الجمعة، أكتوبر 09، 2009

في بطن طائر!

لقد مكث نبي الله يونس في بطن حوت زمناً لا يعلمه إلا الله. واليوم يمكث ملايين البشر في بطن طائر كل يوم لساعات تطول أو تقصر، فيعبر بهم هذا الطائر المصنوع البر والبحر. إنه طائر نظيف الداخل، مكيف الهواء، ليست له معدة ولا أمعاء، غير أنه يشبه الطيور في طيرانه وفي جناحين يحملانه. وقد حملني هذا الطائر حديثاً في رحلة داخلية بالولايات المتحدة من أرض إلى أرض، من ولاية أمريكية إلى أخرى داخل هذا البلد الشاسع. والطيران تجربة - وإن تكررت - لا تبلى غرابتها للإنسان الملتصق بالأرض رغماً عنه، يدب فوقها عمراً حتى يغيب في بطنها جسداً بلا روح! وفي هذه الرحلات أحاول قدر الإمكان أن أحظى بمقعد يجاور نافذة الطائر الصغيرة، وقد أتاح لي ذلك أن أسجل بعض الصور للأرض الأمريكية الخضراء من أعلى. وأتعجب حين أرى مسافرين في بطن الطائر يجلسون إلى جوار النافذة غير مبالين ولا لاصقين أعينهم بزجاجها، لعلهم يستوعبون قبساً من هذه التجربة الأسطورية!

يتأهب هذا الطائر للارتفاع في الهواء بجري سريع على الأرض. هو لا يستطيع ترك الأرض مباشرة، عليه أولاً أن يجد طريقاً واسعاً، خالياً، مفتوحاً يهيء له الإسراع دونما عائق، قبل أن يتحرر من جاذبية الأرض ويبدأ رحلته نحو السماء. أنت في داخله تشعر بسرعته واهتزازاته طالما هو فوق الأرض، فإذا تركها ذهب معها شعورك بالجري والسرعة. لم يسكن الطائر، بل هو الآن أسرع مما كان عليه فوق الأرض، إلا أنه أهدأ وأكثر استقراراً وثباتاً للجالسين في بطنه. وكأن التجربة تحدثك أنك سوف تبلغ هدفك وأنت أسرع وأهدأ.. إن أنت تعاليت فوق طرق الأرض، ووليت وجهك تلقاء السماء!



تتباعد الأرض ويتصاغر ما فوقها. فإن كانت هنالك سحب معلقة بين السماء والأرض فسوف يخترقها الطائر حتى لا يحجبه حاجب عن السماء. هذه السحب البعيدة قد تدهشك سرعة وصول الطائر إليها. إنك الآن تهبط بنظرك إلى أسفل لكي ترى ذات السحب التي لم تعرفها في حياتك على الأرض إلا جزءاً من أعالي السماء. حينما تكاثفت السحب ظننتها تشبه الجليد الأبيض إذ يغطي الأرض حتى الأفق. لم أر الجليد إلا بعد أن هاجرت. ولم أر السحب وهي تشبه الجليد إلا بعد أن طرت!


الآن تتضح كروية الأرض بشكل لا يتسنى للواقف عليها. كلما ارتفعت عنها وتباعدت كلما ظهرت لك دائرية الأفق. ثم ظهرت لي من جديد خضرة هذه البقعة من الأرض! هل ترى البيوت كيف اصطفت في ترتيب حسن؟ هل ترى الشوارع كيف خططت؟ هل ترى مساحات الخضرة التي تتخلل المدن وتملأ الفراغات؟ هل ترى الطرق كيف شقت وتعددت؟ إن أرض الله واسعة، فلم يضيق بعض الناس في بعض البقاع أرض الله على عباد الله؟!



غير أن تجربة السفر في بطن الطائر قد تسفر عن ثمار أخرى غير اطلاع الإنسان على كروية الأرض ورؤية الجانب الآخر للسحاب! فقط عليك أن تحب الحديث إلى الناس، وأن تألفهم ليألفوك، وتسمعهم كي يسمعوك، وتحدثهم بصدق كي يحدثوك!


في رحلة قصيرة امتدت لساعة ونصف لم أحول نظرى إلى النافذة إلا في لفتات سريعة، إذ وجهت بصري وسمعي للشيخ الجالس إلى جوارى. هو قس كاثوليكي في التاسعة والسبعين من عمره، يسافر في البلاد حينما يطلب منه إلقاء بعض المحاضرات. قد يعتقد المسلم العربي في بلاد الغرب أن عليه أن يخفي هويته في هذا الزمن. إلا أنني رأيت في هذه الهوية ذاتها منذ أن انتقلت إلى الغرب أحد أسباب تدفق الحديث وخلق الفضول والتواصل مع خلق الله. طال حديثي مع القس، وياله من حديث! رأيت في عينيه طيبة وصدقاً، وعرفت ذلك من حديثه. تكلمنا عن مشاكل الدين والمتدينين على كلا الجانبين. حدثني عن تفاصيل شيقة من تجربته كراهب. عن حياة طويلة بلا زواج، سألته إن كان غياب الزوجة من حياته أمراً صعباً. قال لي بالطبع، ولم تكمن صعوبته في حاجات الجسد قدر ما نشأت عن الافتقاد إلى الصحبة. فالحياة دون زوجة تفسد على الرجل صحة العقل وصحة البدن. كما أن وجود الزوجة قد يساعد على ترويض حدة الغرور التي قد تصيب الراهب. قال لي أنه كان يجاهد ليحفظ على نفسه ثباتها، فالمتدينون ينظرون إليه نظرة تقديس، ويستمعون لكل ما يتفوه به على أنه الحكمة النفيسة والحق الذي لا يشوبه باطل. وهذه الطاعة الدائمة والتقديس من الناس قد تصيب ضعاف النفوس بشيء من جنون العظمة! ولذلك فهو دائماً ما ينصح حديثي العهد من رجال الدين أن يحترسوا فيما يتفوهون به من حديث، فلسوف يستمع إليهم نفر من الناس ويصدقونهم مهما خالف ما يقولونه صواب الحق!



حدثني عن بعض مشاكل الكتاب المقدس من وجهة نظره، وأن أقدم نسخ الكتاب المقدس المتوفرة تعود إلى ما بعد وفاة السيد المسيح بثلاثمائة سنة على الأقل. أعجبتني صراحته، وقلت له أنني أتفق معه تماماً في هذا الرأي، وسألته إن كان يعلم شيئاً عن عقيدة المسلمين في الكتاب المقدس. فأخبرته عنها لما نفى علمه، وقلت له أن رأيه في نظري يتقارب من عقيدة المسلمين عما طرأ على الكتاب المقدس عبر الزمن. حدثني عن لقاءات الحوار والتقارب بين رجال الدين المسيحيين والمسلمين، وكيف أنه حضر أحدها ذات مرة فكان حواراً ودياً لطيفاً، فما أن افترق الجانبان حتى وجد أصحابه يقولون له لا تصدق هؤلاء المسلمين! وأن عليهم ألا ينسوا مدى الاختلاف وما يعقتده المسلمون في بشرية السيد المسيح! أضحكني ما قاله وأدهشني من جديد تشابه الفكر بين رجال الدين على الجانبين ممن يفتقرون لانفتاح العقل وصفاء القلب، بل وأقول وصدق الإيمان! فما أقبح أناس يتحدثون إليك وفي حديثهم ود وعلى وجوههم ابتسامة، فما تكاد تغيب عنهم حتى تنفث ألسنتهم ما أبطنت قلوبهم من خباثة الكراهية وسوء الظن! إن خير مستقبل الإنسان يسكن في قلوب أمثال هذا القس من كل دين وجنس، ممن صدق إيمانهم بالله فصدق حبهم لخلقه.


إن جسد الإنسان ثقيل ما بقي حياً يدب فوق هذه الأرض، ولا يتأتى له الارتفاع فوق الأرض بذاته مهما تقدمت أدواته. أما ما يرفع الإنسان فوق الأرض وفوق كثير من الخلق فليس إلا رجاحة في العقل، ونظافة في القلب!








هناك تعليق واحد:

كريم يقول...

عن السفر بالطائرة والإستمتاع بالمنظر من الأعلى فأنا أعشقه! وعن السحاب فهو قصة أخرى من الجمال :) .. طالما إعتبرته جزء من حلم وليس واقع حين تمر الطائرة من فوقه :) ..

اما عن حوارك الجميل مع القس فهي حقا فرصة رائعة للتعرف جيدا على كيفية تفكير الطرف الأخر وخاصة لو كان طرف غير متعصب يبحث عن نقاط التواصل .. وأجدها فرصة أروع من جانب أخر لإنه ربما كلمة منك دون أن تشعر تكون يوما سبب في هداية أحد من الناس ! :)

بالمناسبة الصور ممتعة :)

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين