السبت، مارس 14، 2009

الإنسان إشارة حمراء!

لن تنمحي من ذاكرتي هذه اللحظة - ذات رحلة مشي مشمسة، في صيف شمالي أخضر - حين حدث موقف معتاد، فألهمني خاطراً أو شعوراً غير معتاد، ضحكت له في نفسي. فقد شعرت في هذه الوقفة الخالدة أنني إشارة مرور! وخبرت ساعتها ما تشعر به إشارة المرور من قوة وسيطرة، إذ تحظى على مدار اليوم بطاعة تختلط فيها الرهبة بالاحترام والإجلال. ولا يتحدى سلطتها جاهل إلا فى فترات متباعدة، فإن فعلها فاعل مجنون فلن يغادر موقع سطوتها إلا متبوعاً بنظرات الاحتقار فى أفضل الأحوال، أو بسيارة شرطة غابت عن نظره وهو يفعل فعلته، ويظن نفسه فاراً بجريمته!

لعلك تريد الآن أن تعلم هذا الموقف الذي جعلنى كإشارة مرور! أما أنه معتاد فهو كذلك بالفعل، ولكن تبعاً لموقعك في الأرض! فما يثير الدهشة بين قوم قد يمر عليه آخرون مرور الكرام، أو مرور اللئام (لدواعي توضيح الواضح: لا يندهش الكريم للكرم ولا اللئيم للؤم).

كنت يا أصدقائي ماشياً في مدينة أمريكية صغيرة، وبينما أنا أقترب من حافة الرصيف كي أعبر الشارع، فإذا بسيارة تقترب تريد أن تعبر الشارع نفسه، ولكن في عكس اتجاه عبوري له! فأصبح العبور مستحيلاً لكلينا معاً وعلى واحد منا، أنا أو السيارة، أو أنا وقائد السيارة لزوم الدقة، أن يعطي أولوية العبور لأخيه في الإنسانية. كنت قد وضعت رجلاً في الشارع وتركت الأخرى على الرصيف وهي على وشك أن تتحرك معي للأمام وتشارك في العبور، فرأيت السيارة تقترب فتراجعت للرصيف، فالشارع للسيارة والرصيف للراجل. إلا أن السيارة جاءت عند خط عبوري وتوقفت بكل احترام وإجلال في انتظار أن أواصل عبوراً تراجعت عنه! فانتظرت أنا الآخر وأشرت للسائق أن يتفضل بالمسير أولاً وأنا بعده، فأصرت السيارة اللطيفة على الوقوف حتى أعبر أنا أولاً! فأدركت أن السيارة تريد أن تعطيني أولوية لا تراجع فيها، فقبلت العبور وهي واقفة في سكون ورضا حتى أصل سالماً للضفة الأخرى. حينها خطر لي أنني كنت كإشارة المرور! فالسيارة حين رأتني توقفت فجأة ثم لم تحرك ساكناً. لن أخفي عليكم أنني كنت أعبر الشارع ماراً أمامها شاعراً بالشموخ والعظمة! والحق أن شموخ الراجل (لمن لا يعلم: الراجل بالألف لا علاقة بها بالرجل الذي هو مقابل المرأة ولكنه من يمشي على رجليه!) وعلوه فوق الراكب ليس بالشيء المستغرب في هذا البلد. فقد عرفته على مر السنين وتقلبي بين المدن والولايات، الصغير منها والكبير والمتوسط. ثقافة وقوف السيارة للمشاة هي السلوك المعتاد حقاً وفعلاً. ومن طرائفنا أننا نحب أن نقول وأن نظن أن "هؤلاء القوم" إنما يفعلون ما يفعلون خوفاً من القانون. لكن جميع السيارات التي وقفت لي وأعطتني الأولوية وأنا راجل لم يكن القانون ليجد ضدها شيئاً لو أنها تجاهلتني وعبرت. بل أحياناً ما كنت أنا العابر ضد القانون، يعني من مكان غير مخصص للمشاة، و رغم ذلك لم تفقد السيارات إصرارها أن تتوقف وترجوني أن أعبر أولاً! لذلك علينا أن نتواضع قليلاً لله وللحق ونقر أن مكارم الأخلاق ليست حكراً علينا – أو ما تبقى منها في ديارنا!

ومن عادات المهاجر المتأصلة دوام المقارنة بين بلده وبلد مهجره، وملاحظة الاختلافات، والتحسر على الغائب لدينا من محاسن العوالم الأخرى. فتعال معي في مقارنة بين لون المشاة في كل من مصر وأمريكا في عيون قائدي السيارات! الخلاصة: الإنسان في أمريكا إشارة حمراء وفي مصر إشارة خضراء!

نعم للأسف. ولا يحتاج المرء أن يسافر ويعبر البحار والمحيطات كي يفطن إلى ذلك. فقد كنت في مصر قبل أن أعبر لها حدوداً أضيق بالقريب والصديق والغريب إن ركبت إلى جانبه فرأيته أو رأيتها يرى عابراً للطريق يعبر أمامه فزعاً فلا يخطر له أن يقلل من سرعة سيارته حتى يطمئن العابر. وكنت إن قدت سيارة لا أستطيع أن أرى عابراً فأقترب منه في نفسي سرعتي، إذ كانت نفسي تقرص أذني وتوبخني إن لم أهديء سرعة السيارة ولو في رسالة رمزية للعابر المسرع ألا يخشى في عبوره ويطمئن، فإن سلامة الإنسان واطمئنان نفسه أكثر أهمية من تحرك السيارات ومن توفير الدقائق واللحظات! لكن قائدي السيارات في مصر يصرون إصراراً يومياً مقززاً على تجاهل البشر وكأنهم لا وجود لهم! وكأن العابر إشارة خضراء يقول للسائق أسرع ولا تبالي إنما أنا إشارة مفتوحة لا يتوقف لها أحد أو يحفل بها! بل وأذكر صديقاً مصرياً تزوج أمريكية وسبقته إلى مصر مع عائلته في زيارة قبل أن يلحق بها، وكان أول ما لاحظته وأفزعها أن "السيارات لا تتوقف للمشاة"! أذكر ذلك لدلالته كيف تؤثر الثقافات في إدراك الناس فيرون الغريب غريباً أو يرونه مألوفاً مقبولاً.

ولا أشك أنك ترى معي أن الإنسان يجب إن يكون إشارة حمراء في كل حقوقه، عابراً لطريق أو معبراً عن رأي، كارهاً لحاكم أو قابلاً له، مريداً للتغيير أو نافراً منه. هو إشارة حمراء في وقته ورزقه ومصالحه، وفيما له من خيرات أرضه وثروة وطنه. إنني أحب اللون الأخضر وأحب أن أراه في كل ركن من أركان وطني، تزدان به الشوارع وتتحلى به الحدائق، تصح به أجسام الناس وتنعم به أعينهم، لكنني أحب أن أرى الناس في كل مكان إشارات وحدوداً حمراء، يحترمها كل عابر احتراماً يجمع بين حب ورهبة، فإن تجرأ مجنون أو مجرم على تخطيها تتبعته نظرات الازدراء، وتعقبته سيارة "الأمن"، فتوقفه في منتصف الطريق، وتنذره إنذاراً غليظاً وتغرمه غرامة ثقيلة، أو تلف يديه في أساور من حديد، وترميه خلف أسوار محكمة، تحجب عن الأحرار أذى الفجار!

هناك 10 تعليقات:

Rain_Drops يقول...

انت خليتني أحس إني بطيخة كبيرة يا شدو :d
كيفك يا رجل ؟

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

ايه بس اللي حسسك بالبطيخ؟ :)
أنا الحمد لله ما زلت أدب على وجه الأرض، كيفك أنت وأين ذهبت بك كتب الطب؟

Dr.Abdu يقول...

غير معروف ليه انتظروني قريبا
هي دي مشكلتنا ايه علاقة البطيخ بالموضوع اما انه لم يقرأ أو قرأ ولم يفهم عموما الغلطة مش غلطته احنا كنا بنذاكر الطب من المراجع وامهات الكتب ونقرأ في الشعر والأدب و السياسة و من بيننا خرج ابراهيم ناجي ويوسف عز الدين عيسى و مجدي يعقوب وغيرهم كثر
الآن دراسة الطب بقت ملخصات و دروس خصوصية
هذا ماجناه علينا حكامنا
واحنا ساعدناهم باستسلامنا

Rain_Drops يقول...

علاقة البطيخ بالموضوع إننا فعلا إشارات خضرا في البلد دي و أنا حاليا بقيت إشارة خضرا كبيرة.
أنا حاليا خلاص بنهي علاقتي بكتب الطب ، الفترة اللي فاتت دي كانت من أصعب فترات حياتي يا عم شدو ، الظاهر إنهم مش عايزين يسيبونا نطلع منها بالمعروف زي ما دخلنا بالمعروف :)

غير معرف يقول...

Shedou, I'm Islam! Do you remember me?I'm now at the US studying at West Virginia!I like your blog! Thanks!

Nour يقول...

السلام عليكم..

أحب أن أرى الناس في كل مكان إشارات وحدوداً حمراء، يحترمها كل عابر احتراماً يجمع بين حب ورهبة، فإن تجرأ مجنون أو مجرم على تخطيها تتبعته نظرات الازدراء، وتعقبته سيارة "الأمن

ذلك ما نرنوا اليه دوما..ولكن.. ماذا نفعل فى اجساد اصبحت خاويه لا يوقظها واعظ ولا يسكنها سلوك فطرى رشيد بعدما تبددت الفطر وانتكست بعض الشىء..الى ان اصبحنا نحترم القوانين خوفاُ من العقاب فقط ونضرب بعرض الحائط ما لا يخطه قانون وضعى سواء كانت اخلاقيات مكتسبه او فطريه..
واصبحنا فى حاجة الى ان نتشبه باشارة مرور محاولة منا للشعور بتواجد حقوق لناوالاحترام فى كل شىء ..

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

د. عبده
مرحباً بك في عالم التدوين :) أرجو أن نرى مدونة قريباً تضع فيها بعضاً من خبراتك الكثيرة فى عالمي الطب والأعمال.

------------

محمود قطرات المطر
فيه ايه بس يا صديقي ما الذي حدث؟ لازم احاول اتكلم معاك واعرف التفاصيل ان شاء الله.

---------------

إسلام
أنا أذكر أكثر من "إسلام" يا إسلام، رجاء أن تنعش ذاكرتي المهترئة يا صديقى.

------------

نور
شكرا على تعليقك يا نور والهم واحد!

® الأغانى للرأفتــــانى يقول...

انت عارف يا محمد
انا قريت البوست ده بتاع ٣ او ٤ مرات. وكل مره اتوقف عند الجمله بتاعه ان الانسان فى مصر اشاره خضرا. وكل مره افسرها على موقف او تجربه معينه

وكم من شعور بالغربه موجود عندما تكون فى حضن الاهل والاصحاب
جزاك الله خير يا صديق

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

رأفت باشا

نعم يا صديقي نحن في مصر إشارات خضراء طبعا، فكل صاحب سلطة ليس عنده وقت يضيعه فكل ما أمامه إشارة خضراء وطرق مفتوحة وبشر حقوقهم مستباحة!!!

حسن - قوالب بلوجر معربة يقول...

إذن هو الشموخ ، شموخ الإشارة الحمراء ، تشبيه عجيب و لكنه لطيف؟؟

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين