الخميس، يونيو 26، 2008

لماذا عدت للإسلام

تطرقت في مواضع قليلة من هذه المدونة لكوني اخترت ديني، أو عدت إليه، على بينة، وأشرت ذات مرة إلى تركي الدين الإسلامي ما يقرب من عامين قبل العودة إليه عن قناعة شخصية. والواقع أنني أنشأت مدونة بالانجليزية أسميتها "لماذا أنا مسلم" Why I am Muslim بنية تخصيصها لهذا الموضوع، مع التوجه بالحديث للقاريء الغربي غير المسلم أساساً. وحتى اليوم ما بلوت بلاء حسناً في الكتابة بانتظام في تلك المدونة. ثم أنني أود أيضاً التطرق لذات الموضوع في مدونتي العربية هذه، غير أن ما أكتبه عامة في مدوناتي كلها أقل مما أود أن أكتبه. فالمرء بين حدود الطاقة والوقت والقدرة على الالتزام ينجح أحياناً ويخفق أحياناً في فعل ما يحب ويرجو.

ثم جاءتني رسالة من صديقة للمدونة تطلب مني إيضاحاً أكثر تفصيلاً عن أسباب عودتي للإسلام. وهي لا تسأل سؤال الفضول وإنما سؤال من يطمح أن يجد رداً على تساؤلات شخصية وراحة فكرية. فليس كل من يولد مسلماً – أو وارثاً لأي دين أو رؤية فكرية – يظل عمره كله مخلصاً قانعاً بما انتقل إليه أباً عن جد. ولبعض بني آدم قدرة على اقتلاع عقولهم من أي أرض نبتت فيها هذه العقول، والتحليق فوق الأرض بحرية، والنظر في كل تربة تمر تحتهم، حتى إذا ما وجدوا ما يرضيهم هبطوا إليه واستراحوا عليه. غير أن بعضهم الآخر يستثقل فكرة النظر في نوع تربته، وجهد انتزاع نفسه منها إذا ما كان هنالك ما هو أفضل وأكثر خصوبة. والناس بين هذين الفريقين ألوان مختلفة متدرجة، منها هاديء معتدل يجمع بين جنباته ألوان شتى في انسجام وراحة، ومنها متطرف في اللون، فهو أبيض أو أسود أو أحمر، يلفظ كل ما عداه من ألوان مغايرة، لفظ جسد الإنسان للعضو الغريب.

وقد خلقني الرحمن فظللت زمناً على دين عشيرتي لا أرضى به بديلاً ولا أرى دونه ما يستحق النظر. ثم تولتني العناية الإلهية، فضقت ذات يوم باتباع المقلدين، وأقلق حبي للحرية راحتي العقلية، فشعرت بثقل الأفعال حين تخلو من روح، ورأيت أن الروح لا ينفخها في الإنسان إلا النور. والنور قرين للحق. فرأيت أن أجعل ولائي الأول للحق، وأن أبدأ عند عتباته حتى أصل إلى نهاياته. فالحق باب وبداية، وطريق وهداية، وهو في ذاته الغاية. نعم هو كل ذلك معاً.

فبدأت رحلة تحرير للعقل والنفس، أريد بها أن أنزع نفسي من تربتي. فقرار الخروج من تربة الميلاد يختلف عن الخروج ذاته. لقد طرأ القرار في لحظة. لكن تنفيذه استغرق زمناً وجهداً، واستلزم حيلاً! وأنا لا أر شيئاً فعلته في حياتي أفضل مما فعلت آنذاك.

أما هذه فهي مقدمة. وأنت تدرك ولا شك أن إجابة مثل هذا السؤال لا تتيسر في سطور يوم واحد، مهما كثرت. بل لا أشعر إنني قادر على تفصيل صورة وافية مهما أكثرت. فقرارات النفوس تغذيها آلاف المعلومات والرؤى والتفاصيل عبر شهور وسنوات. غير أنني سوف أقدم على المحاولة. وسوف أعمل على الوفاء بوعدي للصديقة صاحبة الرسالة. ولا شك أن الأمر يستحق الحديث ويستحق العرض. فدين الإنسان حياته، وهو طريقه ومصيره. ومن العبث أن نقبل شيئاً مصيرياً لمجرد أن جاءنا على طبق من ميلاد وعائلة وتقاليد.

وأختم هذه المقدمة قائلاً أنني قبلت الإسلام لأنني لم أجد ما هو أفضل منه أو أكثر توافقاً مع العقل والفطرة، فأكثره عندي مقبول وقليل منه عليه علامات استفهام (لاحظ: هذا فقط حال تواصلي المباشر مع الوحي، بعد إلقاء قمامات التقاليد في مكانها الطبيعي!)، أما غيره فكثيره معلول، لا سيما أساساته، وإن كثر مقبوله من فروع وهوامش. وقائلاً كذلك أنني ما زلت محتفظاً من رحلة التحرر الأولى بثباتي على الحق كمبدأ وغاية، وقدرتي على التحرر من كل ما عداه لحظة أن يتبين لي ذلك. وقائلاً كذلك أن قبولي الإسلام ليس خاتمة ولم يصل بعد إلى غايته. فما زلت بحاجة للنظر وإعادة النظر. وما زلت أستمع لآية من قرآن فأتوقف وأسأل وأتساءل، دون أن يتعارض ذلك مع التصديق. وتراودني منذ فترة رغبة في تكرار الرحلة، وقد يكون لذلك أيضاً سلسلة حديث متصلة، بعد أن أنهي هذا التوضيح الصعب، الذي غامرت وفتحت بابه، عن لماذا أنا مسلم!

(ملحوظة لطيفة: وأنا أكتب هذه التدوينة، بشحمها وحبرها الافتراضي – على جهازي المحمول خارج البيت – جاءتني صديقة أمريكية رأتني أكتب ورأت المدونات فأخبرتها عن كل منها، فطلبت مني أن أخبرها "لماذا أنا مسلم"! فحدثتها قليلاً حتى اضطرت أن تذهب)

وبعد، فإن أحببت أن تتابع ما أكتبه عن هذا الموضوع، فأرجو ألا تتوقع أن تتتابع التدوينات سراعاً. فلقد بدأت ونويت، وهذه المدونة منفذ للتعبير عن أفكار كثيرة ومواضيع مختلفة، لذلك فقد تتباعد أجزاء السلسلة في الزمن. والله المستعان.

هناك 13 تعليقًا:

Rain_Drops يقول...

معلش يا شدو أنا بعيد عن النت الفترة دي بسبب امتحان عندي بكرا ، ادعيلنا
أنا طبعا معاك جدا في مسألة الجهد الجماعي للرد على مواقع زي اللي انت شفتها دي ، أنا ليا تجربة يمكن تكون أعمق منك كمان في مواقع الملحدين و من والاهم ، فكر انت في الوسيلة للرد و أنا معاك بس أما أخلص على الرمد بكرا !

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

ربنا يوفقك يا باشا في الامتحانات
خلص انت وبعدين نبقى نتكلم ان شاء الله

وجهة نظري يقول...

ربنا يوفقك، وحقيقي ناس كتير أوي مستنيين يعرفوا نتائج أفكارك علشان يستفيدوا .... ممكن تقول بتختصر الأفكار بالنسبه لناس كتير

عاشقة الحواديت يقول...

ربنا معاك

Rain_Drops يقول...

خلاص يا عم شدو أنا فاضيلك دلوقت ، أنا خدت نظرة سريعة على الواد برني دا ، هو من نفس نوعية سلومون و شركاه ، مش عارف إذا كان دول يستاهلو الرد عليهم ولا قلة أدبهم دي المفروض ناخدها كدا و نسيحلهم بيها زي نكنيف كدا ما اتصيت في كل حتة على ايدينا

دي قضية بلد يــا علــي ؟؟!! يقول...

فى البداية تحياتي لأسلوبك الراقى فى الكتابة ... انت لما تركت الإسلام لمدة عامين .. اعتنقت ديانة تانية .... ولا لأ .؟؟ ممكن توضحلي شوية ؟؟؟ وايه هيه السباب اللى خلتك تفكر فى الموضوع ده ..
تحياتي ؟؟

Rain_Drops يقول...

شدو ما اعتنقش أديان تانية ولا حاجة ، هو بس مر بفترة بنعدي بيها كلنا في فترة المراهقة ، حاول يعزل نفسه عن الدين اللي ورثه و يفكر بعقله في الدين ، هو طبعا رفض الفكر الوهابي السلفي اللي بيغزو أسماعنا في خطب الجمعة ، و رجع تاني لما قرأ للمجددين الإسلاميين في القرن ال20 زي الغزالي

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

وجهة نظري

علينا المحاولة وعلى الله التوفيق
شكرا لك

-------------------

عاشقة الحواديت
تسعدني المتابعة

-------------------

محمود قطرات المطر

انا لسه مش عارف يا محمود ايه هو الحل الامثل
هو اكيد الرد افضل من التجاهل
مش عشانهم بس عشان المتابعين لهم
وكمان عشانهم
خلينا نقول الله اعلم بالنيات وربما كانوا من الجهال بس
لكن الموضوع محتاج جهد منظم وناس كتير قادرة على هذا النوع من الحوار
ممكن على الاقل نبدأ برصد اكثر هؤلاء متابعين وقراء
قولي افكارك انت كمان

-------------------

قضية بلد

زي ما قطرات المطر قالك انا لم اعتنق دين اخر
لكن بدأت باني حررت نفسي من الاسلام
اما الاسباب فده اللي هحاول اتعرض له في تدوينات قادمة ان شاء الله

Rain_Drops يقول...

أنا علقت عنده يا سيدي و اديته شوية روابط في موضوع الله إله القمر دا ، أما نشوف هيقول ايه

علوة يقول...

يهمني جدا أتابع
فهي الفكرة المحركة
البحث

علوة يقول...

من الصعب وصف حالة اللقا
بعد سنين كتير جدا
عدت على وقفة نص ساعة في بلكونة
بس فرحان

Mohamed Shedou محمد شدو يقول...

مرحبا يا علوة
نورت المدونة وسعيد بوجودك معانا في هذا العالم الفكري الافتراضي
:)

اتمنى اشوفك قريب لما ربنا يسهل وانزل مصر ان شاء الله

SANAD يقول...

السلام عليكم
مدونتك جاذبة جدا يا ابوحميد و فيها كلام كثير أفكر فيه دائما و أعجز عن صياغته. سأكون متابعا لكم.
أريد أن الفت انتباه أخي محمود قطرات المطر الذي ذكر الجملة التالية في تعليقه اعلاه(هو طبعا رفض الفكر الوهابي السلفي اللي بيغزو أسماعنا في خطب الجمعة)أرجو الانتباه أن اكبر مطب يقع فيها الكثير هذه الايام وهو الاقصاء (اقصاء الاخر و دمغة باسم و سمة معينين) و بالتالي فليحرص كل من يريد اسلاما مستنيرا على ان لا يقع في نفس المطب. يعني يفضل و صف المخطئ دون اطلاق اي تسميات فهذا كفيل بتوجيه ذهن القارئ الى الفكرة المقصودة وليس الى الجماعة الفلانية او العلانية
نحياتي لمحمد بك ووكيله محمود :)

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين