعر ستة دولارات فتوكلت على الله واشتريته، على الرغم من أن معدل شرائي للكتب أعلى كثيراً من سرعة قرائتي لها! لكنه إدمان، عافانا الله وعافاكم!

السبت، فبراير 02، 2008

شدو في الثانوية

كنت أنوي أساساً ذكر هذه القصة مع ما سبق من دوافعي للهجرة. غير أن لها جانباً آخر ودروساً أجدى وأشمل. وهي على كل جانب من تأملي في سيرتي الماضية وتعلمي مما مضى من أخطاء. وهي كذلك لا تخلو من طرافة ومن غرابة.

أما القصة فهي قصتي مع مرحلة التعليم العالي في مصر. وما قبلها يمهد لها ولا شك، لكنني لن أعرض لما قبلها الآن، عدا مرحلة الثانوية العامة، وهي-كما يعلم المصريون، أولهم وآخرهم، صغيرهم وكبيرهم-باب المرحلة الجامعية والدراسات العليا وبوابتها.

أما أن الثانوية العامة تقرر مصير تعليمنا الجامعي، فذلك واقع لا شك فيه وحقيقة مصرية لا جدال عليها. أما شخصي الضعيف-والعنيد أحياناً واللامبالي بالتقاليد كثيراً-فلم أرى أنه علي السير في القافلة التي ظلت طريقها. ولم أدرك بوضوح أن الخروج عن القافلة الضالة قد يجلب متاعب أكبر وضلال أصعب. تصور مثلاً أنك تمشي في الصحراء مع قافلتك وقد ضللتم الطريق. أسلم لك حينها أن تستمر مع الضالين فتضمن الصحبة والونس..إلخ، من أن تغادر وتسير وحدك إلى حيث لا تعلم!

حين رست بي سفينة التعليم في ميناء الثانوية العامة، رفضت في العام الأول أن أندمج مع الحياة في ميناء يغلب عليه القبح والغباء وغياب المعنى على وجه الخصوص. لقد تلكعت في الثانوية العامة ثلاثة أعوام كاملة! نعم، فرد "اتهمه" البعض بالعبقرية، ظل ثلاثة أعوام كاملة في الثانوية العامة المصرية! ولكيلا أطيل، فالذي حدث أنني قررت في بدايات العام الأول عدم دخول الامتحان من أساسه. ولم يستطع أحد إثنائي عن قراري! وفي العام الثاني دخلت الامتحان على مضض ورسبت. في العام الثالث لم أغير سيرتي: لم أنظر في كتاب ولم أحضر مدرسة ولا درساً خصوصيا، وفي منتصف الامتحانات كنت على وشك تركها نهائياً لولا توسلات أمي أن أذهب. فذهبت ونجحت بالكاد.

ثم جاءت النتيجة بمجموع باهت لا يغني ولا يدخلك أي جامعة تريد! قلت للعائلة أنني لن أدخل الجامعة، ولا معنى لدخول الجامعة أساساً لمجرد الحصول على شهادة. ما هذا الجنون، أبدد أربعة أعوام من عمري في دراسة شيء لا أحبه من أجل الحصول على ورقة! وقلت أيضاً أنني لو لم أجد موضعاً في دراسة مجال أهتم به، فسوف أواصل تعليم نفسي بنفسي ولا حاجة لي بالجامعات المصرية! لكن الحق أنه كان يقلقني شيء واحد، وهو قانون آخر من قوانين العبث في مصر. فأنا لو لم أحصل على شهادة جامعية فسوف أدخل الجيش ثلاثة أعوام كاملة، وتتم معاملتي بالطبع على هذا الأساس. ومع أن ضعف نظري يعفيني قانوناً من الخدمة، فإن ذلك لا يضمن لك شيئاً في بلاد تحتاج فيها لواسطة تتوسط لك لكي تحصل على حقك! وكانت عائلتي في ذلك الوقت قد بدأت تفقد كثيراً من نصيبها في "طبق الكوسة" المصري بعد أن تعثر نشاطها الصناعي، ومن ثم لم أكن أضمن الحصول على "حقي" في الإعفاء. والله وحده يعلم ما يمكن أن يحدث لو قمت بالخدمة! ماذا أفعل وأنا لا أطيق القيود، واختياري ينحصر بين قيدين؟! قيد دراسة عبثية من أجل الشهادة، وقيد خدمة مهينة لا معنى لها! لم أعرف. ولكنني لم أريد أن أدخل الجامعة باختياري من أجل هدف زائف.

ثم شاءت عناية الله أن يقدم لي حلاً وسطاً. فقد أتيح لي أن ألتحق بمعهد خاص للغات يعطي شهادة الليسانس. وكنت أحب دراسة اللغات الأجنبية، "فوافقت" على ذلك وتم لي الالتحاق بهذا المعهد. وهنا تبدأ القصة التي أردت قصها بداية. ولأن طاقتي في الكتابة أضعف من أن تعينني على المواصلة، فسوف أجعل ذلك في تدوينة قادمة بمشيئة الله ومعونته!

الجمعة، فبراير 01، 2008

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين