الخميس، أغسطس 28، 2008

رحلة قصيرة في قرية صغيرة!

منطقة الـ Finger Lakes أو "بحيرات الأصابع" - إن شئت ترجمة حرفية - التي أعيش فيها حالياً اتخذت اسمها من شكل بحيراتها التي تشبه شكل أصابع اليد، إذا نظرت إليها من السماء. وهي نعمة في الصيف، على من يعيش فيها أن ينهل من الطبيعة قدر ما يستطيع قبل أن يأتي الشتاء، فتختفي الخضرة تحت الجليد، والشمس خلف السحب - أو فوقها إن شئنا الدقة! وصور اليوم من قرية صغيرة صغيرة، تبعد عن مدينتي مسافة قصيرة. وهي تطل على أحد الأصابع، أو البحيرات، وهي بحيرة سينيكا Seneca Lake. هاكم بعض الصور. أغمض عينيك واحلم معي أن يصحو سكان كل خرابة فيحولوا خراباتهم إلى جنات، بما مكن الله للإنسان في الأرض وسخر له كل شيء!





الخميس، أغسطس 14، 2008

شدو يخطب في الناس: الأخوة في الإسلام

تحدثت منذ فترة عن خطبة الجمعة التي حاولت خنقي في أمريكا. ثم ذكرت جانباً من توابعها وما تلاها. غير أنني لم أذكر واحداً من هذه التوابع في حينه، وهو أن هذه الخطبة أدت لإلقائي خطبة الجمعة بعد ذلك ببضعة أسابيع! والذي حدث – لمن يذكر الموضوع أو يحب العودة إليه – أنني بعد الخطبة عبرت عن استيائي الشديد، وقلت فيما قلت أن أي إنسان عاقل سوف ينفر من مثل هذا الفكر، وركزت على كوننا في بلد غربي غير مسلم، وأن أي مستمع أتى محاولاً فهم هذا الدين فسوف يكون معه كل الحق إن خرج منه نافراً ولأفكاره مستحقراً! ثم تأكد لي ذلك حينما التقيت مع رجل أمريكي مسيحي بعد الخطبة مباشرة فأعرب عن اندهاشه لما سمع واطمأن بعد أن رأى أن مسلماً أو أكثر قليلاً ينفرون أشد النفور من هذا الفكر ويرونه مخالفاً لحقائق دينهم. في الجمعة التالية ذهبت لصديقي الذي حاورته وأخبرته بما سمعت من الأمريكي المسيحي، في محاولة لتأكيد صحة ما ذهبت إليه. وكان صديقي هذا يخطب الجمعة أحياناً، فاقترح مشكوراً أن ألقى الخطبة بدلاً منه بعد أسابيع قليلة. فتترددت قليلاً ثم قبلت. والحق أنه طالما طاف بذهني من قبل أن هنالك مواضيع أحب أن تذكر على مسامع جماعة المسلمين هاهنا، بل وفكرت أن أكتب خطبة وأعطيها لصديق كي يلقيها نيابة عني، فما يهمني هو وصول الفكر بغض النظر عن أداة التوصيل. لكن حينما جاءت الفرصة ومع إلحاح وإقناع الصديق، غلبت علي طبيعتي المحبة للتجريب فقررت الإقدام، وكان ما كان!

حينما علم بعض أصدقائي بدأت التحذيرات! فإن لي آراءً في الدين كثيراً ما تزعج المؤمنين المخلصين ممن ولدوا مسلمين. ولا يفتأ استياؤهم يدهشني، إذ لا أرى فيما أقول إلا منطقاً متوافقاً تماماً مع الوحي وحقائق الرسالة. لذلك لم أتقبل بصدر رحب تحذير صديق ألا أقول خطبة تحوي فكري الديني – الغريب وربما المبتدع إن شاءوا - وأن أعرضها عليهم قبل أن ألقيها، فغمغمت باقتضاب ألن أفعل، و.. "أنا أعي ما أقول"! لم يكن غروراً لكنها خبرة أعوام بالدين كما أنزل، وبإيمان أهله به كما شبوا عليه!

حاولت أن أتحدث في أمر قريب من قبول المستمعين، على أن أعالج واحداً من أمراض جماعة المسلمين، وأعرض لما أراه شيئاً من أساسات الدين الذي احتفظ المسلمون باسمه وجحدوا معناه، فتحدثت عن الأخوة في الإسلام. والحمد لله تقبلها الناس بقبول حسن. وقد رأيت أن أسجلها حتى أستطيع العودة إليها وتكشف أخطائي، لا سيما أنها كانت باللغة الانجليزية، وهي لغة لم أتعلمها إلا في المدارس الحكومية المصرية، ثم بالقراءة والحياة في أمريكا على كبر! وهي تجربة وخبرة مفيدة في الإلقاء والتكلم أمام جمع من الناس، أو الـ public speaking. وقد أصابني القلق قبل الخطبة حينما أدركت أنني لم أفعل إلا أن كتبت نقاطاً، فندمت أنني لم أكتب النص كاملاً حتى يسهل علي تكوين المعاني. ولم أقل كل ما أحب قوله في هذا الموضوع، لا سيما بعض الاقتراحات العملية، فقد كنت محدوداً بوقت معين.

هذا تسجيل للخطبة تستطيعون تحميله والاستماع إليه، وأرحب بكل رأي ونقد. وسوف أكتب المعاني بالعربية أيضاً وأنشرها في تدوينة قادمة بإذن الله.
حمل ملف mp3 مــن هنــــــا، أو مــن هنــــــا.

الاثنين، أغسطس 11، 2008

الرضا: كلمة معادة وقيمة لا تبلى

في تدوينة سابقة جاءني تعليق من صديقتي في التدوين نسرين، فيه نقد ذاتي وسؤال. والنقد الذاتي، أو المشكلة، هي عدم الشعور بالرضا، عن النفس وعما يحدث للنفس. ورأيت أن أفرد لتفكري في هذه الأسئلة تدوينة. أقول تفكري ولا أقول جوابي أو حلولي. فهذه مشاكل إنسانية يشترك فيها أكثر الناس بدرجات وأشكال متفاوتة، ولا شك أنني منهم. والكتابة أحياناً ما تكون تفكيراً مسموعاً، أو مرسوماً، على مرأى من الكاتب ومن الآخرين، وهذا التجسيد لهواجس النفس ومحاورات العقل يعين من يكتب على زلاته، ويقرب أعماق نفسه من حسه. وسوف أحاول أن أبحث عن إجابة بها -أنا والسائلة وكل زائر أو عابر سبيل - ننتفع؛ لعل ظلمات السخط أن تنقشع، وأنوار السكينة أن ترتفع!

أما نقد الصديقة صاحبة السؤال لذاتها فحقيق بتعقيب ولو سريع. أقول لها فقط أنه نعمة وبشارة. فإن الأعمى إن ظن نفسه مبصراً تحامق في سيره، وأهلك نفسه وغيره. ومريض تغاضى عن علته، وفرح بصحته، لا ينظر إلا هلكته.

تقول نسرين أنها ساخطة على نفسها، دائمة النظر إلى أخطائها، وأنها قد اتخذت من جلد الذات هواية لها. وكما مدحت نقد الإنسان لذاته، وإدراكه لعيوبه وزلاته، فإن كل حسن قد يتطرف فيضر ولا ينفع. ولعل الوسطية التي تلوكها ألسنتنا وأقلامنا كثيراً هي ما نبغي، فالوسط أو التوازن بين أضداد يوفر مجالاً مثالياً لحركة الإنسان في الأرض/المادة، وحياة نفسه في الروح. وهذا الوسط هنا هو توازن بين إدراك المرء لعيوبه، وتيقظه لأخطائه في الفعل والفكر، وبين تسامح الإنسان مع نفسه.

ولعل مما يعين الإنسان في مسامحته لنفسه هو تذكيرها أن الله غفور رحيم. ففي حديث واحد لنبي الإسلام عن هذا المعنى يقول أن الإنسان لو لم يخطيء فيستغفر الله فيغفر له، لجاء الله بخلق آخر يخطئون فيغفر الله لهم. وهو ما يبين أن الخطأ طبع إنساني معروف ومفهوم، ينظر له الخالق برحمة وود. وفي موضع شديد الأهمية من قصة الإنسان يخبرنا القران عن خطأ أبينا الأول، آدم عليه السلام، وكيف غفر الله له ذنبه بعد قليل من زلته. ولننظر قليلاً في بعض دروس هذه الخطيئة الأولى. اقرأ الآية:
"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما"
نعم، نعم! هذا نحن! كثيراً ما ننسى ويضعف منا العزم، أو الإرادة كما نسميها الآن. ومنشأ المشكلة هنا يكمن في "النسيان". انظر للآية وكيف أن النسيان فيها يسبق خوار الإرادة. ولذلك أيضاً يطلق على القران اسم "الذكر"، من التذكير والتذكر، وهو ضد النسيان. بل وقد تتلخص وظيفة الأنبياء في إنقاذ الإنسان من آفة النسيان: "إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر". وأريد أن أخلص من رسالة هذه الخطيئة الأولى إلى أمرين؛ أولهما قرب المغفرة الإلهية لأخطاء الجهل والنسيان: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم"، وأنه أولى بنا إذا انغمسنا في جلد الذات أن نقول لهواجسنا: ألا نسامح أنفسنا والله ذاته جل وعلا يغفر الذنوب جميعاً؟ وأين نحن من الله حتى يغفر هو ولا نغفر نحن؟! كما أن طلب المغفرة لابد أن يصحبه تيقن في قرب الإجابة: "ادعوني أستجب لكم"، ومن ثم فإن علينا أن ندرك أن عدم تسامح الإنسان مع نفسه هو من ضعف التصديق في مغفرة الله!

وإن هنالك أيضاً وصفة سحرية أجدى وأصلح من الهم بالأخطاء، إذا أردنا حياة إيجابية تعرض عن اللغو (والهم بالماضي لغو، إلا نظر للعبرة والفهم والدرس)، وتقبل على ما ينفع، وهذه الوصفة النبوية هي: "أتبع السيئة الحسنة تمحها". وهذه الوصفة العبقرية تهديك للانشغال بالحسنة بدلاً من الانشغال بالسيئة، فإن في تحول الخاطر من قبيح فعلناه إلى حسن نخطط لفعله مبعث للتفاؤل وشفاء للنفس. وإن تكرار محو السيئة بالحسنة لخليق أن ينزع السيئة من جذورها في النفس، حتى يستريح المرء منها إلى غير رجعة.

وتشير نسرين في تعليقها أيضاً لما نعرفه جميعاً من دعاء بلا إجابة، فأنت ترى الخير لنفسك وترجوه، فتدعو الله ثم تدعوه، ولا يتحقق شيء. فتتساءل لم يا رب لا تعطيني هذا الذي أبغيه! وربما قلت لنفسك كم من دعاء ألححت به ولم ألق رداً، ولم يعطني الله ما أريد! وظني أنه علينا أن نستخدم ما أقسم الله به في بدايات الوحي: "القلم"! يعني إن عجزت عن تذكير نفسك بما يجب أن تذكره، اكتبه وعد إليه بين الحين والحين. تقول نسرين مثلاً أنها تعلم تماماً أن الله أخرجها من مآزق كثيرة وأجاب لها حاجات سابقة. والحل هو أن "تدون" - أو تسجل إن شئت! - ما تستطيع تذكره من هذه الأحداث. هذا فيما يتعلق بما سبق وأجابه الله من دعاء. لكن الواقع لا يخفى، نعم كثيراً ما ندعو ولا يستجاب لنا. وأعود هنا لآفة النسيان. وحديثي بالطبع أوجهه للمؤمن الذي يحتاج لتذكر ما يؤمن به، وهو التالي: أن الله ينظر لحياتك من عل، فيرى ما لا تراه أنت. فأنت يا ابن آدم لا تكاد تبصر أمامك شبراً أو متراً، إلا محض ظن. فأنا إذ أكتب كلمة في ساعتي هذه لا أعلم يقيناً على أي حال سوف أنهيها! وقد ترى طريقاً أوله رحمة فتشتهيه، غير أن في آخره عذاباً لو اطلعت عليه لوليت منه فراراً، ولملئت منه رعبا! ومن جهة أخرى فإن تأخير الخير كثيراً ما يكون من لوازم التربية الإلهية للنفوس. ولو ظفر الإنسان بكل ما يشتهي فور اشتهائه لفسدت نفسه. كما أن ذلك لا يمكن أن يكون من طبائع الحياة الدنيا. ولعلنا نغفل كثيراً عن كون الدنيا مجرد حياة أولى، غير أبدية، وأن الهدف منها ليس تحصيل الإنسان للمتعة وخلوده للراحة والنعيم. والهدف الأصدق هو صقل الإنسان لذاته والعلو بها في مدارج العلم والعمل، على مر الأيام وتقلب الأحوال. وإن هذا التقلب ذاته بين الخير والشر، والعسر واليسر هو وسيلة إثراء وتنمية ثروتك الوحيدة في الحياة: نفسك!

طالت هذه التدوينة، وفرغ ذهني في هذه الساعة من تكملة لحديث في هذا الأمر. فأرجو أن أكون قد أفدت الصديقة السائلة شيئاً يكفر عن تأخري في الرد!

الخميس، أغسطس 07، 2008

طائر يتنزه

هذا طائر اجتمع معي يوم أمس في ذات المكان، توجانوك بارك في مدينة إثاكا الشمالية الصغيرة، حيث أحد الثنائيات المفضلة عندي ألا وهي اجتماع الماء والخضرة. لم يبد عليه أن عنده هموم أو مشاغل، لذلك من الطبيعي أن نتصور أنه خرج في الطبيعة يلهو ويستمتع بجمالات الخلق الإلهي في كوكب الأرض. كان يمشي حيناً في الخضرة، ويقف أكثر الأحيان ونظره للماء، واقفاً هادئاً متأملاً. ثم يرتفع عن الأرض ارتفاعاً يسيراً حيث لا يمسكه إلا الرحمن، فيمرح في الهواء لحظات ثم يعود إلى الأرض. كان يسرع للارتفاع أيضاً كلما حاولت أن أدنو منه كي أصوره عن قرب. لم يدرك أنني إنما أردت الاقتراب بحسن نية وفي إطار من مشاعر الود والصداقة، لا تشوبها شائبة من الإثم والعدوان. ربما علم من تجربته الخاصة ومن حكايات الحكماء من الطير أن الإنسان كائن لا يؤمن جانبه. والطير لا يحزن كثيراً أن يذبحه الإنسان ليأكله، فهو يعلم أن هذه واحدة من أسباب خلق الله له، لكنه رأى كيف يقتل الإنسان طيوراً ليلهو بها ويمرن مهاراته في تصويب الرصاص والموت إلى صدور الأحياء. كما علمت الطيور أيضاً ما فعله الإنسان في الأرض من فساد وتلويث مما لا يتصوره عقل، إذ لم يلبث بنو آدم أن خربوا اليابسة حتى تحركوا إلى البحر الواسع فلم يرحموه من مختلف أنواع السموم والفضلات يلقونها إليه! وها أنا أنشر صورة هذا الطائر المحب للماء والخضرة كلفتة سلام وود نحو هذه المخلوقات الجميلة، نيابة عن نفسي وعن كل أصدقائي من البشر الذين لا يحبون الفساد ولا يسعون في الأرض تلويثاً وتخريبا!




تابع جديد المدونة على بريدك الالكتروني

أرشيف المدونة

مرحباً بالزائرين