الثلاثاء، مايو 27، 2008

أمنيات الكتب

منذ وقت قريب بدأت في متابعة مدونة سردال، بعد أن يسر لنا قاريء جوجول وسيلة أكثر ذكاء وسرعة في متابعة ما نحب من مدونات. وفي تدوينة غير بعيدة اقترح كاتب المدونة أن ينشر كل منا قائمة الكتب التي يحب شراءها على موقع أمازون الشهير لبيع الكتب. والموقع يتيح لمستخدميه هذه الخاصية بالفعل، ألا وهي إنشاء قائمة بالكتب التي يود المستخدم شراءها في المستقبل Wish List. وقد بدأ بتلبية الاقتراح صديقاي في التدوين د. إبراهيم عبد الغني ثم علي أبو طالب. ولأن مثل هذا الاقتراح يمس مشاعرنا نحن معشر محبي الكتب، فقد لاقى هوي في النفس. ثم شجعني صديقاي في العالم الافتراضي على الإدلاء بدلوي في بئر الأماني المعرفية الذي لا حد لعمقه، ولا تكفي أعمار وأعمار للتجول في أنحائه جميعاً!

وقبل أن أنشر الوصلة لقائمة أمنياتي الخاصة فلابد لي من بعض الحديث على سبيل المقدمة. أما القائمة فأنا لم أقم بإنشائها في وقت حديث، فلقد ولدت مع بداية عهدي بموقع أمازون، ولذلك فسوف تجد أن قائمتي تغطي ثماني صفحات كاملة. فقد كنت أضيف إليها شيئاً كلما رأيت كتاباً في مكتبة أو على الموقع وشعرت أنني أحب اقتنائه في وقت قريب أو بعيد. أما النفع من نشر هذه القائمة فله وجهان في رأيي. الأول هو اطلاع على اهتمامات صاحب كل قائمة، فما نختار من كتب يفصح ولا شك عما نحمله في عقولنا وقلوبنا من أفكار ورغبات وهموم. أما وجه النفع الثاني فيتمثل في تعرف كل منا على كتب ربما أحب إضافتها وقراءتها ذات يوم. فالحياة واسعة ولا يستطيع إنسان واحد أن يلم بكل ما فيها من مصادر الخير وأسباب العلم.

أما ملحوظتي الثانية فهي أن هذه القائمة إنما تمثل اهتماماتنا الكتبية باللغة الانجليزية فقط. ولو كان موقع أمازون يبيع كتباً عربية لشملت القائمة ولا شك منها شيئاً كثيراً. وأنا شخصياً طالما تمنيت وحاولت أن أجد موقعاً مشابهاً لأمازون لبيع الكتب العربية. وكلما جربت موقعاً عربياً صدني عنه شيء. فأسعار الشحن – على سبيل المثال – غير معقولة على هذه المواقع. وقد تظن أن الشحن مرتفع الثمن لأن البائع في بلد عربي والمشتري عبر المحيط في الولايات المتحدة. غير أنني كثرما اشتريت كتباً من موقع أمازون الفرنسي، وكان يتم شحن الكتب عبر المحيط أيضاً من فرنسا، لكن أسعار الشحن كانت مناسبة تماماً. ولا أعتقد أن المسافة بين فرنسا ولبنان أو مصر هي التي تضاعف تكاليف الشحن هذه الأضعاف المضاعفة!

على كل، هذه قائمتي. أما أمنيتي- قبل الحصول على هذه الكتب من القائمة - فهي أن أنهي
أولاً قراءة كل ما اشتريته فعلاً من كتب! (لا سيما بعد ما نهلته من سيل الكتب).

الاثنين، مايو 26، 2008

تاريخ وجغرافيا

الجغرافيا قلم يرسم تاريخ الإنسان

الاثنين، مايو 19، 2008

ترجمة شدوية: السقوط ألف مرة

أخبرنا الحكماء ألا نبتئس مهما وقعنا المرة تلو الأخرى، طالما أننا نقوم من جديد ونواصل المسير نحو النجاح. لكن الحق أن اليأس يصيبني بعد الوقوع في كل مرة، ثم أجدني أقاوم محاولة القيام من جديد، ولم أقوم وأنا أعلم أنني سوق أسقط من جديد، تماما مثلما حدث في الألف مرة الماضية! أو لعلها الألفي مرة السابقة، من يعلم؟ فأنا لم أحاول أبداً حصر مرات السقوط.

إن التعب يتملكنا ونحن ممدون على الأرض في أعقاب السقوط. ولذلك لا نستطيع البدء بعمل أي جهد. فالحركة بحاجة إلى طاقة، لا سيما ونحن نتحرك إلى أعلى، ضد الجاذبية التي تمارسها علينا الأرض! إن الطاقة التي نحتاجها آنئذ أكبر بكثير مما نحتاجه ونحن نشطون متحركون بالفعل. إن القيام بعد سقوط هو أصعب ما في الرحلة!

أنا أعتقد تماماً أن علينا القيام مرة إضافية بعد الألف سقطة، أو الألفي سقطة، أو أي عدد من السقطات. غير أن المشكلة الحقيقية هي الوقت الذي نضيعه ونحن ممددون على الأرض بعد الوقوع. والسؤال الآن هو كيف؟ كيف نقلل من وقت بقائنا على الأرض؟ فالحق أننا سوف يصيبنا الإعياء بعد السقوط وسوف تسيطر علينا الكآبة. أتمنى لو كنا نستطيع ألا نعاني من هذه العواقب، لكنها سوف تحدث شئنا أم أبينا. فالسقوط بعد التحليق لابد وأن يؤلم. وقد يكون من شأنه أن يكسر بعضاً من كياننا المعنوي. فهل هناك وسيلة للشفاء بشكل أسرع؟ للحصول على الطاقة اللازمة للقيام من جديد دون تضييع الكثير من الوقت؟ هذا هو ما أحاول أن أجد له إجابة!

هذه ترجمة
لتدوينة كتبتها لتوي في مدونتي الانجليزية.

السبت، مايو 17، 2008

حد يعرف يقوله ليه؟

Tell Me Why-Declan Galbraith

ما السبب، أخبروني

أرى في حلمي أطفالاً يغنون
أنشودة حب لكل ولد وبنت
سماء زرقاء، وحقول خضراء
والضحك لغة يعرفها العالم أجمع
ثم أصحو على دنيا ملؤها أناس يعيشون في حاجة

أخبروني لماذا، أهذا ما يجب أن تكون عليه الأمور
أخبروني لماذا، أهنالك شيء فاتني
أخبروني لماذا، فأنا عاجز عن الفهم
عندما يحتاج كل هؤلاء لمن يساعدهم
فلم لا نمد أيدينا بالمساعدة؟
ما السبب، أخبروني

كل يوم أسأل نفسي
ماذا يجب أن أفعل لكل أصبح رجلاً
أعلي أن أقف وأحارب
لكي أثبت للجميع من أكون؟
أهذا معنى حياتي
أن أبددها في عالم يعج بالحرب؟

أخبروني لماذا، أهذا ما يجب أن تكون عليه الأمور
أخبروني لماذا، أهنالك شيء فاتني
أخبروني لماذا، فأنا عاجز عن الفهم
عندما يحتاج كل هؤلاء لمن يساعدهم
فلم لا نمد أيدينا بالمساعدة؟
.....................

.....................

بلاغ إلى محكمة العقل والفطرة: خطبة جمعة تحاول خنقي في أمريكا - 1


تمهيد:
في المدينة الصغيرة التي أعيش فيها حالياً لا يوجد مسجد، ولكن يوجد مجمع للأديان داخل جامعة كورنلCornell University ، وهو مبنى مخصص للأديان جميعاً، تقام فيه صلاة الجمعة وغيرها من المناسبات الدينية الإسلامية. أما خطبة الجمعة فالتطوع لإلقائها مفتوح لمن يرغب، وهنالك بعض المتطوعين الدائمين للخطابة، أغلبهم ينتمي للجامعة، بعضهم عرب وبعضهم غير عرب. أنا شخصياً أضيق أشد الضيق ببعض هؤلاء الخطباء، وينشرح صدري حين أرى بعضهم الآخر. سوف تلحظ أثناء كل خطبة بعض أفراد يجلسون على دكة خشبية بدلاً من افتراش الأرض. هؤلاء جاءوا إشباعاً لفضولهم عن ماهية الإسلام والمسلمين، وبعضهم الآخر يأتي بصورة دائمة حتى تشعر أنه إنما يفعل ذلك في إطار بحث دراسي.

الموضوع:
اليوم دخلت المسجد لصلاة الجمعة في منتصف الخطبة. بعد بضعة دقائق بدأت سحابة سوداء في التحليق فوق رأسي. ومع مرور الوقت أصبحت كلمات الخطيب وأفكاره أكثر كثافة، فصعد منها سحاب أسود ثقيل، وشعرت بأحجاره تهبط فوق رأسي. والله أنا لست بهازيء ولا مبالغ، لكنني بالفعل شعرت بأثقال تضرب رأسي. ثم بدأت أشعر بالاختناق. قلت بصوت نافد الصبر، مسموع للجالسين بجانبي: أستغفر الله العظيم. وغمغمت أنني أود لو قمت احتجاجاً على ما أسمع من هراء. فكرت بالفعل للحظة أن أقوم أمام الجمع تعبيراً عن ضيقي بما أسمع وأغادر الخطبة. ثم حاولت أن أفكر في شيء آخر لكي أدفع عن رقبتي وصدري تلك الكلمات وهذه الأفكار، لكن هيهات. أوشك الخطيب على الانتهاء، ثم تلكك وأعاد، حتى قلت في نفسي: "اخلص بقى وصلي قبل روحي ما تطلع." فبدأت الصلاة وداخلي غيظ شديد وشعور غريب، هو خليط من القهر والغضب والدهشة والكراهة! حاولت أن أهديء نفسي بالصلاة. وأنا أصلي فكرت ماذا أفعل، واقترحت على نفسي أن أذهب لهذا الشاب الأمريكي الجالس على الدكة الخشبية مستمعاً، وأتعرف عليه وأقول له أن الإسلام - كما أعرفه - بريء مما سمع لتوه. ودعوت الله أن يهديني لفعل ما يحب هو، حسب علمه. فمهما كان ظني وحديث عقلي وفطرتي أن الله لا يحب ما قيل، فإنني لست على اتصال مباشر به سبحانه، لكي أعلم قوله في هذه الخطبة، ولذلك رأيت أن أدعوه هذا الدعاء المحايد.

بعد انتهاء الخطبة سلمت على الأصدقاء والمعارف. ولأن غيظي كان فائضاً وصدري ضيقاً، فقد عبرت عن رأيي لهم جميعاً. أنا هاديء بطبعي، غير أنني أتكلم وأتكلم حينما أضيق بشيء مثل ذلك، ولا أترك فرصة لا أعبر فيها عن رأيي. كانت شكواي أولاً للأصدقاء العرب، فوجدتهم جميعاً يستغربون من ضيقي بما سمعت. وكلما حاولت شرح ما ضايقني، لم أجد فهماً، ووجدت قبولاً لا يرى غضاضة في أي مما كدت أن أختنق بسببه من فكر. ثم عبر كريم – صديق مصري – عن مساندته لي. ثم رأيت أن أعبر عن ضيقي لعصام، صديق مصري آخر يلقي خطبة الجمعة أحياناً، وكان هو أكثر من حاورته بالتفصيل في أسباب ضيقي، ووقف حولنا بعض الأصدقاء مستمعين.

حاولت أن أوصل وجهة نظري للمستغربين من ضيقي. أعطيتهم مثالاً بالقصة التي ختم الخطيب بها، ويبدو أنه كان يتحدث عن فضل نبي الإسلام، وكيف أن المسلمين مقصرين في الدفاع عنه. والقصة الحكيمة هي قصة تاريخية عن مبشرين مسيحيين ذهبوا بين نفر من المسلمين يحاولون تحويلهم عن الإسلام ودعوتهم للمسيحية. فإذا بالقس المبشر يبدأ في سب نبي الإسلام، فإذا شرع في هذا السب، رأى الجمع كلباً حاضراً يصيبه الهياج ويبدأ في النباح بغضب، ويحاول مهاجمة القس. المهم ظن المبشر أن الكلب إنما يفعل ذلك لرؤية انفعاله في الحديث وحركات يديه مع الحماسة. فلم يبالي المبشر، وواصل حديثه، ثم حينما بدأ في سب نبي الإسلام مرة أخرى، هاج الكلب، ثم اندفع مهاجماً المبشر حتى أرداه قتيلاً! أما قمة الإثارة في القصة فهي أن جمعاً من غير المسلمين الذين حضروا هذه المعجزة أسلموا جميعاً لتوهم! (للأسف لم يقم المصلون بالتكبير حين سمعوا هذه الجزئية، كما كان الخطيب يتمنى دون شك!). كانت هذه القصة هي تتويج الخطبة، ومعها كادت روحي أن تزهق! سألني أصدقائي عما أغضبني من هذه القصة، فهي قصة تاريخية حقيقية. قلت لهم فلتكن معجزة حدثت في غابر العصور إن شئتم. غير أن المعجزات لا يجب أن يأبه لها إلا من حضرها، وسرد المعجزة لا يمت للعقل أو المنطق من قريب أو بعيد. فالحديث يجب أن يكون مبنياً على منطق يمكن الحكم عليه حكماً مجرداً، وأن يقدم حجة يمكن للإنسان النظر فيها واختبارها قياساً على أحكام العقل، والمعجزة لا تفي بهذا الغرض، لذلك فهي لا تصلح كحجة. ثم شرحت لهم أننا في بلد غير مسلم، وهذه الخطبة يأتي إليها أناس يرغبون في فهم الإسلام. وأنا لو لم أكن مسلماً يستمع لمثل هذا الحديث لعافت نفسي هذه التفاهات. قال لي صديقي ولكن أنت تسمعها كمسلم، قلت له بل إنني أضيق بهذا الحديث وأنا أستمع إليه كمسلم عاقل. قال لي صديقي: فما بالك وأنت مسلم تستمع لهذه القصة، فما تشعر حيال هؤلاء الذين أسلموا حين رأوا الكلب يقتل المبشر؟ قلت بصراحة: أقول عليهم حفنة من الأغبياء! فإن رجلاً يقبل ديناً بأكمله، لأنه رأى كلباً يغضب لسب نبي هذا الدين، لهو رجل تافه لا عقل له، تحرك حياته معجزات واهية (ولعل أحفاد هؤلاء هم من وصلوا بهذا الدين إلى ما نراه اليوم!). قال صديقي: ومن قال أن هؤلاء الناس لم يكونوا يبحثون فعلاً في الدين، وكان هذا الحدث بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؟ قلت هذه تبريرات ومحاولات لتزيين القصة لم ترد على فم الخطيب، والذي يهم هو ما قاله فعلاً، لا ما يمكن أن يكون كامناً خلف ما قاله من معان وملابسات!

قالوا لي حسناً، فماذا في الخطبة غير ذلك قد أثار غيظك لهذه الدرجة؟ قلت أعطيكم مثالاً آخر. لقد تحدث الخطيب ناقداً لبعض الأديان، وهو يقصد المسيحية، كيف أنها تبشر بفكرة الخلاص، وسخر الخطيب كيف أن هتلر مثلا بعد أن قتل آلاف البشر بإمكانه أن يؤمن بالمسيح فيتم خلاصه ودخوله الجنة. أما في الإسلام فالإنسان يجازى على عمله. حسناً الفكرة في ذاتها مقبولة، وإن كنت كرهت أسلوب الخطيب في السخرية من معتقدات الآخرين. لكنني معه على كل حال أن مجرد الإيمان مع سوء العمل لا يمكن أن ينجو بإنسان، مهما آمن من ساء عملهم وظلموا غيرهم بأي إله أو مخلص. اتفقنا. ثم بعد قليل يتحدث الخطيب عن عظمة النبي، فيقول كيف أنه حينما عرض عليه ربه أن يطلب طلباً مؤكد الإجابة، طلب منه النبي الشفاعة في أمته. ويقول الخطيب فيأتي الرسول في الآخرة ويقول لربه دعائي يا رب، فيفي الله بوعده ويخرج بقية من كان من أمة محمد في النار. أما أني إنسان غريب صحيح! فماذا يثقل علي في مثل هذا الحديث؟! قلت: انظروا كيف تكلم الخطيب قبل ذكر هذا المعنى عن فكرة الخلاص وسخر منها، ثم ها هو بعد ذلك بدقائق يبشر بنفس المعنى في دينه مرحباً به ومفتخراً!!! قال صديقي إنما هو يقصد المسلم الحقيقي، أنه سوف يخرج من النار حتى ولو تعذب فيها قليلاً لقاء ذنوبه. قلت له أعلم، ولكن الخطيب وهو يتكلم لم يذكر المسلم الحقيقي أو غير الحقيقي، ولكنه ذكر القصة كحق للمسلمين جميعاً. فحديثه يقول أنه يقصد بالمسلم محمداً، وبالمسيحي جورج. لكن الحق أن هنالك مسلمين – اسماً - سوف يخلدون في النار. والخطيب - إن شاء الدقة وحسن الحديث - يجب أن يوضح هذا المعنى، فالإسلام ليس إرثاً إسمياً ولكنه حالة وموقف إنساني وقلبي. وأكثر ما فجعني في الأمر هو أنه أتبع هذا المعنى بهذا الشكل بعد قاذع نقده لفكرة الخلاص، فأي تناقض!

