الجمعة، أكتوبر 30، 2009

كيف يمكن للمهاجر أن ينفع وطنه؟

لا تعني الهجرة أن ينجو الإنسان بنفسه مما يكره ثم يعيش ناعم البال وكأنه ولد من جديد في أرض جديدة! لا أتحدث عن متاعب المهاجر في أرض المهجر فطبيعة الحياة ألا تخلو من عقبات ولا تنجو من منغصات، أياً كان موقعك في الأرض. فالهجرة هي تحرك من أرض إلى أرض وليست تحرك من كوكب إلى كوكب آخر، أو من حياة دنيا إلى جنات النعيم! وإن كنت لا أنكر أن البلدان تختلف اختلاف عالم عن عالم وحياة عن حياة، لكل عالم منطقه وقوانينه وطبيعته. وأياً كان الأمر فالخلاصة أن مهاجر الجيل الأول لا يستطيع الانغماس التام في عالمه الجديد والانفصال عن بلده الأول.


لعلك تذكر ما كتبته هنا من قبل من مقارنات وتحسرات على ما يغيب في بلدى الأم مما أراه في بلد مهجري من حسنات. ولقد أشرت من قبل أيضاً أن المهاجر يظل في مقارنة دائمة، لا أظنها تهدأ مهما طال عمر المرء في مهجره. وفي مقابل رؤية بعض محاسن الحياة في المهجر والغائبة عن بلداننا تأتي خبرة أكثر إيلاماً، ألا وهي الاطلاع على تدرج الوطن في مهابط سوء الحال من سيء إلى أسوأ! فقد كان الحال في مصر منذ سبعة سنوات، زمن هجرتي، أفضل منه الآن، على الرغم من أنني كنت ضائقاً بسوء الحال أيما ضيق في ذلك الوقت. إن ما يصلني الآن من ارتفاع الأسعار وسرعة الانحدار يكاد أن يتمثل في ذهني كمشاهد عبثية سيريالية لا يمكن أن تنتمي إلى الواقع! كيف يمكن أن يعيش محدود الدخل في ظل هذه الأسعار؟! إن عائلات بأكملها لابد أنها تبيت لا تدري أنى لها بقوت يومها؟! لقد وصل الأمر بنا إلى الشك في قدرة قطاع عريض من الناس على توفير أدنى احتياجاتهم الحياتية كبشر!



في حضور هذه الصورة الكئيبة، أتساءل أحياناً كما يتساءل أي إنسان طبيعي أمام مصائب البشر: وماذا أستطيع أن أفعل؟!!! وهذه مصيبة غير بعيدة، فالناس كثيراً ما ينظرون بقليل من المبالاة إلى المصائب البعيدة، لكن وطنك قريب مهما ابتعدت عنك أرضه! نعم أنا أكره أشياءً كثيرة في مصر ولذلك تركتها، لكن هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى أن يجدوا طعامهم بيسر ما ذنبهم؟ أن الإنسان حينما يضعف أمام احتياجاته شديدة الأساسية لا يمكن أن تطلب منه خيراً كثيراً أو تغييراً لفساد أو أن تحاسبه على خراب يطغى على كل ما حوله! هؤلاء بشر يحتاجون أولاً لأياد تنتشلهم وتتيح لهم أن يتنفسوا بعض نفسات الهواء لحياة طبيعية!



والسؤال الذي خطر لي هو: وهل يستطيع الذين هاجروا أن يقدموا شيئاً لأوطانهم التي تعرضت لكوارث إفسادية؟! والسؤال عام وشخصي، فهو للمهاجرين على اختلاف مواقعهم وظروفهم، ولي أنا أطرحه على نفسي كمهاجر، لعلني أعلم إن كان في قدرتي أن أساهم بأي قدر من إصلاح، كبير أو حقير!

إن أول ما قد يتبادر إلى الذهن حين التفكير في مساهمات المهاجرين هو تحويل الأموال إلى عائلاتهم. ومنذ سنوات قرأت أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج هي المصدر الأول للدخل القومي! ولم أر في ذلك إلا فضيحة قومية! ففي ذلك إشارة فجة أن من تركوا البلاد هم أكبر عناصر الوطن مساهمة في اقتصاده! وليس في ذلك إقلال ممن لم يهاجروا بالطبع، لكنه يوضح إلى أي درجات التعطيل للطاقات وصلت أحوال الداخل.


ولكن ألا يستطيع المهاجرون المساهمة في إصلاح أوطانهم الأم بأشكال أخرى أيضاً؟ الحق أن إرسال الأموال لعائلاتهم لا يدخل تحت بند "الإصلاح" بأي حال، لكنه في واقع الأمر إنقاذ لما يمكن إنقاذه، أو جرعات من معونات خارجية لجسد مريض غير قادر على إقامة نفسه والقيام بوظائفه الحيوية بشكل طبيعي!




إن أقصى ما استطعته أنا شخصياً حتى الان كمهاجر هو الهم بمعاناة الناس في بلادي. لكن، وكما يقول الكاتب الأمريكي د. وين داير، فإنه مهما زادت أحزاننا وهمنا لمعاناة الآخرين فإن ذلك لن يحقق أي قدر من التخفيف لمعاناتهم. إن الهم بمشاكل الوطن لا يهدف في حد ذاته لتخفيف أو معالجة أياً منها، لكن العلم والرصد لما يحدث خطوة ضرورية نحو فرصة مستقبيلة قد يتيحها القدر للمساهمة في التغيير. ومن ثم فإن الاستمرار في المتابعة ومحاولة الفهم، وإن بدا سلبياً غير مؤثر، فإنه ضرورة، على كل آمل في انصلاح الحال ألا يتخلى عنها قدر الإمكان.




الوسيلة الأخرى التي يستطيع المهاجر بها أن يقدم شيئاً محدوداً هي تقديم خبرته في الهجرة للمهاجرين الجدد من أبناء وطنه، أو الذين لا يزالون في مرحلة التفكير في الهجرة. إن أمراض العروبة من تنافر وصد عن التعاون والوحدة ترحل مع كثير من المهاجرين إلى عالمهم الجديد وتصاحبهم في معاملاتهم مع إخوانهم. وأنا أقول أن كثيراً منا في إعراضه عن المساهمة في تقوية مجتمعه في المهجر بشكل عام، وإيثاره أن يركز جهده على أموره الخاصة إنما يتغافل عن حقيقة مهمة هي أن قوة الجزء من قوة الكل، قوة الفرد من قوة ما ينتمي إليه من جماعة أو وطن أو فكر. والمهاجرون الذين لا يحاولون المساهمة في تعزيز مجتمعاتهم الصغيرة في المهجر إنما يحكمون على أبنائهم أن يشبوا في هذه الأوطان مثل فرع شجرة مقطوع، لا حول له إلا طاقته ولا معين إلا ما تجود به الأقدار والأحوال، بينما يحقق الانتماء إلى جماعات قوية دفعات قوية تعين الفرد الضعيف على الإنجاز الأسرع في الاتجاه الأصلح. ولذلك فعلى المهاجر ألا يبخل بالنصح والتوجيه لمن يريد الهجرة حتى يأتي مهاجراً على بينة ولا يبدد سنواته الأولى في الهجرة في ظلمات من الجهل وقلة الخبرة. كذلك على المهاجرين بقدر الإمكان العمل على تعزيز مجتمعهم في الهجرة، فإن هؤلاء المغتربين أنفسهم إن تزايدت قوتهم وتعززت مواردهم كانوا بعدها أقدر على تقديم أشياء ذات قيمة لمن تركوا خلفهم في أوطان بائسة دمرتها السرقات ونهب الحريات والخيرات.


أما آخر وسائل المساعدة التي تحضرني هي مساهمة المهاجر صاحب الخبرة والتخصص في أي مجال من مجالات العلم والعمل في نقل ما ينفع إلى أبناء وطنه. وقد يتعذر في أكثر الأحوال أن يستطيع المهاجر المساهمة على نطاق واسع أو بشكل رسمي، لكن عليه أن يحاول توصيل هذه الخبرات ولو بشكل فردي ولعناصر فردية قليلة في بلده. فالطبيب المهاجر قد يحاول مساعدة طبيب واحد في وطنه بالعلم والخبرة. وكذلك المهندس أو خبير الإدارة، إلخ.


بل وقد يستطيع جماعة من المتخصصين في مجال واحد في المهجر أن يجتمعوا على تقديم شيء ولو لعدد محدود، مثلاً قد يجتمع عدد من المهندسين المصريين أو العرب في الخارج ويقوموا بتمويل منحة دراسية لطالب متميز في وطنهم، فهذه الجماعة قد تسهم بذلك في تحويل حياة إنسان وأسرة كاملة تحويلاً كاملاً. وكل خير يأتي لفرد قد ينتج بعده خيراً كثيراً يعود على جماعات وأوطان. والتغيير والإصلاح قد يبدأ فرادى قبل أن يبدأ على نطاق أوسع وأجمع. والوحدة على هدف أو عمل أكثر خيراً وأوفر ثمراً وأكبر أثراً من عمل فرد واحد، يعيش عمراً ثم يرحل إلى قبره صفراً من إنجاز لخير أو تعمير في أرض!

هناك 5 تعليقات:

mermaid hagar يقول...

how are u dear friend??
nice pictures those u caught by ur camera

كريم يقول...

طبعا كلامك جميل وأتمنى فعلا إن كلنا من المقيمين خارج مصر وعندهم القدرة على المساعدة أن يفكروا جدا جدا جدا بنفس النقط ..
ولكن .. أليس من الجيد أيضا أن نساعد بطريقة ما بعملية التعليم داخل مصر؟ طبعا النقط اللي ذكرتها في تدوينتك ممكن تؤدي بطريقة ما لهذا الإتجاه مثل الإنفاق على طالب لإكمال دراسته بالخارج .. لكن مازالت تشغلني قضية التعليم بداخل مصر وإزاي نقدر نساعد فيها من الخارج بطريقة ما ..

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

هاجر:
ازيك يا صديقتي أخبارك ايه؟ هجرتي التدوين ليه من فترة؟

كريم:
طبعا التعليم داخل مصر قضية مهمة، لكن المشكلة ان المهاجرين لازم يفكروا في اشياء يقدروا يعملوها دون الحاجة للحكومة لأن الحكومة الحالية لا تتمتع بالثقة على أي حال لذلك فأنا أفكر في الجهد الذي يتيح للمهاجر التأثير الفعلي دون الاضطرار لتضييع الوقت في دهاليز الرسميات. ماذا يمكن أن نفعل للتعليم داخل مصر مع أخذ ذلك في الاعتبار؟ أنا اعتقد أنه من الممكن دائما عمل شيء ولو صغير حينما يتم التفكير الجدي والسعي الايجابي.

هوندا يقول...

جزاك الله خيراً أوافقكك تماما فى كل فكرة فطالما آمنت بأننا جميعاً نسطيع المساهمة بشىء ما بشكل ما من أى مكان

ومن يستندو على حجة انهم مش فى البلد فما هيا إلا سلسلة أعذار لتبرير سلبية الفرد

ولكننا نستطيع أن نفعل الكثير فكما قلن نحن جزء من الكل

وفعلاً بستخسر الخبرات والمواهب التى تظهر فى الخارج وعدم إستفادة بلدنا منها بأى شكل من الأشكال

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

هوندا
الحمد لله عددنا ليس قليلاً نحن من نريد المساهمة، لكن القدر في انتظار أن تأتي الفكرة وأن تبدأ المحاولات بإذن الله. وحينها لابد أن يستجيب القدر على رأي الشاعر!

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين