الخميس، فبراير 28، 2008

أطفال السماء


هل شاهدت فيلماً إيرانياً من قبل؟ لو كنت مثلي، فلربما سمعت كثيراً عن أفلام إيرانية تحصد الجوائز العالمية وتحظى باحترام واعجاب دوائر النقد السينمائي الغربية. منذ زمن وأنا أرغب أن أستكشف فن إيران السينمائي، وأخيراً، منذ حوالي الأسبوعين، قمت بتأجير فيلم إيراني، واخترته بناء على تقييم المشاهدين في موقع التأجير. ولبثت أياماً لا أجد متسعاً من الوقت لمشاهدته، حتى أعطاني طيف من المرض إجازة بيتية ليوم واحد، كان كافياً لمشاهدة هذا الفيلم "السمائي"، كما يوحي اسمه بصدق.

ليس في الفيلم إبهار غير إبهار البراءة وصدق التعبير. فهو بسيط في إنتاجه وفي تصويره، والأبطال محور القصة هما طفل وطفلة. لكن عبقرية المخرج أتت بطفلين يحملان رسالة الفيلم على أكتافهما الصغيرة، وعلى أكمل وجه.

تدور عقدة القصة حول حذاء! وفي ثنايا القصة البسيطة إشارات إنسانية واجتماعية تصل إلى قلبك مباشرة، حتى لقد تدمع منك العين. الطفل الصغير الفقير "علي" ذهب للسوق لشراء بعض الطعام، ولإصلاح حذاء أخته الذي أهلكه الزمن. فالعائلة الفقيرة لا تجد من المال ما يكفي لشراء حذاء جديد، فهم يغالبون الحياة بصعوبة، ويجاهدون دون حاجاتهم الأساسية. فقد "علي" الحذاء، وعاد إلى أخته حسيراً مكسوراً. كيف ستذهب "زهراء" لمدرستها دون حذاء! لم يجرؤ الطفلان على مصارحة أبويهما بالمأزق، خاصة أن "علياً" يدرك بوضوح أن أباه لا يملك المال لشراء حذاء جديد لشقيقته. في غرفة صغيرة هي كل بيت العائلة، تحادث الأخوان بالكتابة على مرأى من أبويهما، وهما يتظاهران بقراءة الكتب المدرسية وكتابة الواجبات. ثم قرر "علي" أن يتبادلا ارتداء حذاءه هو! وهكذا في كل صباح تذهب "زهراء" لمدرستها أولاً، ثم تعود عدواً إلى حيث ينتظرها "علي" قرب البيت مرتدياً الشبشب! فيأخذ هو الحذاء ويعدو إلى مدرسته التي تبدأ ظهراً!

هذا محور القصة. وفي ثناياها أحداث كبيرة، وأخرى صغيرة، لكنها شديدة اللطف. ذات مرة وزهراء تعدو بعد انتهاء مدرستها، للوصول لشقيقها في الوقت المناسب، سقط من قدمها الصغيرة أحد زوجي الحذاء في مجرى مائي ضيق. فيقضى المشاهد دقائق في متابعة مطاردة، طريفة ولطيفة، وزهراء تجري متعقبة الحذاء فتحاول التقاطه كلما همت به، ولكن دون جدوى. حتى اختفى الحذاء تحت بناء أسمنتي، ووراء قدرتها على الوصول إليه. فجلست الصغيرة تبكي! ورآها رجل عجوز طيب، فتعاون مع رجل آخر وجاءاها بحذائها. وعادت زهراء غاضبة، وألقت الحذاء لشقيقها مقررة أنها لن ترتديه بعد اليوم. لكن أني لها أن تفر من الحذاء! فالاختيار ضيق: إما الحذاء، أو عدم الذهاب للمدرسة على الإطلاق، وربما أيضاً "علقة" مؤلمة من أحد الأبوين!


وتمر أحداث الفيلم بسيطة وطبيعية. حين ترى زهراء حذاءها المفقود في قدمي زميلة لها، تتبعتها زهراء حتى عرفت مسكنها. ثم عادت إلى شقيقها وأخبرته، فقررا الذهاب لتطلع الأمر. اختبئا قريباً من البيت، ثم رأيا رجلاً ضريراً يخرج حاملاً بضائع بسيطة للبيع، تصحبه وتقوده ابنته الصغيرة، مرتدية الحذاء المفقود! نظر الشقيقان إلى بعضهما، ففهم المشاهد أنهما تنازلا عن الحذاء!

حينما فاز علي بقلم جديد من أستاذه في المدرسة لتفوقه الدراسي، أهدى القلم لأخته. كان هذا ثاني قلم يعطيها إياه هدية، لشعوره بالذنب أن فقدت حذائها ولكي يعوضها عنه بعض التعويض. ولم تكن زهراء تنظر للقلمين نظرة استنكار أو استقلال، لا بل تلقت كلاً منهما بسعادة وعرفان!

وتتابع الأحداث ببساطة وعمق وإشارات، وكشف للتناقض بين حياة الفقراء الذين يخلق حذاء واحد أزمة في حياتهم، وقوم آخرون في الطرف الآخر للمدينة يعيشون في قصور مسورة، وحدائق غناء!