طالت مني التدوينة، لذلك أرجيء البقية لتدوينة أخرى إن شاء الله.

فإلى اللقاء في الجزء الثاني!

الجمعة، مايو 16، 2008

بيبي في المكتب

تدوينة الملياردير الأمريكي الشهير دونالد ترمب الأخيرة تتكلم عن اتجاه في بعض الشركات في الولايات المتحدة للسماح للآباء باحضار أطفالهم الرضع إلى مكاتبهم. يعني تجد الأم جالسة على مكتبها تعمل وبجانبها رضيعها، وعليها أن تمارس عملها وفي الوقت ذاته تنتبه لاحتياجات صغيرها بالطبع. وهذه الشركات تفعل ذلك في محاولة لتوفير مناخ عمل مريح لموظفيها، فالأم لرضيع قد لا تود تركه في حضانة وقد يظل ذهنها مشغولاً بأمره أثناء العمل. والأمر لا يبدو كفكره جيدة، وقد يتعارض مع مصلحة العمل ومع مظهر الشركة. إلا أنه إشارة لحركية المجتمع الأمريكي وقدرته على التجديد والتجريب. قد تفشل التجارب ويطويها النسيان، لكن بعضها يمهد سبلاً جديدة في حياة الإنسان ويفتح آفاقاً كانت من قبل مغلقة. والتجربة مع الخطأ أفضل كثيراً من الجمود على المعتاد.

السبت، مايو 10، 2008

عبقرية أم


هذا كتاب قرأته منذ بضع سنوات. لكنه من الكتب التي تترك في عقلك ونفسك أثراً لا يمحوه مر الزمان، ولا يقدر عليه النسيان. لا تظن أن "عبقرية أم" هو عنوان الكتاب. وإنما هو عنوان باطن في قصة هذا الجراح الأمريكي الشهير. فهذه أم أمية، لا تقرأ ولا تكتب، مطلقة، فقيرة، تعمل خادمة في بيوت الناس، لكنها أدركت بفطرة نقية وعقل سليم كيف تحول حياة ابنها من القاع إلى القمة، وآمنت بقيمة الكتاب وبقدرة العلم على التغيير، وإن لم تتح لها الحياة أن تحظى منهما بنصيب.

الكتاب عنوانه Think Big أو التفكير الكبير، وهو تعبير شائع في الثقافة الأمريكية. ومعناه ببساطة أن يطلق الفرد أحلامه وطموحه إلى عظائم الأمور والإنجازات، بدلاً من القنوع بصغائرها، وبغض النظر عن إمكاناته المتاحة في حاضره. فكل كبير قد بدأ صغيراً. وكل من اعتلى القمة بدأت نحوها خطواته من القاع.

بعد انفصال والدي بن، عاش هو وشقيقه مع أمهما. كانت الأم، العائل الوحيد للأسرة، جاهلة فقيرة، وسوداء في ظروف ضيقت على الأسود معيشته بسبب لون بشرته. ولم يؤهلها ذلك إلا للعمل كخادمة في بيوت ميسوري الحال. وبدأ بن في دراسته الابتدائية كأي طفل في مثل ظروفه. كان معروفاً لدى قرنائه أنه أغبى تلميذ في الفصل. وكانت سيرة من شابه حالهم حاله هي ترك المدرسة والحياة في الشارع، وربما تعاطي المخدرات والاتجار فيها، والانضمام إلى عصابة صغيرة أو كبيرة في منطقته. غير أن الأم ذات يوم من الأيام، أخذت قراراً واحداً، غير مستقبل ولدها بن كارسون Ben Carson إلى أبد الآبدين!

كانت الأم تعمل في بيوت الأثرياء، وترى كيف يعيشون. ولم تكن فطرتها قد فسدت لكي ينتج عن ذلك حقد عليهم، أو قبول لهذا الاختلاف بين حياتها وحياتهم على أنه قدر لا سبيل لتغييره. كانت تقول لولدها بإلحاح، أنت ذكي وتستطيع أن تكون مثل هؤلاء الأغنياء. لست أقل منهم في شيء يا بن، لديك كل الإمكانات التي تؤهلك لكي تكون ناجحاً وعظيماً. كانت تؤمن بذلك وتبث في نفس ولدها ثقة في نفسه، لكن ذلك لم يكن كافياً بعد لكي يغير الطفل الصغير من عاداته أو يفعل شيئاً لمستقبله. فالإنسان في طفولته عجينة طيعة ملأى بالإمكانات والبذور، غير أنها عجينة عاجزة لا تدرك كيف تروي بذورها وتروي أرضها الخصبة. وذلك دور الأهل الذي كثيراً ما يغفلون عنه. وذلك أيضاً مصداق قول رسول الإسلام: كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته.

كانت الأم ترى كيف أن الأغنياء يقرأون، ولديهم في بيوتهم مكتبات خاصة. لابد أنها عملت لدى أغنياء حقيقيين مثقفين، مثلهم ليس كمثل بعض أغنياء الفساد والقسوة والغباء. فرأت الأم أن السبيل لإخراج ولدها من المصير المظلم الذي ينتظره هو إجباره على استغلال إمكاناته ومواهبه. وذات يوم عادت الأم إلى البيت وأصدرت قراراً بيتياً حاسماً ونهائياً. مطلوب من بن أن يذهب للمكتبة ويختار كتابين كل أسبوع ويقرأهما، ثم يكتب لها تقريراً عن كل كتاب! كل أسبوع كتابين، فإن لم يفعل، فلن يسمح له بأي مصروف ولن يستطع حتى أن يشاهد التلفاز أو يخرج ليلعب مع أصحابه. عليه أولاً أن يقضى هذا الواجب حتى يستطيع الحصول على ملذاته وأسباب لعبه ولهوه. ضاق الصبي بهذا القرار الظالم! لكنه لم يستطع إثناء الأم، فاضطر للخضوع كارهاً مضطراً.

وبدأ بن يستعير كتابين كل أسبوع ويكتب عنهما تقريراً يقدمه لوالدته. ومع مرور الوقت تحول بن تلقائياً من أغبى تلميذ في الفصل إلى أنبغهم. بل وحقق نجومية بين زملائه، وأصبحوا يأتون إليه لمساعدتهم في فهم دروسهم! وقد بدأ ذلك حينما ألقى أحد المدرسين سؤالاً لم يعرف إجابته أحد. لكن بن عرف الإجابة، ليس من كتب المدرسة، ولكن من الكتب التي قرأها تنفيذاً لأمر والدته. حينها تحرج بن قليلاً في التطوع للإجابة، وثم رأى نظرات السخرية حينما تجرأ وقام للإجابة. ثم فاجأ الجميع بإجابة أكثر من وافية، إجابة قاريء خبير! حينها أدرك بن أن هذه القراءات تحقق له تميزاً وتفرداً، وتجلب له الإعجاب والاحترام. فعرف للقراءة قدرها، ولذتها، كيف أنها توسع عالمه، وترفع قدره. فاستمر في أداء الواجب القرائي بدافع ذاتي، وانتهى به الحال طبيباً وجراحاً مشهوراً وكاتباً ومحاضراً لامعاً. وأنشاً طلبة في الولايات المتحدة جماعات باسمه تحاول تنفيذ خطة هذه الأم العبقرية، قرائة كتابين في الأسبوع!

فانظر كيف أدركت الأم أن القراءة هي سبيل إجبار ولدها على إحياء قدراته وتحقيق النجاح في حياته. ثم انظر كيف أجبرته على تقديم تقرير عما يقرأ، حتى وإن لم تستطع هي قراءة هذه التقارير، كونها لا تعرف القراءة والكتابة! كيف علمت أن إعادة صياغة وكتابة ما فهمه من قرائة كتاب واحد خير من قراءة عشرة كتب قراءة عابرة؟ هذه أم عبقرية أقدم قصتها وما أنجزته في ولدها هدية لنا جميعاً، أمهات، وآباء، وأبناء!

الجمعة، مايو 09، 2008

كوارث مصر "غير" الطبيعية

لربما حمد المصريون ربهم أن وقاهم شر ما يصيب غيرهم من كوارث طبيعية مدمرة. لقد ذاقت مصر بعضاً منها، لكنه قليل جداً إذا ما قيس بما يحدث في مواقع أخرى من الأرض. غير أن المصريين يعرفون نوعاً مختلفاً من الكوارث، يهبط عليهم تماماً مثل غضب الطبيعة، فلا يستطيعون لها رداً ولا دفعا. لكنها كوارث صنعتها يد الإنسان، حين تعامى عن قوانين الرحمن!

من قبيل ذلك ما ضرب حياة المصريين من زيادات أخيرة في الأسعار. ولو تأمل المتأمل في مستوى الدخول ومتطلبات الحياة، لعلم أن هنالك رجال ونساء، أطفال وعجزة يبيتون على بطون جائعة خلف جدران مصر "المحروسة". ويبدو أنه قد طال عليها الأمد وهي مهروسة.... أقصد محروسة، لكن حرستها زاغت أعينهم على ما لا يحق لهم من الطيبات، فانقلبوا من حراس لسجانين.

لقد مرت عقود طويلة على تحمل هذا البلد لكوارثه. أحياناً ما تزينت الكوارث بلباس خادع، فأقبل عليها الواهمون واطمأنوا لها، حتى رأوا منها ما يكرهون. وتوالت الكارثة تلو الكارثة، ورغم كونها من فعل الإنسان، فقد استسلم لها من استسلم، شأنها شأن الزلازل والأعاصير.

والكوارث الإنسانية لا تعرف الرحمة، وهي تنمو نمواً سرطانياً، لو لم يتم استئصاله لبغى على الجسم كله حتى أهلكه.

الجمعة، مايو 02، 2008

الانترنت: صداع المسؤلين وحليف الثائرين

كثيرون يضيقون أو يسخرون بجهاد الانترنت، وقد يرون فيه ضرباً من التنفيس السهل عن الرفض والرغبة في التغيير. وليس هناك في الواقع جهاد انترنت، ولكن الفيس بوك ومختلف أدوات الانترنت هي بالضبط كذلك: أدوات. فماذا تفعل هذه الأداة؟ إن ما تفعله هو تيسير التواصل بين الناس، المهتمين بقضية واحدة، بسرعة وسهولة غير مسبوقة في تاريخ الإنسان. وقد قرأت اليوم قصة صغيرة رأيت أهمية ذكرها في السياق المصري الحاضر، ونحن على مشارف "إضراب" جديد يوم الرابع من مايو. لم تعد كلمة إضراب مناسبة تماماً. هو احتجاج جماعي إن شئت. القصة حدثت في أمريكا، وأبطالها طلبة مدارس حكومية في ولاية فيرجينيا. والحكاية باختصار أن طالباً توفي من جراء انتشار مرض معد، ولم يكن الطلبة راضين عن مستوى النظافة في مدارسهم، مما ييسر انتقال العدوى. وبين ليلة وضحاها (خلي بالك بقى من الحتة دي) نظم الطلبة أنفسهم عن طريق رسائل المحمول والمواقع الاجتماعية – من قبيل فيس بوك، وجر الطلبة مسؤلاً كبيراً (على ملا وشه) وأخذوه في جولة في أحد المدارس حتى يرى ما يريدونه أن يرى. ونتج عن ذلك أن تم إغلاق 27 مدرسة تابعة لهذه الإدارة التعليمية وتنظيفها و"تعقيمها". خلصت الحدوتة الأمريكاني.

الحدوتة المصرية: الرئيس غير موعد خطابه للشعب وقدمه بضعة أيام. و"منح" الشعب العامل "منحة" كبيرة، زيادة عن السنين الماضية. وطبعا لن يوقف هذا الخطاب "مجاهدي الانترنت" عن الجهاد "الافتراضي". لأن تأثيره تحول بقدرة قادر من عالم الافتراض والأوهام الرقمية إلى عالم الواقع والخطابات الرئاسية. وكان الاستنتاج أن الموضوع ليس جهاداً رقمياً ولا افتراضياً، ولكنه استخدام وسيلة تتيح التواصل السريع جداً جداً بين الناس العادية جداً جداً، التي ليس لها قدرة على الوصول لوسائل التواصل والإعلام الأخرى، الطبقية في جوهرها، كونها غير متاحة إلا لنخبة تملك المال أو السلطة أو الشهرة. والله أعلم!

تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين