لعلك تذكر ما كتبته هنا من قبل من مقارنات وتحسرات على ما يغيب في بلدى الأم مما أراه في بلد مهجري من حسنات. ولقد أشرت من قبل أيضاً أن المهاجر يظل في مقارنة دائمة، لا أظنها تهدأ مهما طال عمر المرء في مهجره. وفي مقابل رؤية بعض محاسن الحياة في المهجر والغائبة عن بلداننا تأتي خبرة أكثر إيلاماً، ألا وهي الاطلاع على تدرج الوطن في مهابط سوء الحال من سيء إلى أسوأ! فقد كان الحال في مصر منذ سبعة سنوات، زمن هجرتي، أفضل منه الآن، على الرغم من أنني كنت ضائقاً بسوء الحال أيما ضيق في ذلك الوقت. إن ما يصلني الآن من ارتفاع الأسعار وسرعة الانحدار يكاد أن يتمثل في ذهني كمشاهد عبثية سيريالية لا يمكن أن تنتمي إلى الواقع! كيف يمكن أن يعيش محدود الدخل في ظل هذه الأسعار؟! إن عائلات بأكملها لابد أنها تبيت لا تدري أنى لها بقوت يومها؟! لقد وصل الأمر بنا إلى الشك في قدرة قطاع عريض من الناس على توفير أدنى احتياجاتهم الحياتية كبشر!
في حضور هذه الصورة الكئيبة، أتساءل أحياناً كما يتساءل أي إنسان طبيعي أمام مصائب البشر: وماذا أستطيع أن أفعل؟!!! وهذه مصيبة غير بعيدة، فالناس كثيراً ما ينظرون بقليل من المبالاة إلى المصائب البعيدة، لكن وطنك قريب مهما ابتعدت عنك أرضه! نعم أنا أكره أشياءً كثيرة في مصر ولذلك تركتها، لكن هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى أن يجدوا طعامهم بيسر ما ذنبهم؟ أن الإنسان حينما يضعف أمام احتياجاته شديدة الأساسية لا يمكن أن تطلب منه خيراً كثيراً أو تغييراً لفساد أو أن تحاسبه على خراب يطغى على كل ما حوله! هؤلاء بشر يحتاجون أولاً لأياد تنتشلهم وتتيح لهم أن يتنفسوا بعض نفسات الهواء لحياة طبيعية!
والسؤال الذي خطر لي هو: وهل يستطيع الذين هاجروا أن يقدموا شيئاً لأوطانهم التي تعرضت لكوارث إفسادية؟! والسؤال عام وشخصي، فهو للمهاجرين على اختلاف مواقعهم وظروفهم، ولي أنا أطرحه على نفسي كمهاجر، لعلني أعلم إن كان في قدرتي أن أساهم بأي قدر من إصلاح، كبير أو حقير!
إن أول ما قد يتبادر إلى الذهن حين التفكير في مساهمات المهاجرين هو تحويل الأموال إلى عائلاتهم. ومنذ سنوات قرأت أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج هي المصدر الأول للدخل القومي! ولم أر في ذلك إلا فضيحة قومية! ففي ذلك إشارة فجة أن من تركوا البلاد هم أكبر عناصر الوطن مساهمة في اقتصاده! وليس في ذلك إقلال ممن لم يهاجروا بالطبع، لكنه يوضح إلى أي درجات التعطيل للطاقات وصلت أحوال الداخل.
ولكن ألا يستطيع المهاجرون المساهمة في إصلاح أوطانهم الأم بأشكال أخرى أيضاً؟ الحق أن إرسال الأموال لعائلاتهم لا يدخل تحت بند "الإصلاح" بأي حال، لكنه في واقع الأمر إنقاذ لما يمكن إنقاذه، أو جرعات من معونات خارجية لجسد مريض غير قادر على إقامة نفسه والقيام بوظائفه الحيوية بشكل طبيعي!
أما آخر وسائل المساعدة التي تحضرني هي مساهمة المهاجر صاحب الخبرة والتخصص في أي مجال من مجالات العلم والعمل في نقل ما ينفع إلى أبناء وطنه. وقد يتعذر في أكثر الأحوال أن يستطيع المهاجر المساهمة على نطاق واسع أو بشكل رسمي، لكن عليه أن يحاول توصيل هذه الخبرات ولو بشكل فردي ولعناصر فردية قليلة في بلده. فالطبيب المهاجر قد يحاول مساعدة طبيب واحد في وطنه بالعلم والخبرة. وكذلك المهندس أو خبير الإدارة، إلخ.
بل وقد يستطيع جماعة من المتخصصين في مجال واحد في المهجر أن يجتمعوا على تقديم شيء ولو لعدد محدود، مثلاً قد يجتمع عدد من المهندسين المصريين أو العرب في الخارج ويقوموا بتمويل منحة دراسية لطالب متميز في وطنهم، فهذه الجماعة قد تسهم بذلك في تحويل حياة إنسان وأسرة كاملة تحويلاً كاملاً. وكل خير يأتي لفرد قد ينتج بعده خيراً كثيراً يعود على جماعات وأوطان. والتغيير والإصلاح قد يبدأ فرادى قبل أن يبدأ على نطاق أوسع وأجمع. والوحدة على هدف أو عمل أكثر خيراً وأوفر ثمراً وأكبر أثراً من عمل فرد واحد، يعيش عمراً ثم يرحل إلى قبره صفراً من إنجاز لخير أو تعمير في أرض!