وقرب النهاية، تعلن مدرسة علي عن سباق للجري. نظر علي في قائمة الجوائز، فوجد أن الفائز بالمركز الثالث يربح حذاء! ذهب إلى أخته مبشراً، سوف يدخل السباق ويفوز بالمركز الثالث، ويعطيها الحذاء الجديد. ولو كان الحذاء الجديد لا يصلح لها، فمن الممكن استبداله بحذاء يليق عليها. ودخل علي السباق. ولم يكن في حاجة إلى تدريبات طويلة، فعدوه اليومي بعد أن يحصل على الحذاء من أخته حتى يستطيع وصول مدرسته دون تأخير كان ولا شك تدريباً طويلاً وكافياً على الجري! هذه هي الحاجة حينما تصنع المهارات والأبطال! ودخل علي السباق وحده، وحوله أطفال آخرون يصورهم أهلم، وبهم يحتفون. ارتدى حذاءه المشترك المتهالك، وجرى أربعة كيلومترات كاملة، هي مسافة السباق. قرب النهاية، كان علي في الزمرة المتقدمة. بدأ يلاحظ ويحاول أن يفسح الطريق لاثنين من المتسابقين لكي يتقدموا عليه، فلا أمل في الحصول على الحذاء لو جاء في المركز الأول أو الثاني! هدفه هو المركز الثالث! وأتاه من خلفه زميل في السباق غلبت عليه نفسه الشريرة، فدفعه دفعة وقع لها على. فقام مسرعاً، وبذل كل جهده كي يلحق بما فاته من جراء الوقعة. لم يركز هذه المرة كثيراً في موقعه بين المتسابقين، فقد خلفته الوقعة كثيراً عن المركز الثالث، لذلك جرى وجرى حتى وصل. ثم سأل مدرسه إن كان قد فاز بالمركز الثالث. فبشره المدرس، ولم التفكير في المركز الثالث يا بطل، لقد فزت بالسباق، بالمركز الأول!

غالب علي الدموع خلال الاحتفال بفوزه. وعاد إلى أخته، وحينما رأته حزيناً، أدركت أنه لم يفز بالحذاء كما وعدها، فأعرضت عنه حزينه وتركته. جلس علي، وخلع حذاءه وقد اهترأ من السباق الطويل، ولم يعد صالحاً للاستخدام البشري! ووضع قدميه المتورمتين في الماء. لك أن تتخيل ما دار في ذهنه ساعتها، وكيف غلب اليأس على نفسه والعجز. ثم رأينا الوالد وهو عائد للبيت، يحمل لولديه حذائين جديدين!




هناك 10 تعليقات:

Nsreen Bsunee يقول...

حاحاول ادور على الفيلم واشوفه واقولك رأيي
لسه شابفه امبارح فيلم هوليودى اسمه
closer
فيلم جميل لجوليا روبرتس لكن ربما لانك محافظ شويه ميعجبكش لان الحوار فيه فج شويه لكن الفيلم عجبني ارشحهولك فى الداى اووف اللى جاى

لماضة يقول...

تحفة بجد
جميل جدا يا محمد
شدتني اقرا التدوينة حتى اخرها رغم طولها
فعلا فيلم جميل
ونقدك ليه اضاف كتير

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

نسرين
على فكرة الفيلم موجود على يوتوب لو ما عرفتيش تلاقيه
شوفيه ومش هتندمي

انا ضفت فيلم
closer
لقائمة الافلام في موقع التأجير بتاعي
بناء على نصيحتك
وقريت شوية عن الفيلم
انا عارف ان النوع ده من الافلام مؤلم
الافلام اللي بتتكلم عن الخيانة وكده بتكون غير مريحة
لكن هشوفه برضه ما دام فيلم كويس

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

د. لماضة
يا ريت كمان تحاولي تشوفيه
انا حاطط جزء بس من يوتوب
من الفيلم
هتلاقي ان السينما الايرانية تستاهل مننا اهتمام اكبر بكتير

MerMaid يقول...

طبعا تحفة
انا عارفة اختيارك يا محمد اكيد هيبقي حاجة كويسة
فعلا قصة الفيلم انسانية جدا

تحياتي ليك و حاول تتفرج علي فيلم اسمه
BEYOND BORDERS

حلو قوي

الي اللقاء

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

ازيك يا هاجر
انا ضفت الفيلم اللي انتي قلتي عليه عندي
قائمة الافلام بتاعي فيها 250 فيلم
مش عارف هتفرج عليهم امتى
!

حمود عصام يقول...

ما هذا العرض الجميل
وهذا المقطع الأجمل يا محمد
لست أدري أين أخذتني بالضبط
لقد استمتعت كثيرًا
وأود لو أشاهد الفيلم

أشكرك على هذا الجمال

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

حمود

يسعدني ان العرض أعجبك يا حمود
وارجو ان تشاهد الفيلم فهو يستحق فعلا
والسينما الايرانية تستحق ان نتابعها وان نعلم ان السينما ليست هوليوود فقط

غير معرف يقول...

اللي عاوز روابط لتنزيل افلام ايرانية ، يقول لي وانا اعطيه الروابط

غير معرف يقول...

الفيلم هذا روعة بكل معنى الكلمة

أنا شاهدته صدفة على التلفزيون بس مش من البداية وفعلاً يشد الإنتباه بالكامل ويخليك تندمج تماماً وتتعاطف مع براءة الطفلين

من يوها وأنا أدور عليه يا ريت اللي يعرف مقع لتنزيله يعطينا الرابط

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين